التصعيد واستعراض العضلات أو التفاوض لحل الأزمة.. سيناريوهان تقيمهما إسرائيل للتعامل الأمريكي مع "طهران"

الثلاثاء 30-07-2019 | PM 04:20 ناقلة النفط البريطانية التي تحتجزها إيران

سيما شين وإلداد شفيت | معهد الأمن القومي الإسرائيلي

يدل التصعيد الأخير في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران على تصميم الطرفين على عدم التنازل عن أي شيء، على أساس أن القيام بذلك سيقوض قدرتهما على المساومة في أي مفاوضات مستقبلية. وبالتوازي مع استعراض العضلات المتبادل، هناك جهود وساطة جارية، يقودها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاليًا، في محاولة لصياغة شروط وطبيعة الحوار. وبالنظر إلى المستقبل، لا يزال السيناريوهان المحتملان هما: المواجهة المطولة بين الجانبين ضمن المعايير الحالية؛ أو استئناف المفاوضات. حتى إذا لم تكن الأطراف مهتمة بصراع عسكري أوسع، فإن الديناميكية الحالية يمكن أن تقودهم إلى ذلك. ويجب أن تكون استعدادات إسرائيل مناسبة للسيناريوهين، الأول، وربما الأخطر من وجهة نظرها، هو أن إيران تواصل تخزين اليورانيوم وربما ترفع مستوى التخصيب. وستكون النتيجة تخفيضًا كبيرًا في الجدول الزمني لاحتمال تطوير القدرة النووية العسكرية. السيناريو الثاني هو إطلاق المفاوضات، ويثير هذا السيناريو مسألة ما إذا كانت مصلحة إسرائيل تكمن في صفقة واسعة، أم صفقة بشأن القضية النووية فقط. في أي سيناريو، ينبغي لإسرائيل أن تضع في اعتبارها الثغرات المحتملة بين مصالحها ومصالح الولايات المتحدة، وبصفة خاصة رغبة الرئيس "ترامب" في تحقيق إنجاز سياسي في شكل صفقة جديدة مع إيران.

إن الشدة المتزايدة في المواجهة بين إيران والعناصر الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هي نتيجة لقرار إيران إظهار تصميمها على الاستجابة لسياسة الضغط القصوى المطبقة ضدها. وفي الممارسة العملية، تتخذ الإدارة الأمريكية وإيران خطوات متوازية على مستوى القوة، وكذلك على مستوى الدبلوماسية، والتي يبدو أنها تتناقض مع بعضها البعض. ولكن تم تصميم الخطوات على طول المسارين في الواقع، بهدف إنتاج بطاقات مساومة تحسبا للمراحل التالية في التنافس.

تواصل الولايات المتحدة زيادة الضغط، حيث تم إلغاء جميع الاستثناءات التي سبق وتم منحها لبعض الدول لشراء النفط من إيران، وووفقًا للتقارير الأخيرة، انخفضت صادرات النفط الإيراني إلى أقل من 500000 برميل يوميًا، وهو تطور خطير بالنظر إلى انخفاض قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل تراجع عائدات الاقتصاد. كما تم إلغاء الإعفاءات في المجال النووي، والتي كانت جزءًا من الصفقة النووية المتعلقة بقدرة إيران على تصدير اليورانيوم المخصب والماء الثقيل، وفُرضت العقوبات على المرشد الأعلى علي خامنئي وموارده النقدية. من جانبها، انسحبت إيران تدريجياً من بعض التزاماتها بموجب الصفقة: في المرحلة الأولى، تم تخزين اليورانيوم المخصب بما يتجاوز 300 كيلوجرام؛ ورفع مستوى التخصيب إلى حوالي 4.5%، بما يتجاوز ما تسمح به الصفقة؛ وتهدد إيران بأنها ستتخذ خطوات إضافية خلال أقل من شهرين، بما في ذلك زيادة محتملة في التخصيب إلى 20%.

وفي الوقت نفسه، لعدة أسابيع شهد الجانبان احتكاكات متزايدة في الخليج. في أعقاب العديد من الهجمات على ناقلات النفط في الخليج شملت إيران، وإسقاط طائرة تجسس أمريكية، وإطلاق الصواريخ على مناطق في العراق حيث يتم نشر القوات الأمريكية، شنت الولايات المتحدة هجومًا عبر الإنترنت على إيران (الضرر الناتج لا يزال غير واضح)، وزادت من وجودها البحري في الخليج، وبدأت في زيادة انتشارها في البلدان القريبة، وتحاول إنشاء تحالف دولي لحماية الملاحة في الخليج. في الآونة الأخيرة، تم احتجاز ناقلة إيرانية تنقل النفط إلى سوريا في جبل طارق. وفي انتقام واضح، ووفقًا للسياسة التي أعلنها المرشد الأعلى "خامنئي"، استولت إيران على ناقلة بريطانية في مضيق هرمز. علاوة على ذلك، تم اعتقال مواطنين مزدوجي الجنسية في إيران يحملون جوازات السفر البريطانية والفرنسية.

وعلى خلفية التوترات، تستمر محاولات الوساطة بتشجيع نشط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ وأحدثها الجهود التي بذلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والسيناتور الجمهوري راند بول. أكد "ترامب" الموافقة على لقاء "بول" وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف عندما كان الأخير في الأمم المتحدة. أرسل الرئيس "ماكرون"، الذي أجرى مؤخراً عدة محادثات مع الرئيس "ترامب"، وكذلك محادثات هاتفية مطولة مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، مستشاره السياسي إلى "طهران"، في محاولة لتقييم إمكانية فتح مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. ويُقال إن الرئيس ماكرون يدرس إمكانية إبرام صفقة "التجميد مقابل التجميد" التي تستلزم، في جملة أمور، الموافقة على صادرات النفط الإيرانية على نطاق يبلغ نحو مليون برميل يوميًا مقابل أن تتراجع إيران عن خطواتها التي ابتعدت عنها في التزاماتها ضمن الاتفاق النووي. وبالتوازي مع الجهود المباشرة للرئيس "ماكرون"، فإن الجهود الأوروبية لمنع الانهيار التام للصفقة النووية، والتصعيد في الخليج الذي يمكن أن يتحول إلى مواجهة عسكرية، لا تزال مستمرة. تجنب بيان أصدره الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية وصف خطوات إيران في المجال النووي باعتبارها انتهاكًا كبيرًا للاتفاقية، وأكد أهمية الاستمرار في الحفاظ على الاتفاقية.

من الواضح أن هناك اختلافات في الرأي في كل من الولايات المتحدة وإيران، فيما يتعلق بالسياسة التي ينبغي اتباعها في الأشهر المقبلة:

لقد حدد الرئيس "ترامب" هدفًا محدودًا يتمثل في إقناع إيران بالمجيء والتفاوض دون شروط مسبقة، بينما أوضح مرارًا وتكرارًا أنه لا يريد تغيير النظام في إيران، بل إنه مستعد لمساعدة النظام الحالي على تحسين الاقتصاد ووضع السكان الإيرانيون، إذا وافقوا فقط على صفقة جديدة تضمن عدم امتلاك إيران أسلحة نووية. بالإضافة إلى ذلك، لم يخفي "ترامب" حرصه على تجنب النزاعات العسكرية. في المقابل، نشر وزير الخارجية مايك بومبيو 12 نقطة تتضمن تفاصيل المطالب الموجهة لإيران في مختلف المجالات، بما في ذلك الصواريخ أرض - أرض، والسياسة الإقليمية، ومساعدة الحلفاء الإقليميين، وحقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، يعتقد مستشار الأمن القومي بولتون أن إسقاط النظام الحالي في "طهران" هو وحده القادر على إنهاء سياسة إيران الخبيثة. على أي حال، لا يبدو أن الإدارة الأمريكية لديها خطة بديلة عندما تواجه تصميم إيران على مواجهة العقوبات الاقتصادية مع الاستمرار في تقويض شروط الاتفاق النووي.

في إيران، يدور خلاف بين تيارين رئيسيين. الأول، الذي يمثله على ما يبدو الرئيس "روحاني"، يقول إن العزلة المستمرة للولايات المتحدة والدعم المضمون من الأطراف الأخرى في الصفقة النووية، وعلى رأسهم الأوروبيين، يخدمون إيران بشكل جيد حتى يصبح من الواضح من سيأتي رئيسا في البيت الأبيض في 20 يناير 2021. أما الموقف المضاد، فهو لمعسكر المحافظين الراديكاليين -الذي اعتبر منذ البداية الصفقة النووية خطأ- حيث يضغط على سياسة المواجهة التي تشمل التقدم في المجال النووي إلى جانب الخطوات التي من شأنها أن تجعل من الواضح للولايات المتحدة والعالم بأسره تكلفة التصاعد من حيث أسعار النفط، فضلا عن عواقب بالنسبة للبلدان الأخرى في المنطقة التي ستصبح جزءا من المواجهة الإقليمية الشاملة، في حالة حدوث ذلك. كان لدى المرشد الأعلى "خامنئي"، الذي يتماشى بشكل أوثق مع مواقف المعسكر المحافظ، شكوك حول الصفقة منذ البداية رغم أنه أعطاها مباركته، وكان موقفه العام هو عدم وجود ثقة في الولايات المتحدة. تتبع السياسة التي يتم تنفيذها الآن تصعيدًا تدريجيًا وحذرًا، سواء في المجال النووي أو في المجال الإقليمي، مع التركيز على منطقة الخليج. وفي نفس الوقت، أوضح النظام الإيراني في تصريحاته وسلوكه أنه على الرغم من الاستعداد الصريح العلني لإجراء حوار مع الولايات المتحدة بشرط أن ترفع العقوبات وتعيد العمل بالصفقة، وعلى الرغم من الإذن الممنوح لـ"ظريف" للقاء السيناتور "بول"، فإن أي عمل ضد إيران سيؤدي إلى رد فعل. علاوة على ذلك، ترى إيران أن استمرارها في تحمل العقوبات الأمريكية سياسة صحيحة في ضوء رغبة "ترامب" العنيفة في المفاوضات، وكذلك وسيلة لجمع أوراق المساومة إذا/عندما تبدأ المحادثات.

بالنظر إلى المستقبل، يبقى السيناريوهان المحتملان كما كانا. أحدها هو سيناريو المواجهة المطولة بين الجانبين ضمن المعايير الحالية للعقوبات الأمريكية الشديدة التي قوبلت بإجراءات استفزازية من جانب إيران التي تتبنى "اقتصاد المقاومة" الذي أعلنه الزعيم الإيراني. والثاني هو العودة إلى المفاوضات التي قد يكون شكلها ثنائيًا، أمريكيًا - إيرانيًا في إطار فريقJCPOA ، أو إطارًا جديدًا يختلف عن ذلك الذي يتزعمه الرئيس باراك أوباما، والذي يرى "ترامب" أنه وقع "أسوأ صفقة" في تاريخ الولايات المتحدة.

ولكن إلى جانب السيناريوهات الرئيسية، قد ينتهي الأمر بمواجهات العنيفة، سواء كانت محلية أو على نطاق أوسع، وخاصة في منطقة الخليج، حيث يتعارض افتقارهم المتبادل في الاهتمام بالنزاع العسكري مع الديناميكية المتبادلة بينهما، في ظل وجود إمكانية للاستفزازات، بل وأكثر من ذلك، سوء التقدير من جانب إيران التي ترى في الوقت الحالي عدم وجود اهتمام واضح من جانب الرئيس "ترامب" في التحركات العسكرية، وأنه مستعد فقط لاتخاذ "خطوات أبعد من اللازم". مثل هذه المواجهة، والتي من المتوقع أن تركز بشكل رئيسي على الخليج، يمكن أن تكون مقدمة أو نتيجة لأي تطور في الديناميكية بين الجانبين.

من جانبها، تحتاج إسرائيل إلى الاستعداد لهذين السيناريوهين. الأول والأكثر خطورة، من وجهة نظرنا، هو تفاقم مستمر للوضع الحالي، ما يعني أن العقوبات لا تجلب الأطراف للمفاوضات وأن إيران تواصل تخزين اليورانيوم وربما تزيد من نطاق ومستوى التخصيب، والنتيجة هي تخفيض كبير في الجدول الزمني لـ"اندلاع" محتمل لقدرة نووية عسكرية، وفقًا لقرار إيراني. أما بالنسبة للسيناريو الثاني، وهو فتح المفاوضات، فإن السؤال هو ما إذا كانت مصلحة إسرائيل ستخدم بشكل أفضل من خلال "صفقة كبرى"، أو من خلال صفقة حول القضية النووية فقط. سيكون للصفقة الواسعة خطران متأصلان بالنسبة لإسرائيل، وهما جدول زمني مطول والمفاوضات التي تتطلب مفاضلات بين مختلف القضايا، وليس بالضرورة بما يتماشى مع المصالح الإسرائيلية. في أي سيناريو، ينبغي لإسرائيل أن تضع في اعتبارها الثغرات المحتملة بين مصالحها ومصالح الولايات المتحدة. ومن المفترض أن يكون الافتراض المسبق هو أن إسرائيل والولايات المتحدة اليوم لا تتقاسمان مواقف متطابقة على الخطوط الحمراء تجاه إيران.

------

*سيما شين: باحثة مقيمة بمعهد الأمن القومي الإسرائيلي. عملت نائبا للمدير العام بوزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية كمسؤولة عن الملف الإيراني (2009-2015). عملت نائبا لرئيس مجلس الأمن القومي للشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي (2008-2009). شغلت مناصب في الجيش الإسرائيلي والاستخبارات الإسرائيلية (الموساد).

*إلداد شفيت: باحث مقيم بمعهد الأمن القومي الإسرائيلي. شغل مناصب عليا في الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) واستخبارات الجيش الإسرائيلي ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. يحمل رتبة عقيد متقاعد بالاستخبارات الإسرائيلية، حيث تولى منصبه الأخير كرئيس قسم الأبحاث باستخبارات الجيش الإسرائيلي ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في الفترة من (2011-2015). ترأس وحدة استخبارات المكتب العسكري والأمني لديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي في عام 1994.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات