"أوبن ديموكراسي": احتلال تركيا والتوسع في سوريا.. لماذا يجب ألا نكون مذهولين؟

الثلاثاء 12-11-2019 | PM 03:28 صورة أرشيفية

توماس ماكغي | موقع أوبن ديموكراسي

بعد مضي أشهر على المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن التنفيذ المشترك لـ"منطقة آمنة" في شمال شرق سوريا، بدأت تركيا العضو الرئيسي في حلف "الناتو"، في 9 أكتوبر/تشرين الأول، عمليات التوغل الأحادية في المنطقة، فقد بدأت عمليتها المسماة "نبع السلام" مع قيام الجيش التركي بشن غارات جوية مكثفة وقصف عبر الحدود على أهداف عسكرية ومدنية استراتيجية. تلا ذلك انسحاب القوات الأمريكية من مواقع أخرى، بينما تحركت الفصائل السورية الموالية لتركيا عبر الحدودن سيعيا إلى انتزاع السيطرة على المناطق الواقعة على الحدود من قوات سوريا الديمقراطية (SDF) -الحليف متعدد الأعراق الموثوق للولايات المتحدة في سوريا منذ عام 2015- حيث تتهم تركيا وحلفاؤها قوات سوريا الديمقراطية بـ"التواطؤ في الدمار الشديد بسبب حملة الولايات المتحدة للقضاء على المتطرفين من تنظيم داعش في مدينة الرقة".

أفادت الأنباء بأن الجيش التركي والجماعات السورية التي دربتها وجهزها عسكريا ونسقها، وهي الأخيرة التي تعمل تحت مظلة "الجيش الوطني" المعارض، ارتكبوا سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان منذ بدء العملية، بدءًا من عمليات الإعدام دون محاكمة والهجمات غير القانونية وإعاقة وصول المساعدات الإنسانية والنهب، حيث اعتبر تقرير صدر مؤخراً لمنظمة العفو الدولية، أن القوات التركية وشركائها "أظهروا تجاهلًا مخزيًا للحياة المدنية"، ووجد "أدلة دامغة على ارتكاب جرائم حرب".

الانتهاكات المألوفة تعزز الدليل على سعي تركيا إلى إجراء عملية تغيير ديموغرافي. ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون تلك الانتهاكات مفاجئة بالنظر إلى قاعدة الأدلة الحالية للجرائم المماثلة التي ارتكبها نفس الفاعلون أو ذوي الصلة في منطقة "عفرين" الشمالية الغربية في سوريا. على مدار أكثر من عام ونصف العام، بحثت عن انتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق المرتكبة ضد السكان المحليين في هذه المنطقة ذات الغالبية الكردية في أعقاب إطلاق عملية "غصن الزيتون" في يناير/كانون الثاني 2018 هناك، وحملة عسكرية أخرى قامت بها القوات المسلحة التركية وحلفاؤها السوريون. في دراسة نشرتها مؤسسة "فريدريش إيبرت شتيفتونغ" الألمانية حول الإسكان والأراضي والممتلكات، قال جميع من أجريت معهم المقابلات من "عفرين" إنهم تعرضوا لانتهاكات على أيدي فصائل الجيش الوطني. ووسط الخوف من الاضطهاد التعسفي، ذكر أحد المصادر: "يبدو أن الفصائل تتنافس على من يمكنه أن يتصرف بشكل أسوأ".

مع تواتر ملفت للنظر خلال الشهر الماضي، تلقيت تقارير حول العديد من الانتهاكات نفسها التي يتم إعادة إنتاجها في مناطق شمال شرق سوريا، والتي أصبحت تحت سيطرة فصائل الجيش الوطني المدعومة من تركيا. وبالفعل، فإن "أحرار الشرقية"، وهي جماعة سيئة السمعة لارتكاب انتهاكات في "عفرين"، قد اتُهمت بالفعل بقتل السياسية الكردية البارزة وناشطة حقوق المرأة هيفرين خلف، في شمال شرق سوريا. وبينما يخشى السكان هناك من تكرار "سيناريو عفرين"، لم يكن من المفاجئ صنع ذلك السيناريو الموازي في النظرة الدولية الشاملة على الأحداث الأخيرة. إن الاعتراف بأنماط مماثلة من الانتهاكات المرتكبة في مناطق مختلفة من شمال سوريا يعزز الأدلة على أن تركيا تعمل على تطوير استراتيجية للتغيير الديموغرافي.

لطالما اعتبرت تركيا مشروع الحكم الذاتي للكرد السوريين على الجانب الآخر من حدودها بمثابة تهديد للأمن القومي وتدخلت لمواجهة ما تسميه "ممر إرهابي ناشئ". ومع ذلك، فإن تدخل تركيا كدولة فاعلة خارجية لها تاريخ من النزوح القسري ضد سكانها الكرد، يقدم بعدًا عرقيًا واضحًا لتحليل هذه التطورات.

قبل إطلاق عمليات "نبع السلام" و"غصن الزيتون"، كانت كل من شمال شرق سوريا و"عفرين" تحت إدارة الجهات الفاعلة التي يقودها الكرد منذ عام 2012. وقد تجنبت هذه المناطق إلى حد كبير الدمار الشديد الذي شوهد في أماكن أخرى من البلاد واستقطب استقرارها النازحين السوريون بأعداد كبيرة، كما حدث من "عفرين"، حيث أدت التوغلات الأخيرة المدعومة من تركيا إلى طرد مئات الآلاف من السكان المحليين في شمال شرق سوريا.

في إطار عملياتهم، استهدف الجيش التركي وحلفاؤه منشآت الخدمة العامة، بما في ذلك المنشآت الطبية في كل من عفرين وبلدة رأس العين شمال شرق سوريا. إن الاستهداف التركي الأخير لمحطة علوك المائية في شمال شرق سوريا، والتي توصل مياه الشرب لحوالي 400000 شخص، يذكرنا بالأفعال المماثلة في "عفرين" التي أدت إلى زيادة النزوح إلى الحد الأقصى، حيث تسعى تركيا إلى تكرار "حكم الغاب" الفوضوي الذي تميزت به مناطق سيطرة "غصن الزيتون" في "عفرين"، على غرار حالات الاختطاف من أجل الفدية والقتل التعسفي والترهيب.

وهناك ممارسة أخرى مثبتة تتمثل في قيام المقاتلين من الجيش الوطني بتوثيق أنفسهم أثناء ارتكابهم جرائم حرب بشعة. سرعان ما أصبح الفيديو الشهير لأعضاء الجيش الوطني يقف فوق جثة مشوهة للمقاتلة الكردية بارين كوباني رمزا للوحشية المرتبطة بعملية "غصن الزيتون" في "عفرين". ومنذ منتصف أكتوبر/تشرين الأول، يتم نشر مقاطع فيديو لفصائل الجيش الوطني التي تنكل بالأسرى من شمال شرق سوريا بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد ساعد استنساخ هذه المشاهد، وكذلك تقارير عن استخدام الفسفور الأبيض كسلاح جديد في الترسانة التركية، على نشر الخوف بين السكان المحليين وحفز المزيد من هروب المدنيين.

لقد أدت مثل تلك الإجراءات فعليًا إلى تفريغ منازل أصحابها الأصليين، ومهدت الطريق لنقل المقاتلين المرتبطين بالمعارضة وعائلاتهم من "عفرين". وقد وصفت منظمة العفو الدولية تركيا بأنها "تتساهل" و"تغض الطرف" عن انتهاكات شركائها السوريين، حيث ينظر السكان المحليون بقوة إلى ذلك كمكافأة لمشاركتهم في العملية. وبما أن النازحين العرب والتركمان يمثلون الآن الأغلبية في بعض مواقع "عفرين" الكردية على وجه الحصر تقريبا، فهناك دليل واضح على حدوث انتهاكات تتزامن مع الهندسة الديموغرافية.

ما يدعو إلى القلق أيضا أن العلامات الأولية لهذه العملية قد بدأت بالفعل في مناطق شمال شرق سوريا في إطار عملية "نبع السلام"، ففي بلدة تل أبيض على سبيل المثال، تشترك الفصائل المسلحة المتنافسة في استيلائها على منازل المواطنين، بحيث يتم تقسيمها بمجرد رسم أسماء الفصائل وكلمة "محفوظة" على المباني. كما وردت تقارير موثقة عن نهب الممتلكات في كل من رأس العين وتل أبيض.

الأمل الحالي يكمن في أن تمارس الولايات المتحدة نفوذها بعد سنوات من الوجود العسكري في شمال شرق سوريا لوضع شروط لتدخل تركيا. ولكن بدلاً من ذلك، مع إشارة الرئيس التركي المتكررة صراحة إلى خطط نقل الكرد من شمال شرق سوريا، وإلى جانب تقارير عن عودة اللاجئين السوريين قسراً، فيبدو أن مصير "عفرين" سيتكرر.

-----

للاطلاع على النص الأصلي باللغة الإنجليزية.. اضغط هنا

ترجمة: أمنية زهران

أحدث الدراسات