فاينانشيال تايمز: سوريا تشهد إعادة هندسة ديموغرافية عنيفة تصب في مصلحة الموجات المستقبلية من الإرهاب

الخميس 03-10-2019 | PM 08:29 لاجئون سوريون يحملون أغراضهم ويحاولون العبور إلى الجانب التركي

ديفيد جاردنر | فاينانشيال تايمز

بعد أكثر من ثماني سنوات، لا تزال الحرب في سوريا تحوم مثل عاصفة متقلبة تتغير في شكلها واتجاهها وقدرتها على التدمير. ومن الواضح أن العنف حاليا سيكون من نصيب محافظة إدلب الشمالية الغربية، آخر معقل للتمرد الذي اندلع في عام 2011 ضد نظام الرئيس بشار الأسد، فقد استأنف "الأسد" ومعاونوه، بدعم من القوات الجوية الروسية، الهجوم لاستعادة إدلب التي استولى عليها تحالف من الإسلاميين في عام 2015.

قبل عام، تم تأجيل هجوم إدلب من خلال اتفاق بين روسيا وتركيا لتحويل المنطقة إلى منطقة لخفض التصعيد وضبطها بشكل مشترك. كانت المحافظة، التي يصل عدد سكانها إلى 3 ملايين نسمة من قبل اللاجئين الفارين من النظام جنوبًا، قد استخدمت لتعبئة قوات المتمردين الباقين على قيد الحياة، بما في ذلك هيئة تحرير الشام، أحد أفرع تنظيم القاعدة. وقد أقامت تركيا، بتواطؤ روسي، جيبين في شمال غرب سوريا في عامي 2016 و2018، كجزء من حملتها المستمرة لمنع القوات الكردية السورية المدعومة من الولايات المتحدة من إقامة دولة مستقلة على حدودها من شأنها أن ترتبط مع تمرد كردي عمره يزيد على 35 عام داخل تركيا.

وفي المقابل، كان من المفترض أن يقيد الجيش التركي، الذي لديه 12 موقع مراقبة في إدلب، هيئة تحرير الشام. وبدلاً من ذلك، تم توجيه الوكلاء السوريين وحشدهم إلى جانب هيئة تحرير الشام، حتى بات تعدادهم 30 ألف مقاتل. الآن، وبعد أشهر من القصف الذي دمر بلدات عدة، بما في ذلك خان شيخون في جنوب إدلب، بدأت الحملة من جديد.

فر حوالي 500000 من سكان إدلب بالفعل شمالًا، وقد تعرض معظمهم للضغط على الحدود الشمالية الغربية مع تركيا. وتقول موسكو ودمشق إن أنقرة فشلت في الوفاء بالتزاماتها في تلك الصفقة. وهذا صحيح، ما أدى إلى فشل الصفقة بأكملها. القوات التركية، مع حلفائها المتمردين السوريين الذين تم تجريفهم أو استيعابهم من قبل هيئة تحرير الشام، لم تحاول فعلاً تنفيذ جانبها من الصفقة، بل كان التركيز التركي، بحلول ذلك الوقت، يتركز على شرق نهر الفرات، حيث قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام العالم إنه يعتزم إنشاء "منطقة آمنة" في شمال شرق سوريا، بطول 480 كم وعمق 30 كم داخل البلاد، بهدف إعادة توطين 2 مليون أو أكثر من اللاجئين السوريين.

في الجمعية العامة السنوية للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، أصدر "أردوغان" خرائط لتوضيح تلك المنطقة العازلة، بحجة أن تركيا تستضيف 3.6 مليون لاجئ سوري وسط ركود اقتصادي يثير المشاعر العامة ضدهم. لقد تسبب نزاع سوريا في نزوح ما يقرب من نصف سكان ما قبل الحرب، حيث بات هناك حوالي 6 ملايين لاجئ خارج حدودها و6 ملايين مشرد داخليًا. الأغلبية الساحقة من هؤلاء اللاجئين والنازحين هم من السنة، ما يعكس الغالبية السنية التي كانت أساس التمرد ضد نظام الأقلية المتمركز حول الطائفة العلوية لعشيرة "الأسد".

لكن الهدف الحقيقي لـ"أردوغان"، بحسب ما يقول بعض الخبراء في القضية الكردية، هو التغلب على الحكم الفعلي الذي أقامه الأكراد السوريون في الأراضي السورية التي يسيطرون عليها بدعم جوي أمريكي في الحرب ضد "داعش"، أي أن الهدف هو تغيير التركيبة السكانية وتخفيف تركز الأكراد في تلك المناطق من خلال فتح الباب أمام دفعات هائلة من العرب السُنة إلى تلك المناطق.

في الواقع، لا تعد خطة "أردوغان" واقعية، لكن أيا كانت نواياها، فهي تعكس إعادة الهيكلة الديموغرافية العنيفة التي تجري في بقية أنحاء سوريا. من خلال المساعدة التي حصل عليها من إيران والكتائب الشيعية شبه العسكرية، من حزب الله اللبناني إلى حشد الشعبي العراقي، وكذلك من قبل القوات الجوية الروسية، نجا "الأسد" من تلك الحرب، وقد وضع نظامه تدابير لضمان عدم إعادة التوازن السكاني لسوريا إلى ما كان عليه قبل الحرب، حييث كان هذا التوازن قاتلا للغاية بالنسبة لعائلته وعشيرته. وتتراوح تلك التدابير من القوانين إلى مصادرة الممتلكات المملوكة للاجئين؛ التجنيد الإجباري للرجال السنة في سن القتال؛ الخدمة العسكرية أو السجن أو ما هو أسوأ بالنسبة للعائدين من اللجوء أو النزوح؛ والميل إلى تدمير كل مكان كان يؤوي المتمردين.

كان ثلثا السكان من السُنة وبات نصفهم الآن مبعثرًا ما بين لاجئ أو منفي داخلي، مثلهم مثل السكان السُنة في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، والذي أدى إلى سيطرة أغلبية شيعية على السلطة. باختصار، وجه سوريا والمنطقة يتغير، فقد انحرف المزيج الديموغرافي في المشرق العربي عن السنة باتجاه الشيعة المدعومين من إيران، ومكّنت شبكة من الميليشيات "طهران" من تأسيس هلال شيعي عبر العراق وسوريا إلى لبنان وإلى اليمن، من بحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط، بحسب ما يقول الباحث الفرنسي فابريس بالانش.

ليس هناك سوى القليل من النقاشات الواضحة حول كل ما يجري في سوريا داخل العواصم الغربية، ولكن الواقع هو أن أوروبا مرعوبة بسبب الخوف من موجات أخرى من الهجرة من سوريا كما كان الحال في عامي 2015 و2016، وهو ما حفز موجات الشعبوية الهائلة التي اجتاحت أوروبا، في وقت تتعرض فيه الولايات المتحدة إلى حالة تشتيت وارتباك كبرى تحت حكم الرئيس دونالد ترامب، بشكل يمنعها عن التركيز على تلك القضية.ولكن مع استمرار تحديد القوى الخارجية لمستقبل سوريا، واستمرار "الأسد" في السلطة في "دمشق"، ووجود الحكام الشيعة المدعومين من الميليشيات في بغداد وبيروت، فإن هناك الكثير لتغذية اليأس المتطرف الذي يفرز الجهاديون والإرهابيون، وسيكون لـ"خلفاء داعش والقاعدة" الكثير من المجندين المحتملين المتطرفين في المستقبل.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات