عزمي بشارة في (ثورة مصر): ما هو أكبر من أي ثورة.. الصراع الأبدي بين العسكر والإخوان على الدولة!

الخميس 30-05-2019 | PM 01:39 ثورة 25 يناير في ميدان التحرير في مصر - صورة أرشيفية

طارق حمو*

يتوقف الدكتور عزمي بشارة الباحث الفلسطيني رئيس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، في مؤلفه الضخم الذي صدر في جزئين بعنوان: (الجزء الأول: ثورة مصر: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير)[1]، و( الجزء الثاني: ثورة مصر: من الثورة إلى الانقلاب)[2]،  على الأحداث والتطورات التي عصفت بمصر عقب الاحتجاجات الكبيرة عام 2011، والتي يسميها الكاتب بالثورة، مفردا لها حولي 1400 صفحة، ومحللا الأحداث والتطورات والتفاعلات السياسية التي سبقت وأعقبت الأحداث والتطورات في مصر، معتمدا على كم كبير من المصادر، ليكون مؤلفه مرجعا لا يمكن الاستغناء عنه حين التعرض لتاريخ مصر السياسي في تلك الفترة.

ويقسم الكاتب الجزء الأول من الكتاب إلى أربعة فصول.. الفصل الأول: خلفية تاريخية موجزة، الفصل الثاني: موجز تاريخ الاحتجاجات في مصر الحديثة، الفصل الثالث: ثورة 25 يناير: العبور الكبير من الاحتجاج إلى الثورة، والفصل الرابع: يوميات الثورة المصرية في المحافظات: خلافا للانقلاب لم تقتصر الثورة على القاهرة.

وفي بداية الجزء الأول من الكتاب يشير الباحث إلى الانفتاح الذي حدث في المجتمع المصري نهاية القرن التاسع عشر، بعد عقود طويلة من الاستبداد والتعسف والمصادرة، حيث يقول: "جرى العرف منذ عام 1883 على تعيين قبطي في كل وزارة، في خطوات تاريخية أولى لتأسيس المواطنة المصرية. وأنشئت محاكم وضعية يتحاكم إليها غير المصريين. وبسبب أجواء الانفتاح، تدفق إلى مصر عدد كبير من الأجانب ومسيحيي بلاد الشام. وساهم هؤلاء -كما هو معروف- في النهضة الثقافية وفي إنشاء الصحف وغيرها، وفي نشر الفكرة العربية في مصر في إطار حديث، كما أدى علماء الدين المسلمون في مصر دورا أساسيا في حفاظهم على الهوية العربية"[3].

ويستعرض الباحث العلاقات في العهد الملكي بين كل من القصر والإنكليز، ويشير إلى التناقضات التي أدت إلى نوع من اهتمام النخبة المصرية بالسياسة والتطلع إلى الاستقلال والحرية، حيث انتعشت الصحافة وظهرت رأسمالية وطنية (نموذج طلعت حرب وبنك مصر هنا). وكانت الأحزاب الوطنية، مثل (الوفد) و(النهضة) وغيرها تناضل في سبيل توطيد الشخصية المصرية بعيدا عن التدخل البريطاني. وكان الملك فاروق يجد نفسه مضطرا لقبول الضغوط التي تمارسها الأحزاب السياسية والرأي العام عليه. وفي هذه الفترة، ظهر تنظيم الإخوان المسلمين على يد حسن البنا، وأصبح مشاركا في المشهد السياسي، طارحا شعارات حول الخلافة وتطبيق الشريعة وتدخل الدين الإسلامي في كل مظاهر الحياة.

كذلك، يرصد الباحث بدايات المواجهة بين الإخوان المسلمين والدولة، ولجوء الملكية إلى التعامل الأمني مع الإخوان بعد الكشف عن أسلحة وتدريبات تقوم بها عناصر إخوانية، بعيد المساهمة في حرب فلسطين، وبروز الجانب العسكري للإخوان، حيث أدت عمليات الاغتيالات المتبادلة في نهاية الأمر إلى اغتيال حسن البنا نفسه، وإعلان الحرب على التنظيم الإسلامي. كما يتوقف الباحث على اندلاع ثورة يوليو 1952 م في مصر، وبدء حقبة جديدة. ويستعرض الباحث علاقة الضباط الأحرار بالقوى السياسة من أحزاب وإخوان، وبالصحافة، وقضية توزيع الأراضي، وسن دستور جديد، وترتيب الجيش، والعلاقات الخارجية مع أميركا وبريطانيا، وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، ودور مصر في المحيط العربي حيث التدخلات في الشؤون العربية (حرب اليمن وتجربة الوحدة مع سوريا). وكان الصراع مستمرا مع تنظيم الإخوان المسلمين المتطلع إلى الحكم "انخرط النظام في شبه صراع وجود مع حركة الإخوان المسلمين، كان له أثر كبير في تحويل النظام إلى نظام قمعي (بوليسي)، نجم عنه حصول تحولات عميقة في فكر جماعة الإخوان وتنظيمها، منها انشقاقات عناصر متطرفة عن التنظيم ساهمت في تغيير خريطة الإسلام السياسي في الأمد البعيد. تمثل هذه المرحلة أحد المفاصل المهمة في تحويل الإسلام السياسي نحو الفكر الكفيري واتهام المجتمع بالجاهلية الجديدة، المتضمن عناصر انعزالية وغربة نفسية من مجتمع الجاهلية الجديد هذا، في عملية الاستعداد للجهاد ونشر الدعوة من جديد"[4].

كذلك، يخوض الباحث في حيثيات الهجوم الإسرائيلي على كل من مصر وسوريا عام 1967، والإرهاصات التي سبقت الحرب وساعدت في تحقيق ذلك الهجوم، والتخبط الذي ساد موقف "عبدالناصر" قبل وبعد الهجوم الإسرائيلي واحتلال سيناء والجولان والقدس الشرقية وقطاع غزة. وبعد وفاة "عبدالناصر"، جاء "السادات" إلى الحكم، حيث حاول القضاء على "مراكز القوى" المؤيدة للعهد الناصري، وشن حرب أكتوبر/تشرين 1973 مع سوريا، ممهدا لعملية السلام مع إسرائيل والتي حدثت برعاية أميركية، وانتهت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، وبهذا "وقع شرخ كبير في المجتمع السياسي المصري، فنشأت معارضة قوية لاتفاقات كامب ديفيد والتطبيع مع إسرائيل. وانتقل الإخوان الذين افرج عنهم السادات، إلى معارضة النظام، بعد أن اعتمد هذا النظام خطابا إسلاميا، تمثل بشعارات مثل "العلم والإيمان"، و"الرئيس المؤمن"، وبعدما نصّ البند الثاني من الدستور على اعتبار الشريعة المصدر الرئيس للتشريع. واتخذ "السادات" طريقا مركبا بتبنيه الخطاب الإسلامي في المجال العمومي، ودعم البرامج الدينية الإسلامية في وسائل الإعلام، وحتى تشجيع الجماعات الإسلامية لمواجهة التيار الناصري واليساري في الجامعات من جهة، ثم محاربة الحركات الإسلامية من جهة أخرى بعد صدامها معه في قضية السلام مع إسرائيل"[5].

واغتيل السادات عام 1981، ليتسلم نائبه حسني مبارك السلطة، وتتحول مؤسسة الرئاسة من هنا إلى مؤسسة انتقالية، لكن دون انتخابات ديمقراطية. وعمد "مبارك" إلى ممارسة سياسة حذرة، لكنه اصطدم مع الجماعات التكفيرية في مطلع التسعينيات وعموما، فقد "استمرت السلطة في الاعتماد على الجيش والقوى الأمنية كحافظ رئيس للنظام، لكن مع منح دور أكبر للقضاء في نزوع لإرضاء الخارج في مرحلة انفتاح وسياسات اعتماد على التحالف مع الولايات المتحدة، لاستحداث انطباع أن نظام القانون يعمل في مصر، وكذلك كأداة سيطرة أكثر تركيبا في الداخل. فالقضاء في النهاية يحكم بموجب قوانين يسنّها النظام القائم"[6].

وتمّيز عصر "مبارك" في السنوات العشر الأخيرة من حكمه بالفساد وانتشار الفقر والعشوائيات، وظهور أزمات تتعلق بشح المواد الغذائية الأساسية وتفاقم أزمة السكن، إلى جانب تغلغل رجال الأعمال الذين جاءت بهم سياسة الخصخصة والانفتاح في دهاليز السلطة، وتم انتخاب جمال مبارك عام 2007 أمينا عاما مساعدا للحزب الوطني الحاكم، على طريق تأهيله لخلافة والده، أسوة بما حدث في سوريا عام 2000.

ويتوقف المؤلف على حركات الاحتجاج الشعبي منذ عام 1952، في عرض تاريخي واجتماعي غني، مركزا على التيارات السياسية والاجتماعية المعارضة التي ظهرت ضد سياسة "مبارك"، والتي تشعبت هنا من حيث إعلان الموقف السياسي ضد سياسة النظام الخارجية، أو ضد ممارساته في الداخل. وكان الإخوان المسلمون منضمين إلى تلك الاحتجاجات المنظمة (لكن دون الإعلان الصريح تجنبا للمواجهة)، بعد أن فتح لهم نظام مبارك الباب قليلا عام 2005، ليحققوا نتائج كبيرة في الانتخابات البرلمانية، ويحوزوا على 20% من مقاعد البرلمان. ويتحدث المؤلف عن عدد من حوادث القمع والتعذيب، كحادثة قتل الناشط خالد سعيد والتمثيل بجثته، ونشر صوره في الإنترنت (في حملة "كلنا خالد سعيد")، تلك الحادثة التي أدت إلى غضب شعبي كبير واحتقان ضد رجال الشرطة والاستخبارات القساة، غير الآبهين بأرواح الناس.

كذلك يتحدث المؤلف عن بداية الاحتجاجات، على ضوء نجاح الحراك الشعبي في تونس وهروب الرئيس زين العابدين بن علي، حيث دعت صفحات التواصل الاجتماعي الجماهير إلى التظاهر في 25 يناير 2011. وعن التحضير للتظاهرات، يقول وائل غنيم أحد الناشطين على شبكة التواصل الاجتماعي والمشرف على صفحة (كلنا خالد سعيد): "بعد هروب الرئيس التونسي وتنامي الغضب بين المصريين الذين يريدون أن يعيدوا سيناريو تونس مع مبارك، كان يجب أن اعيد توجيه الحدث. لم أستطع أن اقاوم استخدام كلمة ثورة، كل هذا وأنا الذي لا اعتبر نفسي ثائرا، كان أمرا في غاية الغرابة بالنسبة إليَ"[7].

وقرر شباب الاخوان المسلمين الانضمام الى الاحتجاجات، وذلك بمبادرة ذاتية منهم اول الأمر، أما الاحزاب السياسية فقد ظلت محافظة على التقليدية في عملها، معتمدة على الاعتصامات أمام دور القضاء. ويناقش الباحث موقف السلفيين، وكذلك موقف الكنيسة المتحفظ حيال المشاركة في الاحتجاجات، بحجة التخوف من الفوضى ووجود ايادي خارجية ضمن الحراك. كما تعرض المؤلف بشيء من التفصيل لسير الاحتجاجات والمواجهات التي حصلت مع قوات الشرطة، والاساليب والتكتيكات التي لجأت إليها الجموع المتظاهرة لتفادي الحصار والقمع من جانب قوات النظام. وكانت ل"جمعة الغضب" في يوم 28 يناير 2011 م الدور الكبير في تحول الحراك إلى تجمعات شعبية مليونية تطالب بتغيير النظام وإنهاء الدولة الأمنية ومنظومة الفساد وإشراك الشباب والقوى الوطنية في الحكم والإدارة، كذلك ظهر وكأن قيادات بدأت تتشكل من اجل الاشراف على هذا الحراك وتمثيله أمام الرأي العام وتأطير مطالبه في نقاط محددة.

ويتوقف الباحث على مواقف النظام والتغييرات التي أحدثها، بدءا من تعيين نائب لرئيس الجمهورية واستبدال الحكومة، والموقف الدولية ـ الاميركية والاوروبية خاصة ـ الداعية إلى التغيير السياسي السلمي والاستجابة لمطالب المتظاهرين. وكذلك يخوض الباحث في موقف الجيش المصري الذي التزم الحياد ولم يتحول لعصا غليظة بيد النظام كما في حالة الجيشين السوري والليبي. ويشير الباحث إلى تكتيت المتظاهرين باللجوء إلى ميدان التحرير والتمركز فيه، من أجل التحول لمنطقة جاذبة متماسكة للشعب ضد النظام وآلته القمعية والاعلامية.

وينقل الباحث فحوى البيانات المتوالية للرئيس المتمسك بالسلطة، والمطالب منحه فرصة جديدة، محذرا من الفوضى والعنف، والجيش الذي أوضح أنه ينحاز للشعب ولمطالبه. وبعد فترة من الضغوط والمواجهات، اضطر "مبارك" فيها لإعلان تسليم السلطات لنائبه، والذي سلم السلطات بدوره إلى المجلس العسكري، الذي قرر إدارة البلاد لحين انتخاب رئيس جديد لمصر، "في خضم ثورة الاحتجاج التي بلغت ذروتها مساء جمعة الرحيل"، قرأ نائب الرئيس المصري على شاشة التلفزيون الرسمي، في السادسة من مساء الجمعة 11 شباط/فبراير 2011 بتوقيت القاهرة، بيانا مقتضبا أعلن فيه تنحي مبارك وتسليم مقاليد إدارة البلاد إلى المجلس العسكري. وجاء هذا الإعلان بالتنسيق مع المجلس العسكري ومن مقرّه، وكان قرار تنحي "مبارك" على السلطة لمصلحة الجيش إنجازا تاريخيا للثورة المصرية. سادت حالة من الفرح العارم وتدفق المشاعر الشعبية، وغادر الرئيس المخلوع وأفراد أسرته القاهرة إلى شرم الشيخ"[8].

أما في الجزء الثاني من الكتاب والمعنون (ثورة مصر: من الثورة إلى الانقلاب)، فيشرح الباحث بإسهاب مُركَّز فترة ما بعد تنحي "مبارك"، والانتخابات التي جرت وجاءت برئيس من جماعة الإخوان المسلمين هو محمد مرسي، ومن ثم تطورات عهد "مرسي"، والمواجهات التي حدثت بين أنصاره والمعارضين لحكم الإخوان، ومن ثم تدخل الجيش والمرحلة الانتقالية التي جاءت بوزير الدفاع عبدالفتاح السيسي إلى الحكم.

ويقول الباحث في مقدمة الجزء الثاني من الكتاب: "تشابكت في المرحلة الانتقالية دوائر ثلاث: الثورة الحقيقية الشعبية وقواها غير المنظمة كقيادة بديلة في ظل صراعات بين الأحزاب على السلطة قبل تحقيق الديمقراطية، وثورة التوقعات التي تضغط لتحقيق وعود الثورة الكبرى بأسرع وقت ممكن، وتزايد منسوب التذمر والشكوى بسبب قضايا متعلقة بمعيشة الناس، حين لم تتحكم الثورة بالنظام لتلبي سريعا بعض هذه التوقعات، والثورة المضادة التي تجلّت في استخدام أدوات الثورة، مثل التعبئة والتحشيد وتوقعات الشارع وخيباته السريعة ضد الثورة ذاتها. كما استخدمت مؤسسات النظام القديم، مثل القضاء والدولة العميقة التي قاومت التغيير في عملية إفشال المؤسسات المنتخبة. وأجهدت ثورة التوقعات الثورة، قبل أن تقوم الثورة بإجهاضها"[9].

ومع إشارة الباحث إلى دور العامل الخارجي الذي استخدم المال لتمويل "قوى الثورة المضادة"، إلى أنه يرى العامل الحاسم في عدم تمكن القوى المؤيدة لثورة يناير/ كانون الثاني، مع تلك التي انضمت إليها، من الاتفاق على مبادئ الديمقراطية وإقامة جبهة موحدة في مواجهة النظام القديم وفرض هذه المبادئ عليه، ومقاومة نخب النظام السابق (ولا سيما في الجهاز الأمني والجيش) لفكرة ومبدأ التغيير. والنقطة الأهم في الفترة ما بعد تنحي مبارك، وتسليم قوى الحراك بالتغيير الحاصل، والوعود بإجراء انتخابات حرة وإصلاحات جذرية، والقطيعة النهائية مع نظام "مبارك"، حيث الفساد ونوايا التوريث، هي سيطرة الجيش على كل المشهد في البلاد. فقد قاد الجيش في 10 شباط/فبراير 2012 م انقلابا أبيضا ضد مبارك، وأخرجه من السلطة، وأنهى التوريث والطغمة المنتفعة المتحلقة حول مبارك وأسرته. إذن الجيش عمليا وطدّ سلطته، ومن هنا "ما كاد فجر الأحد 13 شباط/ فبراير يبزغ، حتى انجلت للجميع حقيقة أن الجيش هو المؤسسة الكبرى الفاعلة في مصر القادرة على اتخاذ قرارات وتنفيذها في مرحلة عدم الاستقرار المؤسسي. غاب رأس الدولة المصرية وتولى المجلس العسكري الرئاسة من دون رئيس للدولة. وفي المقابل، لم يكن للحركة الثورية المصرية رأس، إذ لم تبرز لها قيادة من بين صفوفها تسعى إلى تسلم مقاليد الحكم في البلاد أو المشاركة فيه، لا بصيغة هيئة أو فرد. ولم تتمكن قوى الثورة المصرية التي جمعها الميدان من الالتئام من بعده في هيئة واحدة لها برنامج محدد. كما لم يسعف الوقت القصير نسبيا في الميدان الشباب الثوري تأسيس نفسه في هيئة تتمتع بشرعية تمثيل الثورة حصريا. علاوة على ذلك، لم تساعد تجربة الشباب السياسية القصيرة والولاءات الحزبية لعدد كبير منهم في بلورة جسم موحد قادر على وضع أجندات المرحلة التالية في صورة حزب الثورة، أو قيادة موحدة للثورة على الأقل"[10].

 

وكان البيان رقم 5 من بيانات المجلس العسكري يفسر معالم المرحلة القادمة من تاريخ مصر ما بعد "ثورة 25 كانون الثاني/يناير"، حيث جاء في البيان قرارات من قبيل: تعطيل العمل بالدستور، تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد بصفة مؤقتة ستة شهور أو لحين انتهاء انتخابات مجلس الشعب والشورى، تولي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة تمثيل المجلس امام الجهات كلها داخليا وخارجيا، حل مجلسي الشعب والشورى، إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة حقه في التشريع من خلال إصدار المراسيم القانونية، وتأليف لجان لتعديل الدستور بغية الاستفتاء عليه واستمرار عمل حكومة أحمد شفيق. ولم يلغ الجيش قانون الطوارئ المعمول به منذ عام 1981، ولا عمل على إيقاف محاكمة المدنيين في المحاكم العسكرية، ولم يسع إلى تفكيك أجهزة الأمن القائمة على القمع. لكن الجيش وافق على حل الحزب الوطني الحاكم، وهو حزب مترهل يضم شبكات من رجال الأعمال المنخرطين مع مسؤولي النظام ضمن الحلقة الضيقة في عمليات الفساد والتربح. وتم التصويت على التعديلات الدستورية التي اقترحها المجلس العسكري، حيث تم تحديد فترة الرئاسة لمدتين، في كل مدة أربعة سنوات، وتعيين الرئيس لنائب واحد على الأقل، والإشراف القضائي على الانتخابات، ووضع لجنة لسن دستور جديدة، وشرح آليات الانتخابات والترشح.

وعن موقف جماعة الإخوان المسلمين من سياسة المجلس العسكري، وبشكل خاص الاستفتاء على التعديلات الدستورية، يقول المؤلف: "في مقابل حماسة جماعة الإخوان الواضحة للتعديلات وللمضي قدما بإجراء انتخابات مجلس الشعب، برزت مخاوف عبّر عنها أكثر من تيار سياسي، ولا سيما ثوار 25 يناير، من أن الإخوان هم من سيقطفون ثمار الثورة بالسيطرة على الهيئة التشريعية، أو تقاسمها مع (فلول) الحزب الوطني إن جرت الانتخابات البرلمانية وفق الجدول الزمني الذي أقرته القوات المسلحة (في الأرجح حزيران/ يونيو 2012 م). وعلى الرغم من سعي الإخوان إلى تبديد مخاوف الآخرين بتأكيدهم أن مبدأهم سيكون "مشاركة لا مغالبة"، وأن الجماعة تعهدت بألا ترشح أفرادها إلى أكثر من ثلث المقاعد (من أصل 510، وتراجعت لاحقا عن هذا التعهد)، وأنها لن ترشح أحدا في الانتخابات الرئاسية (تراجعت عن هذا التعهد أيضا)، بل أعلن عضو مكتب الإرشاد عصام العريان استعداد الجماعة خوض الانتخابات "بقائمة وطنية موحدة"، يشارك فيها شباب الثورة ومن يرغب من القوى السياسية"[11].

لقد كانت المؤسسة العسكرية مستعدة لعمل كل شيء للحفاظ على دورها المركزي منذ ثورة تموز/يوليو 1952، والتي كان الضباط في ظلها قد "حافظوا على تعييناتهم في الإدارات العامة والمحلية (40% من المحافظين في ظل مبارك جاءوا من خلفية عسكرية)، وإن كانت أعدادهم في الحكومات المتعاقبة والسلك الدبلوماسي تراجعت نسبيا. ولكن المكتسب الأهم الذي غنمه الضباط المصريون اعتبارا من النصف الثاني من السبعينيات، هو فتح باب الاقتصاد الوطني أمام تدخلهم فيه، بحيث باتت حصة المؤسسات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية تشكّل اليوم 5 إلى 10% من مجمل الاقتصاد المصري. هذه نقطة أساسية لا ينبغي إغفالها عند التفكير بحسابات قادة القوات المسلحة المصرية، فالدخل السنوي للمؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش المصري هو عبارة عن مليارات من الدولارات، يمسك كبار الضباط حساباتها دون رقابة من أية جهات مدنية، باعتبار أن النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة يدخل في نطاق "الأمن القومي" المصري، كما يقول الضباط"[12].

وتحت ضغط الشارع، تم محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك وشخصات مؤثرة في النظام السابق بتهم عدة منها قتل المتظاهرين واستخدام العنف والفساد والتربح عبر استغلال مناصبهم.

وفي 30 نيسان/أبريل 2011، أسس الإخوان المسلمون حزب الحرية والعدالة ليكون ذراعهم السياسي الذي سيسيطرون من خلاله على الحكم في مصر، وقرروا المشاركة في الانتخابات التشريعية من أجل انتخاب أول مجلس شعب/برلمان بعد انهيار نظام حسني مبارك، وكانت العيون تترقبهم والدولة العميقة، الجيش والأمن والفعاليات السياسية والاقتصادية المرتبطة مع النظام السابق، تتجهز هي الأخرى للتعامل مع احتمال فوز الإخوان وقطفهم ثمرة "الثورة المصرية" التي أطاحت بنظام "مبارك" الراسخ.

ورغم الاتصالات مع بعض القوى السياسية، اليسارية والديمقراطية والقومية، بغية بناء تحالف سياسي، إلا أن الإخوان كانوا يثقون في قدرتهم على الفوز في الانتخابات وتشكيل الحكومة وحدهم، وبالتالي، السيطرة على مؤسسات البرلمان والرئاسة والحكومة معا، في الحين الذي كانت فيه القوى الأخرى تتعامل بحذر شديد مع الإخوان، ولا ترغب في التحول لجزء من مشروعهم، أو عامل يكسبهم الشرعية خلال مسيرة سيطرتهم على الحكم في مصر.

وفي الفترة ما بين 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 إلى كانون الأول/يناير 2012، جرت انتخابات مجلس الشعب، حيث فاز حزب "الحرية والعدالة" الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، كما كان الأمر متوقعا. وأفرزت النتائج النهائية لانتخابات "برلمان الثورة" المصري عن فوز الإسلاميين ب 70,04% من مقاعد مجلس الشعب المخصصة للمنتخبين، وفاز تحالف حزب الحرية والعدالة 228 مقعدا، وحزب النور 123 مقعدا، والوفد 42 مقعدا، والكتلة المصرية 33 مقعدا، والإصلاح والتنمية 10 مقاعد، وحزب الوسط 9 مقاعد، والثورة مستمرة 8 مقاعد، ومصر القومي 5 مقاعد، المواطن المصري 5 مقاعد، الحرية 4 مقاعد.

وبهذه التشكيلة، بدا واضحا بان الإخوان المسلمين بالدرجة الأولى، والسلفيين بالدرجة الثانية، أي (الإسلام السياسي) بشكل عام، هم من سيحكم مصر للفترة القادمة مع بعد "الثورة"، وأن الخارطة السياسية والتوازنات الداخلية والخارجية، بل ووجه مصر كليا، سيتغير في المستقبل، وأن القوى الأخرى لن تكون قادرة في المدى المنظور على تهديد إنجازات وسطوة الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع، وبدا الكل مذهولا أمام تغلغل الإخوان في بنية الدولة وسيطرتهم الممنهجة عليها بشكل هادئ وسلس.

واستفادت جماعة الإخوان المسلمين من عدة عوامل في إحراز النصر الكبير في انتخابات مجلس الشعب/البرلمان، وبدت وكأنها تتعامل، تكتيكيا، بمهارة واحتراف مع التغييرات الجديدة. وقد ساهمت الأمور التالية في فوز الإخوان بالأغلبية البرلمان في الانتخابات المشار إليها، "أولا: سياسة القرب والتي تؤشر عليها ارتفاع نسبة الفوز في نمط الاقتراع الفردي، المبني على علاقة الناخبين بالفرد، ورصيد علاقاته ومؤهلاته وخدماته الاجتماعية. ثانيا: الخدمات الاجتماعية التي تميز بها الإخوان في برامجهم والتي ضمنت لهم حضورا وازنا ومطردا في جميع الدوائر. ثالثا: الاشتغال على اعتدال الخطاب وبناء موقف معتدل يسند الثورة، وفي نفس الوقت يدعم الاستقرار، وهو ما لقي استجابة كبيرة من قبل الناخبين. رابعا: الصورة الإيجابية التي ظهر بها الإخوان بخصوص موقفهم من الأقباط ووقوفهم الصارم ضد افتعال الفتنة الطائفية للإجهاز على مكتسبات الثورة (نموذج ترشيح الأقباط على قوائمهم). خامسا: المظلومية السياسية التي تعرض لها الإخوان طيلة حكم مبارك الذي منعهم من حقهم في العمل السياسي ضمن إطار حزبي معترف به. سادسا: الاستفادة من تراجع القوى الليبرالية والحداثية واليسارية. سابعا: صعود الإسلاميين والمقترب التفسيري للسلوك الانتخابي"[13].

أسفرت الانتخابات الرئاسية عن فوز مرشح جماعة الإخوان محمد مرسي، حيث بدأ عهد جديد في مصر، ظهر معه صراع بين الرئيس الإخواني وبين المجلس العسكري ومؤسسة الجيش عموما، فأحدث "مرسي" بحكم صلاحياته تغييرات واسعة في المؤسسة العسكرية، مثل إحالة رئيس المجلس العسكري حسين طنطاوي ونائبه سامي عنان إلى التقاعد، وإجراء سلسلة من التغييرات داخل المؤسسة العسكرية، حيث استبدل ونقل وسرح العديد من الضباط. ويشير المؤلف إلى احتمال وجود تفاهم سابق بين "مرسي" ومؤسسة الرئاسة من جهة، وبين بعض الضباط المؤثرين ضمن المؤسسة العسكرية، ومنهم عبدالفتاح السيسي، من جهة أخرى، وكان "السيسي" هو من عينه "مرسي" وزيرا للدفاع.

رفضت الدولة العميقة قرارات "مرسي"، إلى جانب خروج حركات الشباب ضده متظاهرين، حيث اتهم الإخوان بمحاولة السيطرة على الحكم. ولجأ "مرسي" إلى سن إعلان دستوري حاول أن يوطد من خلاله صلاحيات رئيس الجمهورية ويحمي قراراته من الطعون من قبل النظام القضائي. وتوالت المظاهرات والمواجهات بين أنصار "مرسي" وبين المناوئين لحكمه، حيث أسفرت عن مقتل المئات، وفي "30 حزيران/يونيو 2013، انطلقت تظاهرات ضخمة بمشاركة ملايين المصريين، وعمت كثيرا من مدن مصر، مطالبة مرسي بالتخلي عن السلطة. خططت لهذه التظاهرات، وفق المعلن طبعا، حركة "تمرد" بالتحالف مع فصائل المعارضة المختلفة. ويمكن القول إن هذه التظاهرات كانت من المحطات القليلة التي توحدت فيها أجهزة الدولة مع المعارضة المصرية ضد جماعة الإخوان، على الرغم من أن أجهزة الدولة، ولا سيما القوات المسلحة والشرطة، ومعهم المؤسسات الدينية ممثلة بالأزهر والكنيسة، أعلنت ظاهريا حيادها في الأزمة السياسية القائمة. ووقعت صدامات بين المتظاهرين وأنصار مرسي، وأحرق بعض مقار جماعة الإخوان. وفي اليوم التالي، استمرت التظاهرات، وسقط عشرة قتلى أمام المقر الرئيس لمكتب الإرشاد في المقطم. وفي اليوم نفسه، استقال خمسة وزراء تضامنا مع مطالب المتظاهرين، وتركزت التظاهرات بشكل رئيس في ميدان التحرير وفي محيط قر الاتحادية، إضافة إلى عدد من الميادين الكبرى في عدد كبير من المدن المصرية"[14].

واجتمعت قيادة الجيش في 3 تموز/يوليو 2013 لتعلن عزل "مرسي" واعتقاله، وتعيين المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا، رئيسا للبلاد في المرحلة الانتقالية. رفض أنصار "مرسي" القرار، وتجمعوا في "ميدان رابعة" حيث جرت مواجهات كبيرة بينهم وبين قوات الأمن، قتل وجرح فيها المئات.

ويسمي الباحث ما حصل من انقلاب على محمد مرسي وحكم جماعة الإخوان المسلمين، بـ"الثورة المضادة"، والتي استخدمت مقدارا كبيرا من العنف لإزالة كل آثار المرحلة السابقة، والعودة بالبلاد إلى المنهجية القديمة في التعامل مع الجماهير ومنع حصول التحول الديمقراطي المنشود، حيث يقول: "إن الثورة المضادة أكثر عنفا وقمعا من النظام القديم التي تدافع عنه، حيث تستخدم أدوات الثورة في تحشيد الشارع وتعبئته، لكن يغلب عليها عنصر الكراهية والانتقام. وجرت الثورة المضادة في مصر بحشد جمهور ضد آخر، بأدوات تجييش الجماهير والتعبئة الشعبية التي أوجدتها الثورة، لكن في خدمة المعركة ضد أهداف الثورة ذاتها"[15].

 

ويستعرض الباحث بشكل مسهب المواقف الأميركية والأوروبية والعربية قبيل وبعد الإطاحة بـ"مرسي"، ويحلل بشكل دقيق خريطة التحالفات والتوازنات في المشهد المصري، موضحا وجود عوامل وفواعل سياسية كثيرة ومعقدة في المشهد المصري، أدت إلى تفضيل الحكم المدني والاستقرار وضبط الأمن والمظاهر الاعتيادية التقليدية للسياسة المصرية في الداخل والخارج، على حكم رئيس ضعيف ينتمي لجماعة دينية لها أجندات خاصة ذات بعد إقليمي، ولا إجماع وطني كبير حوله.

لقد أسفر الانقلاب على جماعة الإخوان المسلمين عن تشتيت قيادات الجماعة وضرب كل نقاط قوتها، واعتقال المئات والحكم عليهم بالإعدام والسجن، وإعلانها جماعة "إرهابية"، ليظهر الهدف واضحا، وهو إنهاء وجود هذه الجماعة وشطبها من المشهد المصري بشكل كامل. ورغم القمع الذي تعرضت له الجماعة على يد الأنظمة السابقة منذ تأسيسها عام 1928، والعنف الذي مارسته هذه الأنظمة، للحيلولة دون نجاح الجماعة في الوصول إلى السلطة وتطبيق الشريعة، إلا أن التصعيد لم يصل إلى مثل هذا المستوى في اجتثاث الجماعة وقمع كل مظاهرها، ومن ثم إعلانها جماعة "إرهابية" لثني الجماهير من التعاطف معها أو الذهاب في تأييدها.

----

*باحث في الإسلام السياسي. من فريق المركز الكردي للدراسات.

----

المصــــــــــــــــــــــــــــــادر:

[1] ـ عزمي بشارة: ثورة مصر: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة، قطر. الجزء الأول. الطبعة الأولى 2016 م.

[2] ـ عزمي بشارة: ثورة مصر: من الثورة إلى الانقلاب. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة، قطر. الجزء الثاني. الطبعة الأولى 2016 م.

[3] ـ عزمي بشارة: ثورة مصر: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير. مصدر سبق الإشارة إليه. ص 21.

[4] ـ نفس المصدر السابق. ص 68.

[5] ـ نفس المصدر. ص 97.

[6] ـ نفس المصدر. ص 106.

[7] ـ وائل غنيم: الثورة 2.0: إذا الشعب يوما أراد الحياة. دار الشروق للطباعة والنشر. القاهرة، مصر. الطبعة الأولى 2012 م. ص 162.

[8] ـ عزمي بشارة: ثورة مصر: من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير. مصدر سبق الإشارة إليه. ص 530.

[9] ـ عزمي بشارة: ثورة مصر: من الثورة إلى الانقلاب. مصدر سبق الإشارة إليه. ص 17 و18.

[10] ـ نفس المصدر السابق. ص 35 و36.

[11] ـ المصدر السابق. ص 131 و132.

[12] ـ هشام بو ناصيف: عودة إلى صهوة الجواد:  النخبة العسكرية وحسابات السلطة في مصر. مركز (الجزيرة) للدراسات. الدوحة، قطر. تشرين الثاني/نوفمبر 2013.

[13] ـ بلال التليدي: الإسلاميون والربيع العربي. مركز نماء للبحوث والدراسات. بيروت، لبنان. الطبعة الأولى 2012 م. ص 186.

[14] ـ عزمي بشارة: ثورة مصر: من الثورة إلى الانقلاب. مصدر سبق الإشارة إليه. ص 366.

[15] ـ نفس المصدر. ص 391.

أحدث الدراسات