"فورين بوليسي": "أردوغان" سيندم لإلغاء نتائج إسطنبول.. والقرار دليل "ضعفه"

السبت 11-05-2019 | PM 01:09 الانتخابات التركية - صورة أرشيفية

هنري ج. باركي | فورين بوليسي

في 31 مارس/آذار، ألغى المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا نتائج الانتخابات البلدية في إسطنبول التي هزمت فيها المعارضة حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لم يكن القرار مفاجئا. على مدار أكثر من شهر، ظل حزب "العدالة والتنمية" وكذلك الصحافة التركية التي يسيطر عليها "أردوغان" بالكامل تقريبًا، يضعون الأساس لهكذا رد فعل من خلال الادعاء بحدوث مخالفات وادعاء جميع أنواع الانتهاكات من قِبل منظمى الاقتراع. وليست هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها حزب "العدالة والتنمية" إلى التحايل على النتائج الانتخابية التي يريدها. في استفتاء عام 2017 الدستوري، الذي استبدل النظام البرلماني بالنظام الرئاسي الحالي، تمكن "أردوغان" من عكس هزيمته في صناديق الاقتراع من خلال حشو الأصوات في اللحظة الأخيرة، وغيرها من وسائل الغش.

ولكن هناك شيء مختلف حول هذا التدخل. على عكس عام 2017، استغرق الأمر أكثر من شهر من الضغط العلني المكثف من "أردوغان" حتى يتمكن المجلس الانتخابي من إسقاط انتخابات شرعية تمامًا، فقد كانت عملية يراها الجميع، مؤيدي حزب العدالة والتنمية ومعارضوه على حد سواء.

الفرق الآخر هو أن الفائز الشرعي في إسطنبول أكرم إمام أوغلو، هو مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، وهو وافد جديد نسبياً أدار سباقًا مثاليًا تقريبًا. ركز على القضايا المحلية ولم يشارك في مباريات مبارزة علنية مع "أردوغان" وأتباعه، الذين ادعوا أن هذه الانتخابات كانت في الواقع تتعلق بالقضايا الوطنية والقومية والمؤامرات الأجنبية والإرهاب وسوريا، ومجموعة من القضايا التي لا علاقة لها بمثل هذه الانتخابات المحلية، التي ترتكز على اهتمامات مثل المياه والنقل وسوء الخدمات. في الواقع، في الأسابيع القليلة التي أعقبت الانتخابات التي سُمح له بتولي منصب رئيس البلدية، فتح "إمام أوغلو" مناقشات الهيئة التشريعية في "إسطنبول" أمام الجمهور وحاول معالجة هذه المواضيع تحديدا.

من خلال إلغاء النتائج، يضاعف "أردوغان" الخطأ الاستراتيجي المتمثل في إقحام نفسه في الانتخابات المحلية في المقام الأول. لقد قام في الأساس بتحويل الانتخابات إلى تصويت بالثقة على قيادته. لقد غمرت شوارع البلاد بصور "أردوغان"، وتم بث جميع خطبه تقريبًا -التي انغمس فيها في الخطاب الاستقطابي المتعمد الذي يضع "نحن" ضد الخونة- على الهواء مباشرة، حتى مع تجاهل وسائل الإعلام الوطنية لخطابات وتجمعات المعارضة. وهكذا، أصبحت النتائج كارثة شخصية لـ"أردوغان"، حيث فقد حزبه بعض أهم البلديات، بما في ذلك أنقرة وأضنة ومرسين وإزمير.

وبسبب الخطأ الأول، فإن خطأ "أردوغان" يتضاعف، ويجعله يخاطر برد فعل عنيف هائل من الناخبين الذين سيعتبرون هذا التحرك غير عادل، وقد يقدم له هزيمة مذلة أخرى على الرغم من حقيقة أنه هو وحزبه سوف يحشدون من أجل الغش ويحاولون بفعالية ضمان النجاح كما حدث في 2017. سيكون انتصارا باهظ الثمن؛ فسوف ينظر إليه قطاع كبير من السكان على أنه نتيجة غير مشروعة وملوثة. وسيكون أيضًا قد قام بترسيخ خصم جديد قوي وله شعبية، هو "إمام أوغلو"، الذي استحوذ بالفعل على عقول أعداد كبيرة من المواطنين. ومن المرجح أن يستثمر "إمام أوغلو" وضعه كضحية في تعزيز القيادة الوطنية لحزبه.

لماذا إذا يأخذ "أردوغان" مثل هذه المخاطر على عاتقه؟ هناك ثلاثة تفسيرات مختلفة لذلك. أولاً، إسطنبول ليست المدينة الأكبر فحسب، بل هي العاصمة الاقتصادية والثقافية للبلاد. وعلى هذا النحو، كانت بمثابة البقرة النقدية لحزب العدالة والتنمية. وبحسب ما ورد، فقد استخدمت ميزانية البلدية لتمويل المشروعات الموالية لـ"أردوغان"، بما في ذلك المساعي المشكوك فيها لأفراد أسرته. وبحسب ما ورد أيضا، فقد تم تحويل مشاريع كبيرة بمليارات الدولارات، غالبًا في عقود مباشرة بدون مناقصات، إلى المقربين من رجال الأعمال في "أردوغان". وفي أثناء ذلك، قام الرئيس التركي بإعادة تشكيل وتوطين القطاع الخاص في تركيا. وبالتالي، فإن خسارة "إسطنبول" من شأنها إفقار حزب العدالة والتنمية بشدة.

ثانياً، إسطنبول هي قاعدة "أردوغان" الرئيسية؛ وقد بدأ مسيرته المهنية كسياسي وطني عندما تم انتخابه لأول مرة عمدة لها في عام 1994. وبخلاف رمزية فقدان مسقط رأسه بعد أن استثمر الكثير في الاحتفاظ بها، فإنه يدرك أن عمدة المعارضة الناجح، وخاصةً شخص بذكاء "إمام أوغلو" المدهش ومهاراته، يمكن أن يأتي عليه يوم ليمثل تحديا له.

ثالثًا، يدرك "أردوغان" أنه بعد ما يقرب من عقدين من الحكم ربما يكون الجمهور التركي متعبًا منه. على الرغم من أنه انتقد خلال الحملة ضد الأجانب -أي الولايات المتحدة والغرب- بسبب الحالة المتدهورة للاقتصاد التركي، فإن الكثير من الناخبين لا يزالون يؤيدونه. ويخشى "أردوغان" أيضا من أن فقدان "إسطنبول"، سيشكل مزيدًا من التصدعات في حصنه ويعطي تصورًا بأن سلطاته تتناقص. وقد يفسر بعض الأتراك الخسارة بأنها بداية النهاية بالنسبة له. في عام 2017، ذكر "أردوغان" أنه "إذا خسرنا إسطنبول، فإننا نفقد تركيا".

من بين كل هذه القضايا، هناك حقيقة مؤكدة هي أن "أردوغان" حوّل تركيا إلى نظام استبدادي من شخص واحد تخضع فيه جميع المؤسسات لسيطرته. وتستجيب مؤسسات الدولة فقط لأهواءه؛ والأسوأ من ذلك، أنه هدم استقلال القضاء وسيادة القانون. يوجد الآن نظامان متوازيان للعدالة: واحد لأصدقاء "أردوغان" وأنصاره، والآخر للجميع. وبالتالي، فإن أي شخص يكره "أردوغان" ينتهي به المطاف في السجن بتهم ملفقة؛ ومن بينهم العديد من المثقفين، وباتت تركيا تتميز بأنها أكبر سجَّان في العالم، حيث يمكن أن تؤدي تغريدة واحدة، بصاحبها في نهاية المطاق إلى السجن.

في العقد الأول من حكمه، كان "أردوغان" محاطًا من قبل المؤسسين الآخرين للحزب، لكنه أطاح بهم بشكل منهجي. بدلا من ذلك، فقد أحاط نفسه بالموالين له الذين لا يجرؤون على تحديه. وبالتالي، فقد خدمات الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا بمثابة جرس إنذار. اختفت الفطنة السياسية التي أظهرها بين عامي 2002 و2010 تقريباً تماما، وقد أصبح مستبدًا آخر لكنه مستبد مسؤول عن دولة مهمة وربما غير مستقرة، في التحالف مع الغرب.

سيندم "أردوغان" أشد الندم لقراره بإلغاء انتخابات "إسطنبول"، لأنه في المقام الأول يدل على أنه يفقد السلطة ويخاف مما سيحدث. إنه مرعوب من أي تعبئة محتملة للمجتمع المدني. يقوده جنون العظمة إلى رؤية المؤامرات في كل مكان وتطهير البيروقراطية والعسكرية والمجتمع بشكل متواصل من الأعداء الذين يتخيلهم.

ستكون النتيجة غير المقصودة لانتخابات "إسطنبول"، هي التطور البطيء والمطرد لأشكال جديدة من معارضة النظام. كان يُنظر إلى النظام الانتخابي التركي دائمًا على أنه أحد المؤسسات القليلة في البلاد التي تتمتع بالمصداقية؛ ولم تخاطر الحكومات السابقة -سواء كانت جزئية أو ديمقراطية بالكامل- مطلقًا بمثل هذا التدخل المباشر في نتائج الانتخابات. وقد كان هذا لسبب وجيه: إذا فقد الناس ثقتهم في الانتخابات، فسوف يلجئون إلى أشكال بديلة من المعارضة. إن النظام، خاصةً النظام الذي لا يزال منخرطا في المؤسسات الغربية، والذي لا يوفر أي سبل للمعارضة الحقيقية وسط تدهور الظروف الاقتصادية، سيدفع في النهاية إلى انتفاضة. عندما يصل الربيع التركي، لن يتحمل "أردوغان" سوى اللوم.

----

هنري ج. باركي: أستاذ العلاقات الدولية بجامعة "ليهاي" وكبير زملاء دراسات الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات