"إيكونوميست": انتصر "الأسد" لكن معاناة السوريين مستمرة.. ولا بد من التهديدات الغربية لتحجيم قمعه

السبت 07-09-2019 | PM 05:27 صورة أرشيفية

مجلة إيكونوميست الأمريكية

"الأسد أو نحرق البلد".. لسنوات، رسَّخ ورسم جنود بشار الأسد تلك العبارة على جدران البلدات التي يستعيدونها. صحيح أن المتمردين دفعوا الديكتاتور إلى حافة الهاوية، لكن "الأسد" تجاهل تهديدات الزعماء الغربيين الفارغة، وجند مساعدة إيران وروسيا. ووفاءا لشعاره، فقد دمر مدن بأكملها وقصفها بالغاز وعمل على تجويع شعبه، وبات ما تبقى من المتمردين منحصرا في محافظة "إدلب"، التي ستسقط قريبا بكل تأكيد. وفي النهاية، رغم كل الصعاب، فاز الوحش.

ومع ذلك، فهو انتصار أجوف، فبعيداً عن إعادة النظام إلى البلاد، كما يدعي الروس والإيرانيين، فقد أجبر "الأسد" نصف السكان على النزوح، ودمرت ثماني سنوات من الحرب الأهلية الاقتصاد وكلفت البلاد حياة 500000 شخص. باختصار، ليس لدى "الأسد" ما يقدّمه لشعبه، حيث إن بلاده ستكون بائسة ومنقسمة، وسيشعر الجميع بالعواقب حتى في المناطق البعيدة عن حدودها.

اللحظة الدقيقة لانتصار "الأسد" ستتحدد بكل تأكيد في "إدلب"، فهناك يعيش هناك حوالي ثلاثة ملايين شخص، فر الكثير منهم من القتال في مكان آخر. يسيطر على المنطقة المتمردون الأكثر شراسة، وهم العناصر المرتبطة بـ"القاعدة"، الذين لن يتنازلوا عن مواقعهم بهدوء. هذا، أيضًا، نتاج إرث قساوة ووحشية "الأسد"، فقد أطلق سراح المئات من الجهاديين من السجن في عام 2011، على أمل أن يشوهوا الانتفاضة متعددة الطوائف التي كانت مسالمة. والآن، يعمل النظام على قصفهم، إلى جانب المدنيين والمستشفيات. صحيح أن الهجوم سيستغرق وقتًا، وسيكون دمويًا، ولكنه سيحدث.

وعندما يتوقف القتال، فإن التوترات التي هددت أصلاً النظام ستبقى، لكنها ستكون أسوأ من أي وقت مضى. والبداية بالدين، فوالد "الأسد"، حافظ، الذي ينحدر من الأقلية العلوية، تشبث بالسلطة جزئياً عبر السيطرة على الخط الفاصل بين الديانات في البلاد. ومع ذلك، فقد وصم ابنه خصومه السنة على أنهم "أصوليون رجعيون"، خلال محاولته لحشد المسيحيين والدروز والسوريين العلمانيين إلى جانبه. فر ملايين السنة من البلاد، ليظهر ما يسميه "الأسد" "مجتمعًا أكثر صحة وتجانسًا"، لكن الملايين أيضا بقوا ورأوا منازلهم تنهب، وممتلكاتهم تصادر ومناطقهم يستولي عليها أنصار "الأسد". ولأنهم مستائين وخائفين ومضطهدين، سيكونون مصدر معارضة للنظام.

أما النقطة الثانية، فهي مظالم السوريين. في عام 2011، وحد الفساد والفقر وعدم المساواة الاجتماعية الانتفاضة، لكن الأمور منذ ذلك الحين ساءت، فقد أصبح الناتج المحلي الإجمالي في سوريا ثلث ما كان عليه قبل الحرب. ويُعتقد أن أكثر من ثمانية من كل عشرة أشخاص فقراء، ومعظم البلد بات تحت الأنقاض، لكن خطط الحكومة لإعادة بناء سوريا تخاطر بتمزيقها أكثر، حيث ستتكلف عملية إعادة الإعمار ما بين 250 مليار دولار و400 مليار دولار، لكن "الأسد" ليس لديه المال ولا القوى البشرية اللازمة للقيام بذلك. لذلك، فقد ركز الموارد على المناطق التي ظلت موالية، وجرى تطوير الأحياء الفقيرة السنية لصالح أنصاره البرجوازيين، بينما يجني أصدقاؤه الأرباح، حيث تتسع خطوط الصدع الطبقي والديني في البلاد على نطاق أوسع.

ثم هناك وحشية "الأسد" وقمعه، فعلى سبيل المثال، قام "الأسد" انطلاقا من مخاوف فقدان السلطة، بتعذيب وقتل ما لا يقل عن 14000 شخص في شبكة السجون مترامية الأطراف التابعة للنظام، وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية. يُعتقد أن حوالي 128000 شخص ما زالوا في السجون المحصنة، بينما قد يكون العديد منهم قد لقوا حتفهم. وحتى مع اقتراب الحرب من نهايتها، تزداد وتيرة الإعدام. بشكل عام، فقد كل سوري تقريباً شخص قريب منه في الحرب، ويتحدث علماء النفس بشكل مشؤوم عن انهيار المجتمع.

أما آخر تلك النقاط التي ستثير الأزمات واحدة تلو الأخرى، فهي ديون "الأسد" لإيران وروسيا، حيث إنه مدين بانتصاره لإمدادهم بقوة النيران والمشورة والأموال واستعدادهم لدعمه، وسوف نتوقع أن يتم دفع تلك الديون، مع الفائدة. بالنسبة للسوريين، فإن فوز "الأسد" كارثة في حد ذاتها، لكن خصومه مرهقون، وعلى الرغم من نقاط ضعفه، فإنه لا يزال بإمكانه التشبث بالسلطة لسنوات، وطالما أنه مسؤول، فإن بؤس سوريا سينتشر في جميع أنحاء المنطقة.

لقد جلبت الحرب بالفعل حفنة من القوى الخارجية، لكن الفوضى يمكن أن تنمو. تتعامل إيران مع سوريا باعتبارها جبهة ثانية ضد إسرائيل لتكمل جبهة "حزب الله"، وكيلها في لبنان. شنت إسرائيل مئات الغارات الجوية على المواقع الإيرانية خلال الحرب. في أغسطس/آب، منع الجيش الإيراني وعناصر "حزب الله" من مهاجمة إسرائيل بطائرات بدون طيار، كما يقول الجيش الإسرائيلي. أما تركيا، التي لديها قوات في الشمال، تهدد بشن هجوم ضد القوات الكردية، التي تعتبرها إرهابية، بالقرب من حدودها، وقد يؤدي ذلك إلى مواجهة مع أمريكا التي تدعم الأكراد وتحاول تهدئة الأتراك.

سيؤدي اللاجئون إلى زعزعة استقرار جيران سوريا أيضًا. أولئك الذين فروا من "الأسد" لا يريدون العودة إلى ديارهم، بل إن أعدادهم ستزداد بسبب الهجوم في إدلب. وكلما بقوا في المخيمات، زاد خطر تحولهم إلى الشتات الدائم، وهم بالفعل يزعجون البلدان المضيفة، مثل الأردن ولبنان وتركيا، حيث يتهمهم العديد من السكان المحليين باستنزاف الموارد وشغل الوظائف.

ويمكن أن يمتد هذا إلى العالم الأوسع، حيث يتعرض اللاجئون الذين تم تهجيرهم في بلادهم وغير المرغوب فيهم في الخارج لخطر التطرف. باختصار، تركت تكتيكات "الأسد" القاسية أجزاء كبيرة من شعبه في مرارة وغربة مريرة. وستؤدي سجونه إلى تعزيز التطرف. ما هي أفضل أرض خصبة لتنظيم "القاعدة" و"داعش"، والتي تقول الحكومة الأمريكية إنه "يتجدد بالفعل في سوريا"؟ في أيار/مايو، ألقت أمريكا 54 قنبلة وقذيفة على الإرهابيين في العراق وسوريان وقد ارتفع هذا العدد إلى أكثر من 100 في كل من يونيو ويوليو.

بعد أن فشلت في التحرك في الأيام الأولى للحرب، حين كان من الممكن إزاحة ذلك الديكتاتور عن السلطة، لا تستطيع الدول الغربية فعل الكثير الآن لتغيير مسار سوريا الآن. ويعتقد بعض الزعماء الأوروبيين أن الوقت قد حان للتعامل مع "الأسد"، والمشاركة في إعادة الإعمار وإرسال اللاجئين إلى الوطن. لكن كل هذا مضلل، لن يعود اللاجئون طواعية، ولن تفيد إعادة الإعمار إلا النظام وأمراء الحرب والأجانب الذين ساندوه، والأفضل أن ندع روسيا وإيران تدفعان الثمن.

وبدلاً من ذلك، يجب على الغرب أن يحاول تجنب معاناة سوريا من خلال تقديم مساعدات إنسانية بحتة والتهديد بالانتقام من أفعال "الأسد" الشنيعة، مثل استخدام الأسلحة الكيميائية. يجب أن تبقى أمريكا لتظل "القاعدة" و"داعش" تحت السيطرة، لكن ما دام يُسمح لـ"الأسد" بإساءة استغلال سوريا، فإن من الأفضل إنفاق أموال المساعدات في مساعدة جيرانها. لقد عانى السوريون بشكل رهيب، ولكن مع انتصار "الأسد"، سيتزايد بؤسهم.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات