"جيروزاليم بوست": سوريا "رقعة شطرنج" متزايدة الخطورة بالنسبة لإيران في الشرق الأوسط

الخميس 21-11-2019 | PM 12:53 الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع لـ الحرس الثوري الإيراني - صورة أرشيفية

سيث فرانتزمان | جيروزاليم بوست

لدى إيران الكثير من القوى في سوريا لدرجة أن الولايات المتحدة أدرجت في عام 2018 في سياستها الرسمية "إزالة جميع القوات التي تقودها إيران والوكلاء من البلاد". لقد أمضت إيران سنوات عديدة تستغل ضعف نظام بشار الأسد لترسيخ قواتها في سوريا، على أمل الخروج من الحرب الأهلية التي دامت ثمان سنوات في ذلك البلد، في وضع أقوى بكثير. ويعد هذا جزءًا من استراتيجية إيران الكبرى في الشرق الأوسط، والتي تسعى أيضًا إلى السيطرة على أجزاء من الحكومة العراقية وزيادة نفوذها على النظام السياسي في لبنان. لا يوجد عقبات تذكر في طريق إيران، حيث إن الولايات المتحدة قد أوضحت أن هدفها طويل الأجل هو مغادرة سوريا بالكامل، بينما يقتصر دورها في العراق على محاربة "داعش"، إلا أن دور إيران في سوريا يهدد إسرائيل بشكل متزايد، كما يتضح من التوترات الأخيرة والغارات الجوية العديدة على الأهداف الإيرانية التي قالت إسرائيل إنها نفذتها على مر السنين.

تم تسليط الضوء على دور إيران في العراق من خلال 700 صفحة من الوثائق التي تم تسريبها من أجهزة الاستخبارات الإيرانية إلى موقعي "ذا إنترسبت" و"نيويورك تايمز". أما في سوريا، فدور إيران غامض ولكنه معروف أيضًا، حيث لدى إيران الكثير من القوى في سوريا، حيث ضمنت الولايات المتحدة في عام 2018 في سياستها الرسمية "إزالة جميع القوات التي تقودها إيران والوكلاء من البلاد". وشملت دراسة حديثة أجرتها وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية معلومات سرية عن وجود إيران في سوريا، لكن تقرير المفتش العام الأخير حول العمليات التي تقودها الولايات المتحدة ضد "داعش"، أشار إلى أن "معظم قوات إيران كانت تتركز في النصف الغربي من سوريا قبل انسحاب القوات الأمريكية، حيث باتت الميليشيات التي تدعمها إيران على مقربة من القوات الأمريكية "كجزء من الهدف الإيراني المتمثل في إنشاء خط بري من الحدود العراقية".

تظهر صور الأقمار الصناعية أن إيران تواصل بناء قاعدة "الإمام علي" بالقرب من البوكمال على الحدود العراقية، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن إيران لديها ما يصل إلى 19 قاعدة في سوريا في عام 2018. ومن وجهة نظر إيران، كانت سوريا حليفًا رئيسيًا وقناة لشحنات الأسلحة إلى "حزب الله"، وهذا يرجع غلى عقود ضمت، لكن إيران عرفت في أوائل العقد الأول من القرن العشرين أن نظام "الأسد" كان يتأرجح مع الغرب على أمل الموازنة مع دور "طهران". وقد قاد اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011 نظام "الأسد" إلى انخراط أعمق لإيران، ما جعله أكثر اعتمادًا على "طهران" و"موسكو". وعلى نحو متزايد زاد تجويف النظام، وتكبد خسائر لا يمكنه تعويضها، ما دفعه لطلب المزيد من حلفائه من الحرس الثوري وحلفاء الحرس الثوري مثل حزب الله والشيعة الذين تم تجنيدهم من أفغانستان وباكستان والعراق. أصبحت سوريا نسخة حديثة لما كانت تبدو عليه ألمانيا خلال حرب الثلاثين عامًا، وهي ثقب أسود من المعاناة على رقعة شطرنج للقوى الأجنبية.

بدأت الحرب الأهلية السورية في البداية بين السوريين، وبدا الأمر كما لو أن سوريا سقطت في حالة من الفوضى، مثل ليبيا في عام 2011. وفي الواقع، أدت حملة القمع التي قام بها النظام واستخدام القوات الأجنبية إلى سنوات من الدمار كخطوة انتقل إليها أطراف غير سورية، مثل حزب الله في 2012-2013، و"داعش" و50 ألف من المقاتلين الأجانب في عام 2014، وروسيا في عام 2015، وتركيا في عام 2016، وبالطبع الولايات المتحدة. دخلت الولايات المتحدة، لدعم قوات سوريا الديمقراطية، والسيطرة على ثلث سوريا تقريبا، فيما استولت تركيا 20٪ أخرى. وفي نهاية المطاف هزم النظام المتمردين في الجنوب في صيف عام 2018، لكن النظام وقف مراقبا ومتفرجا حين أعطت روسيا موافقتها على العملية التركية ضد المقاتلين الأكراد في عفرين في يناير 2018، ووقعت أيضًا على وقف لإطلاق النار في إدلب في سبتمبر 2018. كانت روسيا حتى الآن الضامن لدور تركيا، لأن روسيا كانت تبيع تركيا نظام الدفاع الجوي S-400. كذلك كانت روسيا، حليفة النظام السوري، بمثابة نوع من التمكين لدور تركيا، حيث وقعت اتفاقًا آخر في 22 أكتوبر يمكّن تركيا من الاستيلاء على المناطق التي استولت عليها من قوات سوريا الديمقراطية والأمريكيين في أكتوبر.

الآن تبدو سوريا منقسمة بين تركيا في الشمال، ونفوذ الولايات المتحدة يتلاشى في الشرق والجنوب، ونفوذ إيراني متزايد في الجنوب، بينما تلعب روسيا دور "المعلم الكبير" في مشاهدة كل هذا، لكنها لا تسعى لمواجهة الولايات المتحدة أو إيران أو تركيا، فهدف روسيا هو استخدام "سوتشي" و"أستانا"، وحتى "جنيف"، لجلب إيران وتركيا إلى الطاولة مرارًا وتكرارًا، بينما الولايات المتحدة معزولة تماما عن هذه العملية. وبغض النظر، لم تسع الولايات المتحدة إلى ضم شركائها في قوات سوريا الديمقراطية من "جنيف". وبالتالي على المدى الطويل، من المحتمل أن يتم تقليص دور الولايات المتحدة في سوريا أو القضاء عليه تمامًا.

لكن دور إيران سينمو على الأرجح. والمشكلة بالنسبة لإيران هي أن لديها الكثير من الأهداف في سوريا. إنها تريد أن تثبت قواعدها، وتريد بناء "جسرها البري" إلى البحر الأبيض المتوسط وحزب الله، وطريق باتجاه مرتفعات الجولان. إنها تريد توقيع صفقات مع "الأسد"، وتريد أن يكون لها نفوذا على طول وادي نهر الفرات باتجاه دير الزور.

طوال الوقت، تكافح إيران اقتصاديًا، فالاحتجاجات في الداخل تضر بقدراتها في الخارج، ولديها صراع شاق في سوريا للحفاظ على دورها وتوسيعه. إيران لديها التكنولوجيا التي تريد نقلها، فعلى سبيل المثال، تأمل منح "حزب الله" أنظمة التوجيه الدقيق للصواريخ، لكن يجب أن تكون حذرة لأن الاحتجاجات في العراق استهدفت أيضًا وجود إيران. كما أدت الاحتجاجات في لبنان إلى عدم اليقين هناك.

تواجه إيران الآن ما تواجهه جميع القوى العظمى عندما تصبح قوية للغاية، وهو أنه يجب عليها إدارة قوتها. وفي وقت تقول إيران إنها "المقاومة"، فإن الناس الآن "يقاومون" إيران في جميع أنحاء المنطقة وفي الداخل. وتتمثل قوتها الرئيسية في الموارد البشرية وتعميق روابطها الإنسانية بأماكن في سوريا والعراق ولبنان. هكذا تحصل إيران على قوتها عبر شبكتها من الحلفاء الشيعة وأماكن مثل ضريح السيدة زينب في دمشق، حيث يتجمع المقاتلون المؤيدون لإيران.

الآن يجب أن تقرر إيران خطوتها التالية في سوريا. لقد كان دور فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني رئيسيًا في دعم نظام "الأسد"، بينما كان يستفيد أيضًا من الجانب الآخر، لكن إيران تدرك أن دورها مرتبط بالنظام وأيضاً بروسيا، ويجب ألا يقوض وجودها أي من هذين. وبالإضافة إلى ذلك، يركز النظام السوري والروس بشكل أكبر على الشمال اليوم، بينما هناك أسئلة حول ما تفعله الولايات المتحدة في الشرق. لذلك، في الجنوب والغرب، استهدفت إسرائيل القوات الإيرانية في السنوات الأخيرةن حيث يفتخر الحرس الثوري الإيراني بأنه يعتقد أن تدمير إسرائيل لم يعد مجرد حلم. تحقيقًا لهذه الغاية، استثمرت في صواريخ وطائرات بدون طيار وغيرها من التقنيات التي نقلتها إلى العراق وسوريا ولبنان.

على الرغم من أن عمليات النقل هذه جعلت دور إيران في سوريا أكثر خطورة، فإن أي لاعب شطرنج محنك يعلم أن القطع التي تنتشر بشكل سلس للغاية عبر رقعة الشطرنج قد تؤدي إلى التهديد بموت الشاه.

-----

للاطلاع على النص الأصلي باللغة الإنجليزية.. اضغط هنا

ترجمة: أمنية زهران

أحدث الدراسات