نظرة مستقبلية: سياسة أمريكا في سوريا خاطئة.. والحرب مع إيران ستكون كارثية

الجمعة 26-07-2019 | AM 10:12 صورة أرشيفية

تشارلز جلاس | معهد ستراتفور الاستخباراتي الأمريكي

بينما تخاطر الولايات المتحدة وإيران بحرب شاملة من خلال لعبة التصعيد في الخليج، فإن حربهما بالوكالة لا تزال مستمرة في سوريا. الرئيس السوري بشار الأسد -حليف إيران- فاز في الحرب قبل عامين، لكن فوزه كان غير مكتمل. أمّن "الأسد" عرشه، لكن جزئين كبيرين من البلاد لا يزالا بعيدين عن متناول يده. يسيطر الجيش التركي والمتمردون على الشمال الغربي، وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية، مدعومة بعدد صغير ولكن غير محدد من القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، على المنطقة الواقعة شمال شرق نهر الفرات بالقرب من المثلث الحدودي بين سوريا وتركيا والعراق. ويقول "الأسد" إنه لن يتخلى عن الصراع حتى تعود السيطرة على كلا المنطقتين إلى يديه. الجزء الآخر الوحيد من البلد الواقع تحت الاحتلال الأجنبي هو مرتفعات الجولان، لكن "الأسد" ليس في وضع يسمح له بطرد الإسرائيليين.

احتدم القتال على محيط محافظة "إدلب" في شمال غرب سوريا، حيث فقد مئات المدنيين أرواحهم وهرب ما يصل إلى 300 ألف إلى الأمان النسبي، حتى إن لم يكن مريحًا، منذ شن الجيش السوري هجومه الأخير منذ شهرين. وقال زعماء المتمردين، لـ"رويترز"، إن القوات الخاصة الروسية تقاتل إلى جانب القوات السورية، رغم أن روسيا لم تعلق بعد على هذا الادعاء. والمعروف أن الطائرات الحربية الروسية من قاعدة "حميميم" الجوية قصفت بلدات في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. على جانب المتمردين، فإن الاعتماد على حماية الجيش التركي، واللوجستيات والاتصالات والذخيرة وغيرها من اللوازم التي تقدمها تركيا، يوازن المساعدات الروسية المقدمة لـ"الأسد". وفي محافظة "عفرين" القريبة من "إدلب"، تدخل الأتراك ضد الجماعات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة، ووحدات حماية الشعب والمدنيين الأكراد العام الماضي، وقد ترك ذلك منطقة كبيرة متاخمة للمناطق التي تسيطر عليها الحكومة حول حلب وحماة واللاذقية تحت الاحتلال التركي والمقاتلين المحليين والأجانب الموالين لـ"أنقرة"، لمواصلة الضغط على قوات "الأسد".

ليس هناك مكان آخر

هناك ما يقدر بنحو 3 ملايين شخص -نصفهم تقريباً نزحوا من مناطق أخرى في سوريا- يسكنون في المنطقة التي تسيطر عليها تركيا. بالإضافة إلى هذا العدد، هناك 60 ألف متمرد، وفقًا للباحث البريطاني تشارلز ليستر الذي تابع المعارضة السورية منذ بداية الحرب لصالح معهد "الشرق الأوسط" الأمريكي. ويقول "ليستر": "حوالي نصف هذا العدد يدين بالولاء للفصائل من التيار الواسع للمعارضة، والنصف الآخر ينتمون إلى جماعات جهادية، بعضها موال للقاعدة". وتُعد هيئة تحرير الشام، التي تم تشكيلها من اندماج جبهة فتح الشام والمعروفة سابقًا باسم جبهة النصرة، وغيرها من الجماعات المسلحة في عام 2017، من أهم العناصر المرتبطة بتنظيم "القاعدة". وعلى غرار ما فعله تنظيم "داعش" الإرهابي، فإن هيئة تحرير الشام تكبد الأرمن والمسيحيين الآخرين والإيزيديين والأكراد، في مناطق سيطرتها، عمليات القتل والاغتصاب والتعذيب وجرائم أخرى، لكن العديد من المسلمين السنة العرب تكيفوا مع الوجود التركي الجهادي ولا يرحبون بعودة جيش "الأسد".

ولكي يخرج "الأسد" الإرهابيين وغيرهم من المقاتلين من آخر معاقلهم في سوريا، فإنه لا يستطيع أن يكرر ما فعله بنجاح ضدهم بين عامي 2016 و2018، لإخراجهم من حلب وحمص وضواحي "دمشق"، ففي ذلك الحين، حاصرت الحكومة السورية المسلحين وعرضت عليهم ما أسمته "المصالحة"، وهذا يعني اختيار السلوك الآمن للمناطق التي يسيطر عليها المتمردون أو نقلهم إلى معسكرات المشردين والنازحين أو التخلي عن أسلحتهم والبقاء في منازلهم. اختار عشرات الآلاف ركوب الحافلات مع عائلاتهم، التي أشرفت عليها الأمم المتحدة والقوات الروسية، إلى "إدلب". وفي ظل أن "إدلب" فقط والمناطق المحيطة بها هي الملاذ الأخير لهم، لا يوجد مكان آخر يذهبون إليه. تركيا، على الرغم من تمكينهم من عبور حدودها إلى سوريا في السنوات الماضية، لا تريدهم يعودون إلى أراضيها. وقد اعترف لي مصدر أمني سوري: "ليس لديهم أي فائدة مما يحدث في رقعة الشطرنج، ولن يكون لهم مكان آخر يذهبون إليه، والآن يتم الضغط عليهم وحشرهم في الزاوية". هذا لا يترك لهم خيارًا سوى القتال أو الموت ما لم تتغلب تركيا وروسيا على الخلافات وتتوصلان إلى حل خيالي، ففي الوقت الذي تحسنت فيه العلاقات بين القوتين المعادلتين سابقًا مع بيع صواريخ الدفاع الجوي الروسية من طراز S-400 إلى تركيا، لم يقررا أي قرار في سوريا.

أما في الشمال الشرقي، ناقش "الأسد" استعادة الأكراد سلمياً لسيادة الحكومة دون التوصل إلى اتفاق. لقد تجنب هو والأكراد مهاجمة بعضهم البعض باستمرار، بلا شك اعتقادا منهم بأن الجيش السوري سيعود يوما ما دون قتال. ولا يزال الأكراد يعتمدون على ضمانات الولايات المتحدة للحفاظ على الحكم الذاتي الذي يتمتعون به من "دمشق" والحماية من الهجوم التركي لطرد الأكراد من الشمال الشرقي كما حدث في "عفرين". تناقش الولايات المتحدة، رغم رغبتها في شراء تركيا حليفة "الناتو" للأسلحة الروسية وإلغاء عمليات بيع الطائرات الشبح طراز F-35 إلى تركيا، مسألة إنشاء منطقة عازلة بين تركيا والأكراد. في الوقت نفسه، يخشى المراقبون الأمريكيون من أن يقوم الحشد العسكري التركي بالقرب من تل أبيض ورأس العين في سوريا، بشن هجوم على الحلفاء الأكراد الأمريكيين، وسيكون على الولايات المتحدة إما تجاهلهما أو معارضته.

سياسة الولايات المتحدة المكسورة

يقوم أربعة مسؤولين أمريكيين يحملون ألقاب جديدة -جيمس جيفري وجويل ريبيرن وويليام روبوك وديفيد شينكر- بتنسيق السياسة الأمريكية في سوريا، لكن هذه السياسة لم تظهر أي نتائج بعد بعد. وكتب مايكل روبين مستشار "البنتاغون" السابق وزميل في معهد "أميريكان إنتربرايز" والمؤيد للحرب مع إيران، في مقال بـ"واشنطن بوست"، يقول: "خلاصة القول هي أن سياسة واشنطن تجاه سوريا مكسورة، لكن انتشار الدبلوماسيين الذين يتولون المسؤولية يجعل الأمور أسوأ". ويؤكد "روبين" أن الأكراد السوريين الذين يتفاوضون مع عدد كبير من الدبلوماسيين الأمريكيين ليس لديهم فكرة عن المسؤول أو عن الخطة.

حزب الله، الذي كان البديل الإيراني في الحرب السورية، يعيد نشر بعض قواته إلى لبنان. وقال حسن نصر الله رئيس الحزب على قناة "المنار" التلفزيونية: "نحن موجودون في كل منطقة (في سوريا).. كنا كذلك في السابق وما زلنا هناك، لكننا لسنا بحاجة إلى التواجد بأعداد كبيرة طالما لم تكن هناك حاجة عملية لذلك". والعنصر غير المعلن هو أنه قد تكون هناك حاجة إلى المحاربين ذوي الخبرة في "حزب الله" في لبنان، بهدف دعم إيران من خلال تهديد إسرائيل بتخزينها للصواريخ أرض – أرض، في حال نشوب صراع بين الولايات المتحدة وإيران.

لذا، فإن الحرب في سوريا تستمر، حيث تحرم المدنيين السوريين من السلام وتحتفظ الولايات المتحدة وتركيا وروسيا وإيران بالخناجر المستعرة لبعضهم البعض. ليس من غير المعقول أن نسأل ما إذا كان ينبغي لهذه البلدان أن تنهي حربًا واحدة قبل بدء حرب جديدة، أو ربما تجنب الحرب تماما؟ إذا كان أي شخص يعتقد أن الحروب في العراق من عام 2003 وسوريا من عام 2011 كانت كارثية، فما عليه سوى الانتظار حتى يرى تداعيات كارثة إيران.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات