ناشيونال إنترست: الانسحاب الأمريكي يقوض جهود الحرب على "داعش"

الخميس 17-10-2019 | AM 11:07 صورة أرشيفية

سام سويني | ناشيونال إنترست

في أوائل أغسطس/آب، أعلنت الولايات المتحدة وتركيا أنهما اتفقتا على القيام بدوريات مشتركة في قطاع على الجانب السوري من الحدود السورية التركية، بعد تهديدات تركية متكررة بغزو المنطقة التي تعمل فيها القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية. كانت تركيا تقول باستمرار إن القوات التي يقودها الأكراد في المنطقة، وهي وحدات حماية الشعب الكردية، كانت إرهابية بالنظر إلى علاقتها التاريخية مع حزب العمال الكردستاني(PKK) ، وهو جماعة مسلحة تقاتل الحكومة التركية منذ أواخر السبعينيات. ومع ذلك، لم تركز وحدات حماية الشعب على استهداف الحكومة التركية، وتعد تلك القوات العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية، الشريك الرئيسي للولايات المتحدة وحلفائها في هزيمة "داعش" بعد معركة دموية طويلة امتدت إلى مساحة شاسعة من شمال شرق سوريا. وبعد شهرين من هذا الاتفاق بشأن الدوريات المشتركة، وافقت الولايات المتحدة على غزو تركي ضد أقرب شريك لها في الحرب ضد "داعش"، ما تسبب في كارثة سياسية وإنسانية.

بدون مساعدة من الولايات المتحدة، ربما لم تكن وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية لتتوسع على هذا النحو والنطاق كما فعلا، وربما لم تكن تركيا لتعتبرهم بمثابة تهديد. ولأن الولايات المتحدة طلبت منهم السيطرة على المناطق ذات الأغلبية العربية، وهي منبج والرقة ودير الزور، تحالفوا مع العرب والمسيحيين وغيرهم لاستعادة الأراضي التي شكلت خلافة "داعش". هُزِم التنظيم رسمياً في 23 مارس/آذار 2019، وانتقلت المعركة ضده إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة اقتلاع الخلايا النائمة العديدة التي بقيت تعمل في الخفاء. تم وضع الآلاف من المقاتلين السوريين والعراقيين والأجانب وعائلاتهم، والكثير منهم ملتزمون بأيديولوجية "داعش"، في السجون والمخيمات التي أصبحت تعاني من ضائقة شديدة وقلة الموارد. وقد رفضت العديد من الدول استعادة مقاتليها، وتركتهم في أيدي قوات سوريا الديمقراطية التي كافحت من أجل التعامل مع هذا العبء، وقد جرى العمل من أجل القضاء على "داعش" للأبد من خلال الشراكة المستمرة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية.

وبالنظر إلى عدسة المصالح الاستراتيجية الأمريكية، فإن قرار الانسحاب يقوض الجهود المبذولة للقضاء على "داعش"، وهذا هو الحال على كل من المدى القصير والطويل. على المدى القصير، لن تقوم قوات العمليات الخاصة الأمريكية بتعقب الخلايا النائمة من "داعش" والسيطرة عليها، كما كانت تفعل منذ أن تم هزيمة الخلافة رسميًا. وستكون المعسكرات والسجون التي تحتجز مقاتلي "داعش" ومتعاطفين معها معرضة لخطر كبير من حدوث كسر في السجن، والذي بدأ بالفعل في الحدوث. ومن الصعب أن نعرف بالضبط ماذا سيحدث لأولئك المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية.

على المدى الطويل، سيقوض الانسحاب الأمريكي مشروعًا سياسيًا يحرز تقدماً في معالجة دورات العنف المميتة في الشرق الأوسط. في الحرب الأهلية السورية الطويلة (والتي أصبحت الآن أطول)، لم يكن هناك أي طرف في المنطقة أفضل من قوات سوريا الديمقراطية ونظرائهم المدنيين الذين قاموا بذلك في سبيل الحصول على موافقة من المجتمعات التي أصبحت في نهاية المطاف تحت مسؤوليتهم. منذ هزيمة "داعش"، كان العديد من الصحفيين الذين قدموا إلى شمال شرق سوريا يبحثون عن التشققات والشقوق في حوكمة المنطقة. وبالتأكيد، وجدوا الكثير. إنه أمر لا مفر منه في مجتمع مبني على عدم الثقة في نوايا الآخرين بعد ثماني سنوات من الحرب الأهلية وعقود من الديكتاتورية، لكن العثور على السخط ليس هو الهدف في حد ذاته، بل تحديد أسبابه وآثاره. إذا كان الاستخدام الحكيم للقوة العسكرية الأمريكية هو العنصر الوحيد المطلوب لتحقيق النجاح، فهذا هو المثال النموذجي. هنا لم نحاول، كما حاولنا في العراق، إعادة تشكيل مجتمع شرق أوسطي إلى شيء لم يكن عليه، بل كنا ندعم بفعالية الشركاء المحليين الذين كانوا يعالجون المشكلات الأساسية لمجتمعهم.

يمكن العثور على مثال مؤثر في محافظة دير الزور، التي يقسمها نهر الفرات. تخضع المناطق الواقعة شمال شرق النهر لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. تخضع المناطق الواقعة جنوب غرب النهر لسيطرة الحكومة السورية، مع وجود القوات الروسية والإيرانية. ونظرًا لأن الصحفيين الغربيين كانوا قادرين على الوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، فقد أدركنا جيدًا الاستياء المحلي شمال شرق الفرات. ولكننا كنا أقل معرفة بما يجري على الجانب الآخر من النهر. تركزت التغطية الإخبارية إما على الوجود الإيراني المتزايد في المنطقة أو على هجمات "داعش" المستمرة ضد الحكومة السورية هناك. ومنذ حوالي شهر، اندلعت الاحتجاجات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حيث دعا المتظاهرون، من بين أمور أخرى، قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة للسيطرة على المنطقة. إن وجود قبائل سنية في صحراء شرق سوريا تطالب الولايات المتحدة بالتدخل نيابة عنهم يدل على مدى تغير المنطقة منذ عام 2003، ويظهر أيضًا أنه على الرغم من أن السخط في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية كان كبيرًا، إلا أن الموجودين على الجانب الآخر من الخط، الخاضع لسيطرة الحكومة السورية، يعتقد أن وضعهم أسوأ.

يشير المحللون والمعلقون الذين ينظرون إلى الشرق الأوسط في كثير من الأحيان إلى لغز واضح في المنطقة: سوء الإدارة والظروف الاجتماعية التي لا يمكن تحملها تؤدي إلى مظالم ضد الأنظمة القائمة في السلطة؛ الانتفاضات تقلب الهياكل الموجودة وتعيد تشكيل السطح دون معالجة المخاوف الأساسية؛ وتفاقم الفوضى التوترات الطائفية والعرقية، مما يؤدي إلى مزيد من الصراع. ولكن إلى الحد الذي يتحدث فيه المحللون عن هذه المشكلات، نادراً ما يقترحون حلولاً عملية يمكن تنفيذها على أرض الواقع. وتميل النبرة إلى أن تكون: حسنًا، يتعين على الحكومات فقط أن تفعل x و yو z، لأن هذا ما يفعلونه في البلدان المتقدمة، ثم سيكون الناس سعداء!

من ناحية أخرى، أحرزت قوات سوريا الديمقراطية، وهيئة الحكم المدني التابعة لها -الإدارة الذاتية- تقدماً ملحوظاً في معالجة القضايا الأساسية للحكم التي تعصف بأجزاء أخرى من المنطقة. بالنسبة إلى منتقديها، فإن قوات سوريا الديمقراطية هي مجرد تمويه لمشروع قومي كردي، لكن وجهة النظر هذه لا تعكس التغييرات في المجتمع الكردي السوري منذ بدء الحرب. من المؤكد أن الكثير من الأكراد كانوا يحلمون بدولة مستقلة، وسوف يستمرون في ذلك. لكن في سوريا، لم يكن هذا احتمالًا حقيقيًا على الإطلاق، بالنظر إلى التركيبة السكانية للمناطق "الكردية" في سوريا. وخلافا لما هو موجود في العراق المجاور، فإن شمال شرق سوريا هو خليط من الجماعات الدينية والعرقية المتداخلة. كذلك، الأكراد ليسوا الأغلبية في أجزاء كبيرة من المنطقة، لذا فإن فكرة تشكيل دولة كردية ليست واقعية. قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب يعرفون ذلك جيدا. في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، أوضحوا أن الانفصالية الكردية لم تكن هدفهم وأن المجتمعات العربية والمسيحية والتركمانية والشركسية وغيرها من المجتمعات غير الكردية كانت شريكة بالتساوي في مشروع سياسي يمكن أن يعيد تشكيل المنطقة. وهكذا تطورت الجهود لتحقيق الطموحات الثقافية والسياسية للعرقية الكردية في سوريا مع إبرام اتفاق مع المجتمعات الأخرى لضمان حقوقهم ومصالحهم كذلك. لقد كان ذلك انعكاسًا حقيقيًا للمجتمع أكثر من القومية العربية التي سادت في سوريا بشكل أو بآخر منذ تأسيسها كدولة حديثة، وخاصة منذ وصول حزب البعث القومي العربي إلى السلطة في عام 1963.

وبدلاً من تبادل القومية العربية لصالح القومية الكردية، فإن القوى الكردية -الموجودة في شمال شرق سوريا- وضعت ميثاقا لضمان حقوق مجتمعهم وسلامتهم من خلال ضمان حقوق جيرانهم كذلك. بالطبع، بقيت فكرة إقامة دولة كردية مستقلة قوية في الخيال الشعبي الكردي السوري، لكنها لم تكن هدفًا تسعى إليه قوات سوريا الديمقراطية بجدية. بدلا من ذلك، فإن الإدارة الذاتية جنبا إلى جنب مع قوات سوريا الديمقراطية، انطلقت لإنشاء مجتمع تعددي أشرك جميع المجتمعات في إدارة المنطقة. وإلى حد كبير كان هذا الامر مجدٍ. مرة أخرى، الاحتجاجات في محافظة دير الزور ذات الأغلبية العربية، والتي تدعو إلى الحكم من قبل قوات سوريا الديمقراطية، هي دليل على ذلك. إن التحول في الرأي العام العربي لصالح قوات سوريا الديمقراطية كان مذهلاً. بعد بضعة أشهر من عودته إلى "الرقة"، كتب مروان هشام الناشط العربي والصحافي من الرقة، لمنظمة العفو الدولية:

لم أشعر مطلقًا بالرقة حرة أكثر من الشهرين الأخيرين: رؤية الناس يتابعون حياتهم، ويعبرون عن ولائهم بشكل مريح. الديني، المناهض للأسد، المؤيد للأسد وحتى ضد قوات سوريا الديمقراطية... كعربي، أقول: عندما نظرت إلى الخريطة السورية قبل اليوم، لم أر أي أمل في مستقبل شامل إلا في هذا الجزء من البلاد. الآن هذا الأمل قد ولى.

هل هذا حقيقي؟ غالبًا ما تكرر هذه الكلمات المبتذلة عن هؤلاء الذين يكتبون عن الأكراد: ليس لديهم أصدقاء سوى الجبال. لكن هذا ليس صحيحًا تمامًا؛ لديهم العديد من الأصدقاء في "واشنطن" كذلك.. في "الكونجرس"، وفي دوائر السلطة الأخرى، وفي الرأي العام، فقد كان رد الفعل على الغزو التركي وضد خيانة الأكراد من جانب أمريكا سريعًا وعاطفيًا. المشكلة التي يواجهها الأكراد الآن هي أن الرئيس "ترامب" يبدو غير مستعد لتغيير المسار واستعادة التحالف الأمريكي الفعال للغاية معهم. بعد أن عملت الولايات المتحدة جاهدة لتأكيد للزعماء الأتراك بشأن أمن الحدود، اعتقدت أنها قد توصلت إلى اتفاق يمكن أن يعمل لصالح تركيا وقوات سوريا الديمقراطية والولايات المتحدة فيما يبدو أنه محاكاة ساخرة (أو مؤامرة) لمن هم الآن تحت الهجوم التركي، أمضت الولايات المتحدة الشهرين الماضيين في تدمير دفاعات قوات سوريا الديمقراطية على طول الحدود التركية، قائلة إن هذه الخطوة سترضي الأتراك وتقلل من احتمال غزوهم. وبدلاً من ذلك، سهلت الغزو، حيث انسحبت الولايات المتحدة عن الحدود غير المحمية حديثًا لمشاهدة حليفتها في حلف شمال الأطلسي، تركيا، التي ساهمت سياستها الحدودية التي يسهل اختراقها بشكل كبير في صعود "داعش" في سوريا، وهي تهاجم مجموعة فقدت 11000 شخص خلال قتال "داعش".

وبدلاً من الوقوف جانباً لكي تغزو تركيا، كان يمكن للولايات المتحدة أن تبلغ الأكراد بأن القوات الأمريكية ستغادر في غضون عام، لذا عليكم أن تبرموا أفضل صفقة ممكنة مع الحكومة السورية، وإذا خرقت الصفقة، فإننا سندعمكم. كان بإمكان الولايات المتحدة ببساطة أن تبقى في مسارها وتطلبت من تركيا التعايش مع ذلك. لكن بدلاً من كل ذلك، وقفت الولايات المتحدة في طريق أي مصالحة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة، كشرط لاستمرار الشراكة الأمريكية مع الأولى. لقد ارتكبت الولايات المتحدة أسوأ "صفقة" يمكن أن تحصل عليها، ولم تكن قادرة على مواجهة ضغوط من بلد يعتمد جيشه على تقنيتنا، وكان من الجنون شن غزو ضد عزم الولايات المتحدة القوي على منعه. بشكل عام، سيكون فك الارتباط الأمريكي من الشرق الأوسط أمرًا جيدًا، ولكن إذا كان هذا هو النموذج لكيفية تحقيق ذلك، فإن مؤيدي فك الارتباط الذين سيحاولون إقناع أي شخص بأهميته قد توقفوا عن العمل لصالح ذلك.

كنت في شمال شرق سوريا منذ حوالي شهر، أستمع إلى نقاش مفعم بالحيوية مع مجموعة مختلطة من الأكراد والعرب، حول نوايا أمريكا في سوريا. فيما يتعلق بمسألة التزام أميركا بالبقاء في المنطقة، تراوحت الآراء بين التفاؤل والتشاؤم. كان الصوت الأكثر تشاؤما، وهو كردي، مصرا على أن السبيل الوحيد للمضي قدما هو التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية، لأن أمريكا ستترك المنطقة حتما يوما ما. شخص آخر يتناغم في أن أمريكا لن تتخلى عن الأكراد، فأجاب المتشائم بأن الولايات المتحدة بالطبع لن تترك المنطقة على عجل، لكنها كانت بحاجة للدخول في صفقة مع الحكومة السورية. أعلم أنه لا يشعر بالرضا لأنه كان أكثر صوابًا مما سيسمح به التحذير: لقد تخلت أمريكا حقًا عن الأكراد -وجميع الناس ذوي النوايا الحسنة في شمال سوريا- لمجرد نزوة أدت إلى تهديد سنوات من التقدم في هزيمة "داعش" على كل من المدى القصير والمدى الطويل.

----

سام سويني: كاتب ومترجم يركز عمله على الشرق الأوسط.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات