جيل كيبيل: " إيران يمكن ان تصبح شرطي الشرق الأوسط"

الثلاثاء 02-09-2014 | AM 10:16


جيل كيبيل: نحن نشهد إعادة وضع الشرق الأوسط قيد الاستفهام والسؤال، كما خرج من اتفاقية سايكس ـ بيكو في نهاية الحرب العالمية الأولى. حيث كانت الحدود المرسومة من قبل الفرنسيين والبريطانيين بعد تفكك الدولة العثمانية عاملا للاستقرار. هذه الحدود، المعترض عليها من قبل القوميين العرب، لم تكن ضامنة لأنظمة متوازنة، حيث الحفاظ على الدكتاتوريات وغياب الديمقراطية. لكنها منعت الفوضى التي تحكم اليوم. الولادة التي مازالت هشة لكردستان هي علامة واضحة على انهيار أو قطيعة في التوازن الذي ولد مع سايكس ـ بيكو، حيث يتم استبعاد هذه الاتفاقية.
ما هي القوة الجديدة الممكن أن تنشأ من هذه الفوضى؟
ما يحدث في العراق، غزة وسورية هو جزء من عملية إعادة الإدماج أو لا لإيران في استراتيجية شرق أوسطية. كلا الهجومان، على غزة، وهجوم الدولة الإسلامية في العراق يمكن فهمه ضمن هذا السياق. إذا نجحت إيران في المفاوضات حول الطاقة النووية تحت قيادة يمكن التعامل معها وتمت عودتها إلى المجتمع الدولي، فإن هذا يعني أن طهران يمكنها أن تصبح شرطي المنطقة كما كانت قبل عام 1979. هذا البلد من 80 مليون نسمة لديه الدولة المركزية/البيروقراطية الضرورية ولاسيما الطبقة الوسطى التي قاومت وصمدت أمام محن النظام. إذا دخلت في اللعبة، فإن التوازن الإقليمي سيتغير ـ في المقام الأول العلاقة المميزة بين دول الخليج والولايات المتحدة ـ والتي تعاني منذ 11 أيلول 2001. وإذا عادت إيران، فإن التوافق/التمازج الأمريكي ـ الإسرائيلي لن يكون بنفس النوعية.
ولكن، هل سيكون للشرق الأوسط نفس الأهمية؟
لا. يجب أن نأخذ بعين الاعتبار فقدانه للمركزية في إنتاج الطاقة العالمي. من الآن فصاعدا، الولايات المتحدة تصدر الغاز الصخري ولم تعد بحاجة إلى للطاقة القادمة من الشرق الأوسط. وإسرائيل تنتج الغاز من البحر المتوسط وستصبح مصدرة له أيضا. بالنسبة للولايات المتحدة، وفي استراتيجية على المدى الطويل وحيث ستنخفض حصة الشرق الأوسط في الإنتاج العالمي للطاقة، السؤال الذي يطرح هو معرفة إذا كان حضورها العسكري القوي سيكون بنفس الأهمية.
في هذه الحالة، أليس من الأنسب الاعتماد على سياسة الاستعانة بمصدر آخر من "الشرطة"؟ لاسيما أن الهيمنة العسكرية الغربية قد تم تقويضها في العراق كما في غزة. لم تنجح إسرائيل في تدمير ترسانة حماس بشكل كبير، لاسيما أن هذه الأخيرة قد نجحت، كما فعل حزب الله من قبل، بالعثور على ثغرة في الدرع: حفر الأنفاق، قتل الجنود، إطلاق الصواريخ. إن الحل الذي تقدمه التكنولوجيات الغربية والذي يضمن اتفوق قاد في نفس الوقت لظهور شقوق يستفاد منها الخصوم.
" حماية الحدود" من قبل إسرائيل ضد غزة، هل يأتي ضمن هذا المشهد الجديد؟
بالطبع. أشخاص مقربون من الدوائر العسكرية الإسرائيلية أكدت لي أنها دفعت نتنياهو لقبول الحكومة الائتلافية الفلسطينية (حماس/فتح)، معتبرة أنها تمثل طرفا صالحا للحوار. رفضها رئيس الوزراء الإسرائيلي لأسباب انتخابية. إن المعارضين لهذا الاعتراف يرون أن حماس مثل حزب الله ستحتفظ بالسلاح وأن الحركة الإسلامية في السلطة في غزة ستنتصر على جميع الجبهات. يتم اعتبار حماس مثل حزب الله ذراعا مسلحا لإيران في المنطقة. لقد كان من الضروري إذن تدمير ترسانة حماس وإضعاف المحور الإيراني في نفس الوقت. لم تكن النتيجة على المستوى ولم ترق إلى التوقعات المنتظرة.
كيف يمكن لهجوم الدولة الإسلامية في العراق أن يكون جزءا من التنافس/العداء بين إيران والقوى الأخرى في الإقليم؟
بالنسبة لدول الخليج العربية، إن هيمنة طهران هي سيناريو يشبه الكابوس. لقد رأت تركيا، قطر والسعودية في الدولة الإسلامية الذراع الذي من شأنه أن يمكنهم من إنهاء بشار الأسد، حليف إيران. هذا الوحش الذي خلقوه يسبب لهم الرعب والخوف الآن. الأكثر قلقا، أن هذه الظاهرة أصبحت نوعا من القصص والحكايات المسيطرة على العالم السني. الغالبية العظمى من السنة هم ضد تنظيم "الدولة الإسلامية/داعش"، لكن من الصعب أن يجدوا قصة أخرى ملهمة ومجيشة لهم مثل هذه القصة.
ما الذي يميز "الدولة الإسلامية" عن القاعدة؟
تعمل القاعدة وفق نموذج هرمي حيث أن المنفذين يضحون دون تفكير، والكل ممول من قبل بن لادن وخلفائه. تفضل الدولة الإسلامية تبديل النموذج الهرمي، والذي يمكن للعدو أن يدمره، في نموذج شبكة. نؤطر وندرب الأفراد. مع أولوية لأوربا الغربية حيث البحث عن إثارة حالات من الحرب الأهلية. لكن هذا الإرهاب غير المنظم يسهل اختراقه من قبل أجهزة الاستخبارات. ففي وقت مبكر استطاعت الاستخبارات السورية اختراقه، وذلك وفق نموذج يعتمد بشكل مباشر على النموذج الروسي الذي يستند على الدخول في صفوف الجهاديين والمتمردين وتفجيرها من الداخل.
لقد استفادت الدولة الإسلامية من تساهل النظام في دمشق، الذي لم يأخذ منها موقفا، وهذا ما سمح لبشار الأسد بإظهار أنه إذا لم يكن النظام السوري قويا في مواجهة داعش فإن النتائج ستكون كارثية. باختصار، الدولة الإسلامية هي وليدة تحالف هجين بين عسكرين عدوين.
هل الدولة الإسلامية مستقلة في عملها بالنسبة للجهات التي ترعاها؟
لا نعرف جيدا سير عمل الدولة الإسلامية. أحيانا يبدو أن الاعتبارات الإيديولوجية هي التي تحدد وتسود على العمل، كما في حالة اضطهاد المسيحيين واليزيديين ـ الذي هدد بتعبئة الغرب، علما أن هذه الأقليات لا تشكل أي خطر على الدولة الإسلامية. وهذا ما أجبر القطريين والسعوديين على فصل أنفسهم عن تنظيم الدولة الإسلامية، من غير أن يكون لذلك أية مصداقية.
ما هي الآثار المترتبة على هذه الفوضى في أوروبا؟
يظهر لي أنه من المستحيل التفكير في المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الفرنسي بشكل مستقل عن هذا التغيرات. علينا أن الانتباه والأخذ بالحسبان مع هذه الظاهرة الجديدة الشباب الفرنسي الجهادي الذي يذهب إلى الجبهات في سورية والعراق ثم يعود لأوروبا. [محمد ميراح ومهدي نموش] هي أمثلة توضيحية فرنسية. لكن مغني الراب، الشاب الإنكليزي، الذي قطع رأس الصحافي جيمس فولي، هو أيضا رؤية مخيفة ومرعبة.
إن تاريخ الإمبراطورية الاستعمارية يشكل جزءا من تاريخنا كما كان في المغرب مثلا. النخب المغربية التي تولت السلطة بعد الاستقلال، كما النخب التي انحدرت من الديغولية، عاشوا في وهم أن كل واحد يستطيع أن يعيش إلى جانب الآخر. هذا خطأ !! نحن نستمر بأن نكون مخترَقِين. علينا أن نتوصل إلى التفكير بهذا الاختراق المتبادل، وإلا سوف يعود تحت شكل " عودة المكبوت" السلفي والسحري (من سحر).
في كتابك " شغف عربي" ثم في كتابكم " شغف فرنسي"، حولت نظرك كمستشرق إلى الضواحي والسكان من أصول عربية. ما هي قراءتك لأحداث هذا الصيف حول التضامن مع غزة والتجاوزات التي رافقتها؟
تميزت هذه الأحداث بالخلط بين الأنواع. تقليديا، كانت هذه المظاهرات حكرا على اليسار المتطرف. ولأول مرة طغت عليها الجماعات الإسلامية وكان بعضها من مناصري الجهاد. في مظاهرة 9 آب في باريس، سمعنا شعارات تراوحت بين " جان مولان، المقاومة" و " حماسة المقاومة"، وحتى " الجهاد مقاومة".
هناك خطر بأن تأخذ هذه التطورات بعدا اجتماعيا. فالتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين هو أمر شرعي، كما هو شرعي في الأنظمة الديمقراطية التعبير عن تضامنها مع إسرائيل. ولكن الجديد هو في أن نرى جمعيات إسلامية محلية تسير إلى جانب جماعات تنحدر من اليمين المتطرف (سورال/ديووني). نحن نرى جيدا أن هذه الإيديولوجية اليمينية الجديدة تخلط في نفس الوقت العداء للسامية التقليدي والعداء للتكوين اليهودي المنحدر من رؤية سلفية للعالم. هذا الخلط، وهذا الدمج والانصهار الشعبوي، والذي هو أيضا تعبير عن معاناة اجتماعية، يشكل اليوم مشكلة رئيسية.
لماذا، في رأيك، المعاناة الاجتماعية تترجم إلى تشنجات مجتمعية؟
إن الجماعات السلفية في الأحياء تتعزز وينعكس ذلك على الحركات اليهودية الأكثر تشددا. هذه القطيعة المجتمعية تتجلى مع الأرثوذكسية المتشددة اليهودية، وفي رأس السلفيين، متخيلين أن هذا ما يسمح لليهود بأن يكونوا أقوياء ومحترمين. هم يعتبرون أن "العرب" الذين لعبوا لعبة الاستيعاب هم أكبر الخاسرين. تفاقم "الحلال" يبنى وفق نموذج "كاشير". [كاشير: هو رمز غذائي خاص بأطفال بني إسرائيل كما جاء في التوراة. يشكل واحدا من المبادئ الأساسية للقانون اليهودي، وللفكر والثقافة اليهودية المترجم].
ما العمل من أجل نزع فتيل هذا الخليط المتفجر كما تصفه؟
يمكن التفكير على الأقل في كيفية تجنب بلقنة المجتمع الفرنسي. عندما تحصل مشاكل أو حوادث، نقوم باستدعاء ممثلي المعتقدات المسلمة واليهودية. هذا خطأ. لأنه لدينا في مجالس الجمهورية آلاف المنتخبين من الطائفة المسلمة. مسؤولون لديهم بالتأكيد علاقات متنوعة جدا مع دينهم، من الأكثر تشددا إلى اللامبالي. وهذا يحصل مع اليهود أيضا. حتى ولو أن هؤلاء غير منتخبين على هذه القاعدة هنا، فهم على الأقل ينحدرون من هذا التنوع. لماذا نستند إليهم؟ كل المجالس البلدية في المدن الشعبية تضم مسؤولين يمثلون التعددية، هم في نفس الوقت حساسون لتطلعات الأوساط التي ينتمون إليها ولكن أصحاب مصلحة في وجود الميثاق الجمهوري والآلة السياسية الفرنسية. بالتأكيد من حق المعتقد أن يعبر عن نفسه. ولكن التمثيل الوطني يعطي صورة أكثر صدقا " لبلد حقيقي".
هل سيوجد نماذج بديلة للسلفية في العالم العربي نفسه؟
إن التحدي الرئيسي بالنسبة لفرنسا هو في البلاد المغاربية. عشر الشعب التونسي يعيش في فرنسا (600000 إلى مليون، بمن فيهم غير القانونيين). هناك عشرة أعضاء في البرلمان التونسي منتخبون من قبل التونسيين في فرنسا. وللمرة الأولى في بلد مغاربي، توجد حكومة لم تبن شرعيتها على الصراع ضد الاستعمار الفرنسي بل على الصراع ضد ديكتاتور ينحدر من الاستقلال. هذا ما يسمح لتونس بالحصول على علاقة أكثر أريحية مع فرنسا من السابق، لأنها تعكس حقيقة الأوضاع الاقتصادية وتدفق المهاجرين.
إذن هي علاقة واعدة في المستقبل. وهذا يشرح أيضا، لماذا ومن بين جميع الدول التي هزتها الثورات العربية، أن تونس هي الوحيدة التي لا توجد في وضع كارثي. طبقة وسطى موجود على جانبي المتوسط نجحت في وضع قدر البلاد ومصيرها في يدها، بما في ذلك تكوين إسلامي مثل النهضة. إن التطور في تونس، النسبي، هو أمر نادر جدا وإيجابي حتى نقوم بتشجيعه.
حوار صحيفة لوموند الفرنسية
أجرى الحوار: [ غيدز مينسيان و نيكولا ويل].
ترجمة: د.صلاح نيوف
خاص المركز الكردي الألماني للدراسات

 

أحدث الدراسات