فورين بوليسي: "بوتين" يتلاعب بـ"أردوغان" وكأنه آلة كمان

الأربعاء 04-09-2019 | PM 09:47 صورة أرشيفية

هنري ج. باركي | مجلة "فورين بوليسي"

في مقال نُشر مؤخرًا بمجلة "فورين بوليسي"، قال زميلي ستيفن كوك إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان يتلاعب بـ"واشنطن" ككمان. ومن خلال مزيج من الخداع والتهديدات، تمكن "أردوغان" من إقناع الولايات المتحدة بالتوصل إلى ترتيب في شمال شرق سوريا لمنع الغزو التركي، وهو ترتيب يأتي على حساب الأكراد الذين تحملوا وطأة القتال ضد "داعش". وأياً ما كان رأي المرء في الأكراد، فإنه يجب أن يتم التعامل مع عزمهم وتضحياتهم على أنه مصلحة عامة دولية؛ حيث أوقفوا ودمروا واحدة من أخطر التنظيمات الإرهابية التي عرفها العالم الحديث. وعلى النقيض من ذلك، لم يسهم الأتراك في هذا المسعى.

لكن، إذا كان "أردوغان" قد نجح في التلاعب بـ"واشنطن"، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بدوره، لعب دوره في النهاية، حيث أنهى "أردوغان" للتو زيارة إلى "موسكو"، حيث عرض "بوتين" الداهية أمام رجل تركيا القوي أحدث المعدات العسكرية الروسية، بما في ذلك SU-35 و SU-57 والمقاتلات الجوية، والتي يُشار إليها كرد روسي على الجيل التالي من الطائرات الأمريكية  F-35.

تأتي زيارة "أردوغان" إلى موسكو عقب تسليم بطاريات الدفاع الجوي الروسية من طراز S-400 إلى تركيا. وقد جرى تحذير أنقرة مرارًا وتكرارًا من أن هذه البطاريات ستوفر للروس فرصة لفك تشفير تقنية الشبح في المقاتلات طراز  F-35، ما يعرض أمن برنامج الطائرات المقاتلة F-35 بأكمله للخطر. ومن المفارقات أن تركيا لم تكن مجرد متلقي مستقبلي لـ100 طائرة من طراز F-35، ولكنها أيضًا كانت مشاركا في إنتاج الطائرة. قدمت واشنطن، في بادرة مهمة، للأتراك دورًا في تصنيع العديد من مكونات F-35، بما في ذلك أجزاء من جسم الطائرة. وكانت أنقرة ستجني مليارات الدولارات من مبيعات التصدير وتكتسب خبرة تقنية قيّمة في صناعة الأسلحة، وهو هدف طال انتظاره.

ليس من المستغرب أن يثير إصرار تركيا على الحصول على S-400 أزمة في العلاقات الأمريكية التركية. لم يكن أمام الولايات المتحدة سوى خيارات قليلة لطرد تركيا من برنامج المقاتلة الجديدة، حيث كانت التكلفة التي ستتحملها تركيا هائلة: لن تتمكن من تحديث أسطولها المقاتل القديم، لكن الأهم من ذلك أنها خسرت فرصة نقل التكنولوجيا وفرصة كسب مليارات الدولارات من فرص التصدير. وبدلاً من ذلك، فإن بوتين هو الذي يحصل على مليارات الدولارات بينما يلقي بقنبلة يدوية على العلاقة بين اثنين من حلفاء الناتو الرئيسيين والحاليين.

ربما اعتقد أردوغان أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سوف يهرع لإنقاذه أو أن الأمريكيين لن يواصلوا تهديداتهم. ومع ذلك، كان هذا قرارًا استثنائيًا، لأنه في توجهه لـ"بوتين" كان يراهن على مستقبل صناعاته الدفاعية وحسن نوايا "واشنطن". وبعد ما حدث، تحول "أردوغان" الآن إلى التلميح، بأن تركيا ستفكر في شراء مقاتلات روسية، وبالتالي زيادة تعميق الخلاف مع الولايات المتحدة.

وبينما أبدى أردوغان استعداده لإلحاق الضرر بأهم علاقات تركيا من أجل بوتين أو التخلي عنها، تظل الحقيقة هي أن الزعيمين مختلفان تمامًا بشأن سوريا. أنقذت روسيا، مع إيران، نظام الرئيس السوري بشار الأسد البغيض، بينما دعم الأتراك منذ بداية التمرد معارضة الأسد، بما في ذلك المعارضة الجهادية. كما أن الاتفاق الذي تفاوضت عليه تركيا مع الروس حول مستقبل آخر معقل للمعارضة، في محافظة إدلب، ينهار حيث بدأ النظام السوري في مسعى حازم لاستعادة المنطقة، ولم يعرض السكان المدنيين فقط للأذى بل وأيضاً للعديد من الأتراك إنشاء مراكز مراقبة عسكرية لمراقبة المنطقة.

لم يكن يجب أن تتفاجأ أنقرة من أنه بمجرد أن يعزز نظام "الأسد" من وضعه في كل مكان آخر، كان سيركز على إدلب. في الشهر الماضي فقط تعرضت قافلة عسكرية تركية في المنطقة للنيران، على الأرجح من طائرة روسية الصنع قامت بها الحكومة السورية بمباركة من "بوتين"، حيث أصيبت سيارة مرافقة مصحوبة بمركبات مدرعة تركية، ما أدى إلى مقتل ركابها، وتوقف التقدم التركي وتم عزل أحد مراكز المراقبة التركية. ومع ذلك، لم يكن هناك سوى انتقادات خفيفة للإجراءات الروسية من جانب الحكومة التركية.

ليست تلك هي المرة الأولى التي يشهر فيها "أردوغان" و"بوتين" السيف، ففي عام 2015، أسقطت تركيا مقاتلة روسية ضلت طريقها إلى أراضيها، ولم يكن بإمكان "أردوغان" ولا رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، أن يتوقفا عن الشماتة والتبجح بالمسؤولية عن إسقاط الطائرة، ووعدا بأن يفعلا ذلك مرة أخرى. ولكن، كان رد فعل "بوتين" شديد اللهجة، فقد حظر استيراد المنتجات من تركيا، وقلل عدد السياح الروس الذين يزورون تركيا وفرض قيودًا على سفر الأتراك إلى روسيا وممارسة الأعمال التجارية هناك. وفي غضون بضعة أشهر، لم يغير "أردوغان" وشركاه مسارهما فحسب، بل بشكل لا يصدق، ألقوا باللوم على الطيارين الذين وصفوهم بأنهم كانوا منشقين ولا يوالون للعلم التركي، بل وأعضاء في حركة "غولن" العدو اللدود لـ"أردوغان"، وأجبرت تركيا في وقت لاحق على الاعتذار لروسيا.

كانت تركيا تأمل أن تظل محافظة إدلب جيبًا منفصلاً يعزل تركيا عن نزوح آخر للاجئين السوريين حتى يتم حل النزاع السوري، لكن كل الدلائل تشير إلى أن التقدم العسكري السوري ضد حلفاء تركيا والمتعاونين الجهاديين سوف يزداد قوة. وبعد أن عاد "أردوغان" إلى أنقرة مباشرة، بينما كان يتم مديحه من قِبل صحافته حول "إنجازاته العظيمة" في موسكو، استؤنف القصف السوري ضد "إدلب". باختصار، يعرف "بوتين" جيدا كيف يلعب ويتلاعب بالرئيس التركي؛ فقد بسط له السجاد الأحمر وجعله يبدي إعجابه بالمعدات العسكرية الروسية، من أجل أن يضغط عليه مرة أخرى في سوريا.

وضع "بوتين" الرئيس التركي في المكان الذي يريده تماما، وهو يعلم أن "أردوغان" لن يجرؤ على انتقاده، وبعد أن انعزل عن "واشنطن"، فإن خيارات "أردوغان" باتت محدودة. وبدلاً من ذلك، سيستمر "أردوغان" وأتباعه في الحكومة وصحافته في إدانة الولايات المتحدة باعتبارها العدو الرئيسي لتركيا. وفي نهاية المطاف، قد يتلاعب "أردوغان" بـ"واشنطن"، لكن "بوتين" هو من كان يضحك طوال الطريق المؤدي إلى البنك لاستنزاف الأموال التركية.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات