عادل ضاهر في "أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي": في ضرورة انتصار العقل على النقل!

الإثنين 22-07-2019 | PM 02:42 غلاف كتاب

طارق حمو*

يقدم المفكر وأستاذ الفلسفة اللبناني عادل ضاهر في كتابه (أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي) [1] تقييما نقديا غنيا للتصور الديني في شقه المسيّس، وذلك بعرض وشرح مجموعة من المفاهيم العقلانية التنويرية كأدوات لتشريح المفهوم السياسي للإسلام، والرد على أطروحات منظري ومسوقي هذا المفهوم. والكتاب الذي يقع في 415 صفحة يقوم على قسمين اثنين هما:

القسم الأول: في معنى العقل ووجوب أوليته.

القسم الثاني: الإسلام والشؤون الدنيوية.

وهذا التقسيم يطلعنا، منذ البداية، على مدى أهمية العقل عند المؤلف ووجوب الخضوع لأحكامه والتقبل بما يستنبطه من نتائج وخلاصات. فالمؤلف يريد، أولا، أن يشرح العقل والمنطق العقلاني عبر تقديم سرد شامل ومكثف يوضح من خلاله أهمية العقل ودوره في التاريخ البشري، ومآثر التغييرات الكبرى التي أحدثها هذا العقل باحتكام البشر إليه في مسيرة الحضارة ومجريات التصدي للخرافة والغيبيات، ومن ثم الانطلاق من هذه القاعدة العقلية إلى تشكيل فهم، وبالتالي تقديم نقد للنص الديني، بهدف إنتزاع سلطة وجبروت وقداسة هذا النص، وإرجاعه إلى السياق التاريخي، بحصره في الزمان والمكان، وإعتباره نتاجا ومصنوعا من ميراث البشرية. هذا النتاج الذي ابتدعته عقول عاشت في ثقافة وبيئة وعصور سابقة، معلومة بخصوصيات وظروف يمكن للعقل أن يكشفها ويحللها ويشرحها تشريحا مناسبا معقولا.

إذا، فالمؤلف يميل إلى العقل وينظر له ويدافع عنه، بل اطروحته كلها تقوم على تقديس العقل في مقابل النقل، ومد سطوته ـ بالاعتماد على التاريخ البشري والبرهان من التجربة البشرية ـ ليشمل كل ما نعتبره الآن مقدسات لا يمكن ـ ولا يجب ـ الاقتراب منها بمنهجيات وأدوات النقد والتساؤل والشك.

في القسم الأول: في معنى العقل ووجوب أوليته: يقول المؤلف في بداية الفصل انه سيسعى إلى دحض الفكرة التي يستند عليها (الإسلام السياسي) في تثبيت أطروحاته وتمرير أفكاره عبر تغليفها بالنص المقدس، وهي فكرة (أسبقية النقل على العقل)، موضحا بأن مساعي دحض هذه الفكرة ليست جديدة، بل قال بها مفكرون عرب كشبلي شميل وفرح أنطون وأنطوان سعادة، وصادق جلال العظم وفؤاد زكريا ومحمد عابد الجابري وناصيف نصار وسواهم. ويشير المؤلف إلى الجذور الأولى في الثقافة الإسلامية في رفض ومقاومة مثل هذا المفهوم، من قبل تيار المعتزلة والفيلسوف الإسلامي ابن رشد، وانتصارهم للعقل والتفكير والمنطق مقابل مذهب النص الجامد ومذهب شمولية الاخذ بالنقل المتواتر عن السلف.

وينطلق المؤلف من نظريات وضعها فلاسفة كبار في معنى العقل والمهام التي تقوم عليه خلال مسيرة حياة الانسان ومساعيه في تحسين ظروف عيشه واخضاع الطبيعة لسلطته، فيشرح مفاهيم فلاسفة غربيين مثل رينيه ديكارت وباروخ سبينوزا وجون لوك وديفيد هيوم وكارل بوبر للعقل، وهي مفاهيم تختلف عن بعضها البعض، فمنها العقل الرياضي والعقل الاخلاقي والعقل الوظيفي والعقل المعياري والعقل العملي. كذلك يتعرض المؤلف إلى العقل وعلاقته بالاخلاق، ويتساءل عن امكانية تعارض الاخلاق مع مصلحة الفرد، وكيف للعقل، في هذه الحالة، أن يحاجج وينتصر لأحد الطرفين، ذاكرا آراء بعض الفلاسفة في مثل حدوث هذا التناقض والتعارض.

ويشرح المؤلف التغير الذي طرأ على نظرة الفلسفة والعلم إلى العقل، عند ظهور الحقيقة العلمية العقلية في ريادة العلم التجريبي وقدرته على تفسير الكثير من الظواهر الكونية والأرضية، وعدم قبول التفسير الماورائي/ الميتافيزيقي للظواهر الطبيعية وللكون ولبيولوجيا الانسان، ولعلاقة الروح بالجسد: أو الامتداد بالفكر، على رأي ديكارت. وفي هذه الجزئية يقول المؤلف: " النظرة الميتافيزيقية  إلى الكون، التي توارثناها عن أرسطو طاليس، بقيت ذات أثر كبير في الفكر الغربي إلى حين ظهور الفكر العلمي في صورته الحديثة كما نجدها في {مبادئ} اسحق نيوتن. إن فيزياء نيوتن ابتدأت تتجه بنا بثبات نحو النظرة الميكانيكية إلى الكون التي كان رينيه ديكارت قد مهد لظهورها قبل نيوتن بسنوات. ولكن وان كانت الكشوفات العلمية الحديثة التي ابتدأت بنيوتن قد دفعت بناء في اتجاه إحلال النظرة الميكانيكية إلى الطبيعة محل النظرة الغائية، إىلا أنها لم تنجح في إحلال السابقة محل الأخيرة في العلوم البيولوجية، بخاصة، إلى حين ظهور الداروينية التي كان لكشوفاتها العلمية الفضل الأكبر في محور آخر آثار النظرة الأرسطوطاليسية الغائية من التفسيرات العلمية. إن نجاح العلوم الحديثة في تفسير ظواهر الكون، بما في ذلك الظواهر البيولوجية، بدون اللجوء إلى افتراضات غائية البتة، لهو دليل على تفوق النظرة الميكانيكية على النظرة الغائية إلى الكون. قد لا يكون هذا دليلا قاطعا، ولكنه لا شك سبب وجيه لاعتبار الموقف الغائي أقل معقولية من الموقف المنافس له، نظرا لأن الاخير أكثر تواؤما مع الحقائق العلمية التي في حوزتنا. هنا، مثلا، بإمكاننا أن نقول إن الموقف الذي لا يعتبر أن الانسان وجد لغاية هو أكثر معقولية من الموقف الذي يفسر وجود الانسان تفسيرا غائيا، نظرا لأنه يتفق أكثر مع ما كشفته لنا العلوم البيولوجية عن الانسان ونشأته " [2].  

إذا، فالعقل التجريبي القائم على التجربة العلمية، في بعدها المتجرد الظاهر بالدليل والبرهان، هو المنتصر على التفسير الماورائي القائم على الاستنتاج الفلسفي بطريقة تعيد الامور إلى الغيبيات والماورائيات، وهو ما يناقض العقل المستند على التجريب المجرد. فالعقل هو الأساس الأمتن للحكم على الأشياء ومعرفة غثها من سمينها، " العقل هو البداية..بداية كل موجود في الوجود، بداية وتكوين كل انطلاق حضاري للإنسانية..بداية كل مسيرة نحو الفهم والتطور والابداع. إنه ميزة الانسان في كل زمان ومكان. هذا العقل كان أعظم وأروع ما أبدعته مئات ملايين سنوات التكوين. إنه أبو العجائب المنظورة والمحسوسة والملموسة التي تدحض وتلغي أعاجيب الأساطير الخيالية التي ينسبوها لقوى إلهية غير منظورة، ومتمترسة فوق الغيوم"[3].

ويربط الكاتب حاجة الانسان إلى استنباط وسائل جديدة لتحسين ظروف حياته، ومواجهة التعقيد الذي يحيط به كلما تدرج في التقدم على سلم الحضارة، باللجوء إلى العقل والتفسير العلمي العقلاني للظواهر، وبالتالي الدفع إلى الابتكار والتطوير والابداع في ميادين العلوم ومناحي الحياة اليومية التي تؤثر تأثيرا مباشرا على وجود وكينونة الانسان، إن " الانسان في محاولته معالجة المشكلات التي واجهته، كان عليه أن يتعلم كيف يتعامل مع الطبيعة وكيف يخضعها لسد حاجاته المتطورة. ومع تعقّد حاجاته وتعقّد شروط حياته الاجتماعية تبعا لذلك، نشأت الحاجة لتحقيق فهم أفضل للطبيعة ولابتكار وسائل أفضل لاخضاعها وللتنبؤ بتحولاتها. وفي هذه الحالة، أصبحت الشروط مهيأة لنشوء العقل العلمي المعتمد على الملاحظة المنظمة بدل التأمل الخالص. إذن، العلم الذي وجد بدايته في التأملات الكوسمولوجية للإغريق لم يكن ليتطور على النحو الذي عرفناه ويقطع صلته بماضيه التأملي لولا الضغوط المتواصلة للحاجات الانسانية المتطورة التي ولدت من المشكلات ما استدعى حلها تحقيق فهم نظري للطبيعة. فالمعرفة العلمية مع ازدياد تعقّد حاجات وظروف حياة الإنسان، لا يمكن أن تستغني عن المعرفة النظرية، معرفة القوانين الكلية التي تخضع لها الظواهر وتشكل الأساس لتنبئنا بها. ولكن من الجدير بالملاحظة أن العلم، بعد تطوره إلى الصورة التي نعرفه عليها اليوم، لم يقطع صلته بماضيه التأملي الخالص فحسب، بل إنه أيضا تحرر، في طلبه الحقيقة، من الخضوع لمقتضيات الحاجات العملية للإنسان. العلم بصفته علما يطلب الحقيقة لذاتها"[4].  

إذن فالإنسان، وبعد أن تطور وتدرج في المدنية، بدأ يفكر ويخضع كل الظواهر لمقياس عقلي ومحاججة علمية منطقية، وبدأ الشك يرفع صوته عاليا، ويحاول تلمس طريق له إزاء الافكار التقليدية السائدة والمسيطرة، " الفكر البشري حين يتحرر ويخرج على التقاليد لا يستطيع أن يحتفظ بطابع اليقين على أية صورة. إنه حين يشك في أمر واحد من أمور حياته لا يستطيع أن يقف في شكه عند هذا الحد. فالشك كالمرض المعدي لا يكاد يبدأ في ناحية حتى يعم جميع النواحي. والانسان إذ يكسر تقليدا واحدا لا بد أن يأتيه يوم يكسر فيه جميع التقاليد. وهو بذلك قد استفاد من جهة وتضرر من جهات أخرى" [5]. ومن هنا فلا بد من التركيز على الأهمية الطاغية للعقل والتفكير والشك في كل أمور ومناحي الحياة، من أجل تحسين الانسان لظروفه والتطور، ونبذ كل الغيبيات التي تؤثر عليه تأثيرا كبيرا. إن العقل هو الانسان، فهو الذي يصنع الانسان ويجعل منه انسانا، " التفكير، التعلم، التذكر، المعرفة، التصوّر وابتكار المعاني، حفظ المعرفة ونقلها عبر الزمان والمكان، هذه الأشياء ليست عجيبة وحسب في سعة نطاقها وتنوعها، بل إنها فذة، فهي التي تجعلنا بشرا"[6].

وبعد سرد مستفيض لأهمية العقل ـ وعلى مدار نصف مساحة الكتاب تقريبا ـ مدعوم بآراء ونظريات المفكرين الكبار منذ الأغريق وحتى وقتنا الراهن، يطرح المؤلف السؤال الكبير في ماحججة العقل للوجود المتيافيزيقي للإله. أي إعمال العقل في فهم طبيعة الإله ومحاولة الإجابة على الأسئلة الكثيرة المفتوحة التي تركتها الأديان لغزا محيرا، حيث التركيز الدائم على أحقية وجوب الطاعة الكاملة للدين بوصفه أمرا إليها ملزما، لا يقبل الرفض والشك إطلاقا. يتساءل المؤلف هنا: " إذا ركزنا الآن على الجانب الميتافيزيقي لاعتقادات مثل الاعتقاد بوجود خالق للكون يتخطى الزمان والمكان، خالق واجب الوجود، ولا متناه، وكلي العلم، وكلي القدرة، وكلي الرحمة، وكلي العدل...الخ، فإننا نجد أنفسنا هنا إزاء مفاهيم كثيرة يقف العقل إزاءها حائرا. ما معنى أن يكون كائن متعاليا (متخطيا بصورة مطلقة للزمان والمكان) وأن يفعل، مع ذلك، في الوجود الزمكاني؟. بل ما معنى أن ينبثق الوجود المادي من وجود لا مادي؟. كيف يمكن لكائن أن يكون واجب الوجود أو على ذاته؟. هل يمكن للعدل الكلي وللرحمة الكلية أن يجتمعا في نفس الكائن؟ باختصار، هل اعتقاد كالمذكور اعتقاد معقول أو حتى متماسك داخليا؟"[7].

كذلك ينتقد المؤلف النظريات التوفيقية والتي يسميها في الكتاب ب"الطفيلية" من تلك التي تحاول التوفيق بين العقل والنقل، أو بتطويع العلم ليكون دالا على صحة النص الديني، وليس داحضا له، من الجهة العلمية المجردة. ويسوق هنا نظرية الخلق في النص الديني من وجهة نظر العلم، وينتقد محاولة البعض تذليل التعارض الواضح والفاضح بين النقل/النص الديني، وبين العقل/العلم التجريبي، حيث أن العلم يقول بأن عمر الأرض ملايين السنين، بينما يذهب النص الديني إلى الحديث عن آدم أبو البشر، الذي لا يزيد وجوده على بضع آلاف من السنين!. وعلى أساس هذا الرأي يضيف المؤلف: " إذا اختار واحدنا التمسك، مثلا، بالفهم الحرفي لقصة الخلق في وجه كل الأدلة التي نجدها في نظرية التطور، وعلم الإحاثة، وعلم الفلك، حتى في حال اعترافه بعدم إمكان التوفيق بين هذا الفهم والأدلة الأخيرة، فإنه مطالب بأن يبين لماذا يثق بالنقل أكثر من ثقته بالعقل. بمعنى آخر، إن عليه أن يعطي أسبابا لترجيح أحكام النقل على أحكام العقل، والا يكون موقفه تحكميا. من الواضح، إذن، أن العقل يبقى مرجعنا الأخير بخصوص قبول أو رفض موقف كهذا. فالعقل هو سبيلنا الوحيد لتقويم أي أسباب قد ياتي بها من يتبنى موقفا كهذا لتدعيم موقفه"[8].

وهناك من يعترض على مقارنة النظام الديمقراطي بحكم الشريعة أو الدولة الدينية الإسلامية، وينفي وجود أي مشتركات بينهما، أو حتى إمكانية التوائم والتزاوج بينهما. فالدولة الدينية هي دولة شمولية بالضرورة، وهي دولة قائمة على نصوص وتفسيرات الدين، ولا علاقة لها بالفكر الديمقراطي وقوانين النظام التشاركي القائم على الانتخابات ورأي الأكثرية، لذلك فإن أي حديث عن وجود "ديمقراطية إسلامية" هو حديث فارغ ولا يملك أي مصداقية، "هل يمكن للديمقراطية أن تكون سمة للنظام السياسي المزمع إقامته من قبل الإسلاميين؟ الجواب هو بالنفي، وهنا ألخص أسبابه على النحو الآتي: لا يمكن لنظام سياسي ديمقراطي ان يجد تربة صالحة له في الدولة الدينية أمسيحية كانت أم اسلامية، لأن الدولة الدينية تميل بطبيعتها لأن تكون دولة كليانية/توتاليتارية، والدولة الكليانية هي تماما عكس الدولة الديمقراطية. وبما أن الغرض الأساسي للإسلام السياسي هو إقامة دولة إسلامية، أي دولة دينية، إذن لا أمل في أن تكون الديمقراطية سمة للنظام السياسي لهذه الدولة"[9]. لكن المؤمن بالإله وبالأمر الإلهي المتمثل في النص المقدس، لا يولي أي أهمية للعقل، بل ينتصر للنقل ويرفض العقل ويضعه موضع الاتهام في حال شكه أو صدور أي ريبة منه تجاه النص والإله والشريعة والموروث الديني برمته.

في القسم الثاني: الإسلام والشؤون الدنيوية: يبين المؤلف بأنه سيسعى في فصول هذا القسم إلى الدحض العقلاني العلمي لأطروحات دأب الإسلاميون، على مختلف مشاربهم، على تسويقها وتقديمها كأسس راسخة لا تقبل النقاش والرأي، بل هي، من وجهة نظرهم، " عقلانية" محمية ومحكومة بالأمر الإلهي أيضا. وهذه الأطروحات هي: أولا: الإسلام دين ودولة. ثانيا: لا يمكن للإنسان أن يتدبر شؤون دنياه بدون توجيه إلهي. ثالثا: ولا اجتهاد في موضع النص. رابعا: لا تعارض بين الإسلام السياسي والديمقراطية. موضحا بأنه سوف يخضع هذه الأطروحات للبرهان العقلي، وفي حال تعارضه معها، سوف يعترف بحكم العقل وينحاز إليه في رفض "حجج" و"براهين" أصحاب النقل وقداسة النص التي لا تقبل أن يتم وضعها على طاولة التشريح العقلاني. فيما يخص أطروحة الإسلام دين ودولة: وهو الشعار الآتي أصلا من مؤسس حركة الاخوان المسلمين المصرية حسن البنا، والذي أطلق شعار (الإسلام دين ودولة)، حيث تحول الشعار الخاص بحركته، إلى شعار جامع ترفعه كل تيارات الإسلام السياسي. ويستعرض المؤلف كتابات وآراء العديد من الكتاب والمفكرين الإسلاميين من الذين يؤيدون اطروحة (الإسلام دين ودنيا)، ويدافعون عنها وينظرون لها. ويقول المؤلف بعد هذا الاستعراض والسرد: " أن ما يهمنا هنا طبعا هو العنصر المشترك بين كل هؤلاء المفكرين الذين يربطون بين الإسلام، من جهة، والسياسة والاقتصاد والاجتماع، من جهة ثانية. وهذا العنصر المشترك يكمن، كما رأينا، في اعتقادهم أن العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام هي أكبر من علاقة تاريخية: أنها بالأحرى علاقة منطقية أو مفهومية"[10].

ويٌظهر خطاب (الإسلام السياسي) دولة الخلافة وكأنها دولة الكمال والصلاح، لا أخطاء ولا تجاوزات فيها. إنها المثال الأكمل على الأرض من وجهة نظره، فقد قادها النبي وصحبه من بعده وأشرفوا على أمورها، لذلك يجب أن تكون "النموذج" المنشود، وبحسب هذا الرأي فقد " كانت الدولة الإسلامية بحق المثال الفريد للدولة الدينية. فمؤسس هذه الدولة رسول من الله، والهدف الذي لأجله قامت هذه الدولة هو الدعوة إلى الله سبحانه، وإخراج الناس من ظلمات الشرك والجهل إلى نور الإيمان، ومجاهدة المعاندين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغون الفساد في الأرض. ودستور الدولة وقانونها الخالد معجزة من الله، والسلطات العامة نابعة من هذا الدستور الإلهي، تطبقه وتنفذه ولا تحيد عنه. وكل فرد من أفراد الشعب فيها يدعو لهذا الدين ويجاهد في سبيل الله، ويوالي ويعادي في الله"[11].

ويذهب المؤلف في محاججة فلسفية عقلانية لدحض هذه الاطروحة والاستدلال على مدى تناقضها مع جوهر الدين نفسه في بعض المواضع، ويقول بأنه يمكن لرجال أي دين، وليس فقط الإسلام، الادعاء بأن دينهم دين ودولة!. ويستدل المؤلف في هذا الشأن بالمسيحية مثالا. كذلك يؤكد على الظرف الزماني والمكاني للبشر، موضحا بان التناقض يظهر في اخضاع الدنيوي البشري للنص الديني الثابت الآتي من زمان ومكان آخر، " إن اختيار تقييد البشر على نحو معين (أي بواسطة قواعد معينة، خلقية أو غير خلقية)، على افتراض أنه اختيار تفرضه الاعتبارات العقلانية، لا بد، إذن، أن يأخذ في الاعتبار ظروف البشر وشروط حياتهم وأحوال معيشتهم..الخ. وفي هذه الحالة، لا يمكن تأويل القواعد التي يختار الله تقييد البشر بواسطتها على أنها صالحة لكل زمان ومكان: ينبغي أن فهم على أنها تعبير عن آوامر إلهية شرطية، لا مطلقة. ولذلك فإنها لا يمكن أن تكون جزءا من الإسلام كعقيدة دينية، لأن الإسلام، كعقيدة دينية، كوني، بينما القواعد المعنية لا يمكن  كوننتها بحكم طبيعتها النسبية. واذا كانت هذه القواعد هي التي تشكل حلقة الوصل الأساسية بين الإسلام والسياسة (بمعنى أنّ أمر الله لنا بتطبيقها هو الذي يحتّم علينا أن نتجه كمسلمين في اتجاه إقامة دولة إسلامية) فإنه لا علاقة ضرورية بين الإسلام والسياسة"[12].

وفيما يخص العجز المزعوم للعقل العملي ومعرفة الله: فيركز المؤلف على أسبقية وريادة الأخلاق على الدين، ويوضح التناقض في القول بأن الانسان عرف الله بواسطة العقل، ولكنه غير قادر على تنظيم شؤون حياته إلا من خلال تطبيق الشرع والدين، أي باللجوء إلى "حاكمية الله"!. ويشير المؤلف بأن إرادة الله التي تجعل من الانسان قاصرا على تحقيق أمر ما، تتعلق بمدى التقدم العلمي للانسان، فالانسان كان عاجزا في زمن ما من الوصول إلى القمر، ولكنه وصل. وهو عاجز الآن من الوصول إلى كوكب زحل، ولكنه قد يصبح يوما ما قادرا على تحقيق ذلك. ويوضح المؤلف بأن الأوامر الإلهية موجهة للناس على الأرض، وهؤلاء لديهم منظومة اخلاقية طوروها منذ آلاف السنين، لذلك فان التعليمات الالهية تذهب في اتجاه توطيد الاخلاق البشرية، وهذا ما يؤكد بان الانسان نفسه هو من يضع المعايير للاخلاق والفضائل وأسس العيش والسلام، بما يتوافق وحياته على الارض في مجتمعات لها سمات وخصائص محددة، تشكلت وتبلوّرت من خلال تجارب زمانية ومكانية ذات خصوصية معينة. ومن هنا " فقرار الله في أن يخلق هذا العالم بالذات هو، في آن، قراره في أن تكون أفعاله، في تعامله مع هذا العالم، متسقة مع هذه المعايير في كل الحالات. إن طبيعته لا تسمح بأن يقوم بخرقها، لأنه بذلك يكون كمن يوفر الشروط التي لا يمكن في ظلها سوى أن تكون لهذه المعايير مكانتها الخاصة في العالم المخلوق ليعود فيجردها عشوائيا منها، مناقضا بذلك ذاته"[13].

وفيما يتعلق بالاجتهاد والجزء الحياتي من الشريعة: يخوض المؤلف في حجج الإسلاميين في التأكيد على إنه "لا إجهاد مع النص"، من أجل الابقاء على سطوة وسلطة النص الديني وحمايته من التشريح والنقد والمراجعة العلمية. ويتعرض المؤلف إلى آراء مفكرين اسلاميين مثل سيد قطب ومحمد عمارة ويوسف القرضاوي، المدافعين عن النص في وجه الاجتهاد وإعمال العقل. ويتساءل المؤلف بعد سرد طويل اتسم بطابع فلسفي وفكري، عن المقصود حقا ب" قدسية النص وعدم جواز الاجتهاد معه"، متساءلا عن وجود سياق ما يجعل من هذه القاعدة محددة ومؤطرة بمكان وزمان محددين، " من يخاطب من بواسطة هذه النصوص، ولأي غرض؟ طبعا الجواب، في هذه الحالة، هو ان الله يخاطب البشر وأن الغرض هو حضهم على التقيد بقواعد معينة في تعاملهم مع بعض وفي تنظيمهم لشؤون حياتهم. ولكن هنا تنشأ الحاجة لمزيد من الأسئلة. فإذا كان الغرض هو حض البشر على التقيد بقواعد معينة، فهل المقصود بالبشر هنا كل البشر في كل زمان ومكان أم المقصود بهم فقط البشر المخاطبين في زمن النزول؟. بمعنى آخر، هل غرض الشارع هو تقييد كل البشر في كل الأمكنة والأزمنة بهذه القواعد أم قصر التقيد بها على الجهة المخاطبة وقت النزول؟. عبثا نحاول أن نجد أجوبتنا عن هذه الأسئلة في النصوص نفسها، مما يعني أن علينا أن نٌعمل عقولنا (أي نجتهد)، وأن نلجأ إلى شتى الاعتبارات المستقلة عن هذه النصوص للوصول إلى أجوبة مرضية"[14].

ومن هنا كانت الدعوة السلفية النقلية بضرورة رجوع المسلمين إلى القرآن وإلى النص المقدس فيه والخضوع التام له، وعدم نقاش أي رأي آخر قد يٌطعن في هذه القداسة، " لابد ان نرجع إليه ـــ حين نرجع ـــ بشعور التلقي للتنفيذ والعمل، لا بشعور الدراسة والمتاع. نرجع إليه لنعرف ماذا يطلب منا أن نكون، لنكون. وفي الطريق سنلتقي بالجمال الفني في القرآن وبالقصص الرائع في القرآن، وبمشاهد القيامة في القرآن.. وبالمنطق الوجداني في القرآن..وبسائر ما يطلبه أصحاب الدراسة والمتاع. ولكننا سنلتقي بهذا كله دون ان يكون هو هدفنا الأول. ان هدفنا الأول ان نعرف: ماذا يريد من القرآن ان نعمل؟ ما هو التصور الكلي الذي يريد منا ان نتصور؟ كيف يريد القرآن ان يكون شعورنا بالله؟ كيف يريد ان تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة؟. ثم لابد لنا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية والتقاليد الجاهلية والقيادة الجاهلية...في خاصة نفوسنا..ليست مهمتنا ان نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا ان ندين بالولاء له، فهو بهذه الصفة...صفة الجاهلية...غير قابل لأن نصطلح معه. ان مهمتنا ان نغيّر من أنفسنا أولا لنغير هذا المجتمع أخيرا"[15].

اما فيما يتعلق بالإسلام السياسي والديمقراطية: فيتحدث المؤلف عن اطروحات الإسلاميين فيما يخص النظام الديمقراطي وموقف الإسلام السياسي منه، وهي اطروحات متباينة شكلا، ومتفقة مضمونا، فمنها ما ينفي الديمقراطية وينبذها، ومنها ما يعرض التوافق بينها وبين النص الديني. ويخوض المؤلف في آراء مفكري الإسلام السياسي مثل سيد قطب وراشد الغنوشي وحسن الترابي، حيث يحاجج هذه الآراء بالمنطق العلمي العقلي الذي يدافع عنه وينظر له في كل فصول الكتاب. ويحذر المؤلف من الاعتماد على قرار الأغلبية أثناء العملية الديمقراطية في تمرير مشروع الإسلام السياسي، موضحا بان هذا المشروع يهدف السلطة وهو شمولي واقصائي بطبعه، " أن نعطي للدولة هوية دينية هو بالضرورة أن نجرد الذين لا يدينون بدين الدولة من الذين يدخلون في معدوديتها من الكثير من حقوق المواطنة التي يتمتع بها الآخرون. يحرّم على غير المسلم، مثلا، في دولة ذات هوية إسلامية من شغل مناصب ومراكز معينة لها ارتباط مباشر بالهوية الدينية للدولة، بل يحرم هذا حتى على المسلم العلماني، إذ هو، في رفضه أن تكون للدولة أي هوية دينية، يشارك غير المسلم في رفضه لأن تكون للدولة هوية إسلامية"[16]. 

ولكن حديث بعض الإسلاميين يتعدى قضية مقارنة "الديمقراطية الإسلامية" بالغربية، بل يذهب في إن الإسلام قدم نظاما ديمقراطيا متكاملا ومتطورا أكثر بكثير من النظام الديمقراطي الحالي المعروف، " ديمقراطية نظام الحكم في الإسلام لا وراثة ولا تعيين ولا طبقة ولا كهنوت ولا انفراد بالسلطة ولا وصاية على الأمة"[17].

وفي ختام الكتاب يحذر المؤلف عادل ضاهر من التقليل من خطر محاولات دمج الديمقراطية بالإسلام السياسي، والذهاب مذهب التوفيق بينهما، لأنها متعارضان جوهرا، وان أصبح مفهوما لجوء الإسلاميين إلى اللعبة الديمقراطية للقفز إلى سفينة السلطة والحكم والامساك بمقود الدولة، " عندما نقحم الدين في السياسة، نضع أنفسنا خارج اللعبة الديمقراطية. فلا يعقل، من منظور الأصولي المسيس للدين، الافتراض أن ثمة معيارا للخطأ والصواب في المجال السياسي يعلو على المعيار المستمد من النصوص الدينية التي اتفق أنها تشكل المرجع الأخير لهذا الأصولي"[18].

-------

*باحث في الإسلام السياسي. من فريق المركز الكردي للدراسات

-------

المصــــــــــــــــــــــــــــــادر:

[1] ـ عادل ضاهر: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي. دار أمواج للطباعة والنشر. بيروت، لبنان. الطبعة الأولى 2011 م.

[2] ـ المصدر السابق. ص 65.

[3] ـ أسعد زيدان: مولاي العقل: منشورات الجمل. بغداد، العراق. الطبعة الأولى 2016 م. ص 9.

[4] ـ عادل ضاهر: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي. مصدر سبق ذكره. ص 100.

[5] ـ علي الوردي: مهزلة العقل البشري. دار كوفان. لندن، بريطانيا. الطبعة الثانية 1994 م. ص 27.

[6] ـ جلبرت هايت: جبروت العقل. ترجمة: فؤاد صروف. من إصدارات المركز القومي للترجمة. القاهرة، مصر. الطبعة الأولى 2015 م. ص 22.

[7] ـ عادل ضاهر: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي. مصدر سبق ذكره. ص 185.

[8] ـ المصدر السابق. ص 188.

[9] ـ نفس المصدر. ص 359.

[10] ـ نفس المصدر. ص 212.

[11] ـ جمال أحمد السيد جاد المراكبي: الخلافة الإسلامية بين نظم الحكم المعاصرة. رسالة لنيل درجة الدكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق، جامعة القاهرة، مصر. من إصدارات جماعة السنّة المحمدية، الطبعة الأولى 1994 م. ص 33.

[12] ـ عادل ضاهر: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي. مصدر سبق ذكره. ص 233.

[13] ـ نفس المصدر. ص 264.

[14] ـ نفس المصدر. ص 319.

[15] ـ سيد قطب: معالم في الطريق. دار الشروق. بيروت، لبنان. الطبعة السادسة 1979 م. ص 18ـ19.

[16] ـ نفس المصدر. ص 396.

[17] ـ محمد شوقي الفنجري: كيف نحكم بالإسلام في دولة عصرية؟. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة، مصر. الطبعة الأولى 1990 م. ص 224.

[18] ـ عادل ضاهر: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي. مصدر سبق ذكره. ص 407.

أحدث الدراسات