"بيجن-السادات": الغزو التركي لكردستان السورية من وجهة نظر إيرانية

الثلاثاء 19-11-2019 | AM 10:47 صورة أرشيفية

د. دورون إتسحاكوف | معهد بيجن-السادات الإسرائيلي

على الرغم من أن الغزو التركي أثار ردود فعل غاضبة من كبار المسؤولين في طهران، إلا أن هذا الهجوم على كردستان السورية يقدم إيجابيات وسلبيات لـ"طهران"، كما أن الإيجابيات المحتملة من المحتمل أن تفوق السلبيات، حيث أثار هذا الهجوم العسكري على أكراد شمال شرق سوريا، الاتهامات من الجمهورية الإسلامية، لكن النظام الإيراني يدرك أنه في النهاية يمكن أن يعود بالنفع على مصلحته.

وفي إطار هذا الواقع، فإنه منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية في مارس 2011، كانت إيران وتركيا في الجانبين المتقابلين، فبينما تلعب طهران وموسكو دورًا هامًا  في بقاء نظام "الأسد"، كانت "أنقرة" تدعم حركة تمرد معاداة النظام.

في الحقيقة، كان إعلان الرئيس "ترامب" بإخلاء القوات الأمريكية منطقة شمال سوريا، موضع ترحيب في طهران، التي اعتبرت أن وجود القوات الأمريكية على الأراضي السورية انتهاك صارخ للسيادة السورية. ومع ذلك، فإن قرار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بغزو الأراضي الكردية في سوريا دفع نظيره الإيراني حسن روحاني، إلى إدانته على أساس أنه سيزيد من عدم الاستقرار الإقليمي، ورغم هذا النقد، لا ترغب طهران أن تسوء علاقتها مع أنقرة، تلك العلاقة التي تسمح لها باتباع أسلوب المراوغة من العقوبات الأمريكية وتشكيل قناة أساسية لتزويد الغاز الإيراني إلى الدول الأوروبية الكبرى.

بيد أنه تزامنًا مع الغزو التركي، أطلقت إيران مناورات عسكرية واسعة النطاق بالقرب من حدودها مع تركيا تحت اسم "رصاصة واحدة، هدف واحد"، من خلال دمج وحدات المشاة والمدرعات مع وحدات خاصة لمكافحة الإرهاب، إلى جانب التدريبات التي نقلت رسالة مزدوجة التي أشارت إلى براعة طهران العسكرية للجيش التركي من ناحية، ومن ناحية أخرى، إيصال رسالة إلى الإيرانيين من أصل كردي في غرب أذربيجان بأنهم يخاطرون بسكب الزيت على النار إذا تدخلوا في الأزمة.

وعلى الرغم من محاولات إيران لتهدئة الأقلية الكردية الإيرانية التي تُقدر بحوالي 8 مليون شخص، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق ضد المؤسسات التركية في جميع أنحاء إيران. حملت الاحتجاجات رسالة وحدة عرقية شعارها "لست وحدك روج آفا".

وكما هو متوقع، لم تقنع مكالمات "روحاني" أنقرة بإعادة النظر في الأمر، حيث إنه في التاسع من أكتوبر، شن الجيش التركي هجومًا واسع النطاق على مدن شمال سوريا، ما تسبب في وقوع إصابات ونزوح الأكراد. والجدير بالذكر أنه في غياب الدفاعات الأمريكية، وقع الأكراد اتفاقًا مع الجيش السوري في 13 أكتوبر، ينص على أن الجيش السوري سينتشر على طول الحدود السورية التركية لدعمهم.

وفي 17 أكتوبر، أسفر لقاء بين "أردوغان" ومايك بنس نائب الرئيس الأمريكي، عن اتفاق لتنفيذ وقف إطلاق النار لمدة 120 ساعة، ما سمح للقوات الكردية بالانسحاب على بعد 51 كم من الحدود التركية. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، لم يتوقف القتال بشكل كامل واستمرت الاشتباكات، وتم الإبلاغ عن اتفاق 17 أكتوبر  بصورة مُوجزة في وسائل الإعلام الإيرانية.

وقد اتضح أن صناع السياسة الإيرانيبن يرغبون في توسيع "عمق إيران الاستراتيجي"؛ أي المناطق الواقعة خارج حدود إيران ولكن تحت سيطرتها، أما الغزو التركي فقد تحدى هذه السياسة إلى حد معين.

ولسبب ما، انتهك الغزو التركي السيادة الإقليمية لسوريا وألحق الضرر بمكانة "الأسد" الشخصية، والتي تراها طهران من وجهة نظرها أمر غير مقبول. ومن ناحية أخرى، هناك عدد غير قليل من الجماعات السلفية الجهادية إلى جانب الجيش التركي، مثل: هيئة تحرير الشام وجيش الإسلام، وصقور الشام وغيرها. هذه الميليشيات، التي يعد مصدرها "القاعدة"، ترى الإسلام الشيعي "هرطقة" ومعتنقيه يستحقون القمع والاضطهاد.

وفيما يتعلق بقلق المؤسسة الأمنية الإيرانية، فإن نشر الميليشيات السلفية التي تعمل تحت مظلة تركية كان أمرا لا يُحتمل لإيران، إذ يتمثل الخلاف السني الشيعي في عمق الوعي الجماعي الإيراني. ومنذ وقت قريب، فرض صعود "داعش" تحديًا كبيرًا لصانعي السياسة الإيرانيين الذين فهموا التهديد المحتمل الذي يمثله على الإسلام الشيعي عمومًا وإيران بشكل خاص، كما أن نشر الميليشيات السنية يمكن أن يحد بالمثل من قدرة إيران على المناورة في شمال سوريا.

إلى جانب ذلك، هناك اعتبار آخر لإيران هو البعد العرقي القومي حيث تفرض التطلعات القومية للأقلية الكردية تحديات كبيرة على البلدان الأربعة التي تضم عددًا كبيرًا من السكان الأكراد، وقد اتضح أن سابقة الأراضي الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي في سوريا لا تقبلها إيران، حيث  تتذكر "طهران" الانتفاضة التي أدت إلى إنشاء "جمهورية مهاباد" في يناير 1946.

بالإضافة إلى ذلك، فإن فكرة "كردستان العظمى"، ومشاعر التقارب الوطني بين الأكراد "على الرغم من انقساماتهم وولاءاتهم القبلية"، إلا أنهم يخشون من "طهران". وبصرف النظر عن ذلك، فلا يمكن للقيادة الإيرانية أن تتقيد من اضطرابات قد تؤدي إلى أعمال شغب عرقية، لذا ينظر إلى المظاهرات التي اندلعت في جميع أنحاء المدن الإيرانية احتجاجًا على العدوان التركي بقلق شديد.

ومع كل ما قيل، يمكن للهجوم التركي أن يعزز المصالح الإيرانية. و بوجود تشكيلات تركية على الأرض في شمال شرق سوريا، يمكن النظر إلى الوجود الإيراني في تلك المنطقة شرعيًا. على الرغم من التنسيق التكتيكي الموجود بين إيران وروسيا وتركيا، فإن الرغبة التركية في توسيع "منطقتها الأمنية" في شمال سوريا يمكن أن تساعد إيران على  عمل ممر بري تحاول "طهران" إقامته لسنوات -من الحدود الشمالية الغربية لإيران، عبر العراق والأراضي السورية، وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط.

ومن المثير للسخرية حقيقة أن العالم العربي ينظر إلى إيران كدرع واقي للرئيس السوري، ما يمنح إيران قدر من السيطرة لتعزيز هيمنتها وتوسيع أنشطتها في سوريا. يشير ذلك إلى أن اتفاق الدفاع بين الأكراد ونظام "الأسد"، يسمح بنشر القوات العسكرية السورية في كردستان السورية، ما يثير شهية إيران ويدفع الحرس الثوري والمليشيات التابعة لهم إلى تعزيز وجودهم في شمال سوريا مع موافقة "الأسد".  وكما حدث من قبل، سيتم إخفاء القوات الإيرانية بزي الجيش السوري.

ومن هنا، لدى النظام الإيراني آمال كبيرة في أن يوجه المجتمع الدولي نظره إلى العدوان التركي، وعليه فإن التركيز العالمي على أعمال أنقرة سيحول الانتباه عن محاولة طهران لتمدد عمقها الاستراتيجي، كما الحال مع رد فعل العالم إزاء مشكلة محاربة  تنظيم داعش الإرهابي.

لقد أثبتت إيران نفسها على قدر كبير من المهارة في استغلال الفرص التي ظهرت كنتيجة لانهيار الأنظمة في جميع أنحاء المنطقة حيث إنها فعلت ذلك بعد غزو العراق عام 2003، وانهيار نظام صدام حسين، وكذلك خلال الحروب الأهلية السورية واليمنية. ومن المرجح أن تستخدم إيران التوغل التركي على نطاق واسع في شمال سوريا للتوسع على المنطقة من أجل تهديد حدود إسرائيل.

لذا، تبدو إدانة طهران للغزو التركي وكأنها مجرد حيلة، لأن النظام الثوري قد يستفيد جيدًا من الوضع الجديد الناشئ عن الانسحاب الأمريكي. وفي حين أن الهجوم التركي يخلق تحديات للقيادة الإيرانية  التي تستثمر بكثافة في تأكيد ودوام حكم الأسد، فإنه يخلق أيضًا فوائد محتملة لمصالح إيران في سوريا.

وبالنسبة لإسرائيل، ففي المقابل، تعد هذه لعبة محصلتها صفر بالنسبة لها، لأن تعزيز المصالح الإيرانية يمثل تهديدًا متأصلاً، وعليه يجب على إسرائيل أن تجهز نفسها لمواجهة التحديات المقبلة.

-----

للاطلاع على النص الأصلي باللغة الإنجليزية.. اضغط هنا

ترجمة: رنا ياسر

أحدث الدراسات