تركيا أردوغان.. رؤية مستقبلية حول استبداد "العدالة والتنمية"

الأحد 14-07-2019 | PM 01:15 أكرم إمام أوغلو يحتفل بفوزه وسط أنصاره

غاري غروسمان* | مجلة "ذا كونفيرسيشن"

عادة ما تكون الانتخابات البلدية في المدن التركية بعيدة كل البعد عن أن تجذب انتباه العالم، لكن هزيمة مرشح الحزب الحاكم لمنصب عمدة إسطنبول، في المرتين الأولى في شهر مارس/آذار والثانية في شهر يونيو/حزيران، هي علامة قوية على أن أقوى حزب سياسي في تركيا يفقد نفوذه بعد ما يقرب من عقدين من السيطرة على تلك المدينة المهمة.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو المسيطر والمحرك الرئيسي على الحزب الحاكم، قالها بنفسه عدة مرات: "إذا خسرنا إسطنبول، فإننا نخسر تركيا". جميع الحركات السياسية تنتهي في نهاية المطاف، لكن "الأردوغانية" غيرت تركيا بشكل كبير، مما قلل من ديمقراطيتها، وبالتالي فإن انهيار حزب "أردوغان"، المعروف باسم حزب العدالة والتنمية، سيغير تركيا بطرق أخرى.

لقد راقبت عن كثب السياسة التركية لمدة ثلاثة عقود بسبب عملي في التدريب والاستشارات في البلاد حول إصلاح التعليم، وبصفتي باحثًا في برنامج "فولبرايت" للتعليم، عشت في تركيا عندما تولى "أردوغان" السلطة وتولى السيطرة على كل جانب من جوانب المجتمع التركي. صحيح أن العالم لديه مصلحة في استقرار تركيا، حيث إنها تحتل المركز السابع عشر من حيث الاقتصاد وفقا لبيانات الأمم المتحدة، ولكنها مثقلة بالديون للمستثمرين الأجانب.

عندما انخفضت العملة التركية، الليرة، بنسبة 20٪ في العام الماضي، كانت تواجه خطر حدوث أزمة عالمية. تركيا أيضًا حليف مهم لحلف "الناتو"، حيث تسمح باستخدام قواعدها البرية والجوية لعمليات التحالف العسكرية، في أماكن مثل سوريا والعراق المجاورتين. لكن الصراع السياسي الجديد على السلطة قد يؤدي إلى عودة الديمقراطية في تركيا، حيث يمكن أن تتحد المعارضة ضد حزب العدالة والتنمية على المستوى الوطني، ولكن في نهاية المطاف، هذا الأمر يُعد مزدوجا، حيث إن الصراع لديه أيضا القدرة على خلق أزمات مالية وسياسية متتالية، وهو ما يضع تركيا على المحك.

التحدي الناشئ

حزب الشعب الجمهوري هو أقدم حزب سياسي في تركيا، فقد تم تشكيله بعد الثورة التركية عام 1923. وفي آخر انتخابات في إسطنبول، خسر مرشح "أردوغان" الذي تم اختياره بعناية لمنصب العمدة رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، أمام مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو.

يصغر "إمام أوغلو" عن "أردوغان" 16 عاما، وكان يشغل منصب رئيس بلدية "بيليك دوزو" المتواضعة في إسطنبول. تمثل "إسطنبول"، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة، ثلث الناتج المحلي الإجمالي لتركيا، وهي أكبر من العديد من الاقتصادات الوطنية، ما يعني أن من يسيطر على الميزانية البلدية الضخمة في إسطنبول يتحكم في كل شيء.

وصف "أردوغان" نتائج الانتخابات الأولى التي أجريت في مارس بأنها "ملطخة ومزورة"، وطلب من مجلس الانتخابات الأعلى الذي اختاره بنفسه التحقيق، ثم ألغيت تلك الانتخابات وعقدت انتخابات جديدة في 23 يونيو.

في مباراة العودة، كانت المعارضة الشديدة عادة لحزب العدالة والتنمية تتحد خلف إمام أوغلو، مما يشكل تحديًا خطيرًا لقوة حزب العدالة والتنمية في أكبر قاعدة دعم له. وأصرت حملة "إمام أوغلو" على أن الانتخابات الأولى كانت مشروعة. ومع ذلك، فقد شارك للمرة الثانية وكان فوزه الثاني بمثابة فوز ساحق، بهامش 800 ألف صوت مقارنة بفارق 13500 في الانتخابات الأولى في مارس.

نهاية "أردوغان"؟

عندما ينتهي "أردوغان" من فترة رئاسته الحالية، سيكون أطول زعيم وطني في التاريخ التركي، بعد فوزه في كل انتخابات وطنية منذ عام 2002. بدأت فترة ولايته الأخيرة عام 2018 من خلال تحويل تقدم تركيا نحو دولة ديمقراطية، باستخدام مؤامرة مزعومة للإطاحة بالحكومة كذريعة لاعتقال وسجن المعارضين العسكريين والسياسيين. ثم استفاد من قدرة الحكومة على تغريم الشركات لمصلحته الشخصية والسياسية. وأصبحت وسائل الإعلام التي كانت ذات يوم مستقلة مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية ووكالة الأناضول بمثابة نشرة تبث لصالح حزب حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه "أردوغان". ومع اختفاء النقاد والمنافسين، واصل "أردوغان" تعزيز سلطته على المزيد من البلاد، وكانت قدرته على الحصول على ما يريده كاملة لدرجة أن أتباعه أطلقوا عليه "السيد العظيم".

في عام 2017، وافق الناخبون الأتراك على دستور جديد سعى إليه "أردوغان"، وقد منحه لقب "الرئيس التنفيذي الأول" وسلطات دستورية واسعة جدًا على حساب استقلال الفرعين التشريعي والقضائي للحكومة.

الأوضاع تتداعى

لكن منذ ذلك الحين، ظهرت دلائل على عدم الارتياح المتزايد لتكتيكات "أردوغان". في وقت سابق من هذا العام، وقع أكثر من 1000 من الأكاديميين الأتراك وزملائهم في الخارج رسالة مفتوحة تدين تفجير "أردوغان" لأكثر من 100 هدف في المناطق الكردية في تركيا بالقرب من حدودها مع سوريا. وفي هذا الشهر فقط، طرد "أردوغان" رأس البنك المركزي في صراع واضح على السلطة بشأن أسعار الفائدة في البلاد، مما يشير إلى أن البنك لم يعد راسخًا في قبضته.

في غضون ذلك، انخفضت حصة حزب العدالة والتنمية في التصويت، رغم أنها لا تزال الأكبر، بشكل ملحوظ. ويبدو أن منافسه الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، يعاود الظهور كمنافس وطني جاد بفوزه بالبلديات في جميع أنحاء تركيا في عام 2019. كما أن الخلافات المستمرة تهدد الدعم الموجود لـ"أردوغان" وحزبه.

على سبيل المثال، قام رئيس بلدية إسطنبول الجديد على الفور بفتح تحقيق حول ما إذا كان حزب العدالة والتنمية قد أساء استخدام الأموال العامة خلال الانتخابات. وكشف تحقيق أولي عن إنفاق 145 مليون دولار أمريكي على مؤسسة شباب مرتبطة بنجل أردوغان، بلال، بالإضافة إلى القصة التي تم إخفائها سريعا حول ارتكاب مخالفات جنسية تتعلق بوزير مالية أردوغان (وصهره) بيرات البيرق. وكان هناك العديد من الحالات الأخرى على مر السنين.

ماذا الآن؟

إن سلوك "أردوغان" الاستبدادي مؤخرا -سجن المشرعين والمعارضين السياسيين والصحفيين- يشير بوضوح إلى أنه سيجعل تآكل سلطته مؤلمًا بالنسبة لتركيا. لطالما كانت شعبية "أردوغان" ضعيفة. في كلا السباقين الرئاسيين، بما في ذلك أحدث سباق له في عام 2018، لم يتجاوز أردوغان 52.5٪ من الأصوات. حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية الموازية التي جرت في نفس الوقت في يونيو عام 2018، لم يحصل على نصيب "أردوغان". وهذا يشير إلى أن حزب العدالة والتنمية أقل شعبية مما هو عليه الآن.

ما إذا كانت نهاية "أردوغان" أو كيف ستأتي بسرعة، ستحدد من خلال مدى توحيد المعارضة. من الممكن أيضًا ظهور حزب سياسي جديد، أنشأه حلفاء أردوغان السابقون الذين قالوا إن حزبهم الحالي تحت قيادته "تسبب في انزلاق خطير في الخطابة والإجراءات والأخلاق والسياسة".

بشكل عام، يبدو أن هالة "أردوغان" التي لا تقهر بدأت تتبدد ويبدو أن تركيا تقترب من اليوم الذي يعتبر فيه نقل السلطة جزءًا طبيعيًا وغير اعتيادي من الحياة السياسية. وعندما يأتي ذلك اليوم، ستكون تركيا هي الديمقراطية التي كانت تهدف إليها ثورة 1923.

----

*غاري م. غروسمان: المدير المساعد لكلية الإبداع المجتمعي في المستقبل بجامعة آريزونا الأمريكية. شارك في العديد من البرامج التعليمية الممولة أمميا ودوليا في تركيا وعدد من الدول الأخرى.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات