تشكيل النظام السياسي في الشرق الأوسط: الأزمة والفرص

الخميس 09-05-2019 | PM 01:15 الأمم المتحدة - صورة أرشيفية

رانج علاء الدين | مؤسسة الدراسات الأوروبية

مُلَخَّص

شهدت منطقة الشرق الأوسط تحوَّلاً جذرياً منذ الانتفاضات العربية في العام 2011. وكانت الدول العربية نتيجة لذلك إما قد تمَّ إضعافها بشدّة أو انهارت، وأصبحت الحدود الإقليمية هشّة ولم تعُد منيعة وسط هذا الصِّراع المدمِّر العابر للحدود والبعيد المدى. وقد عادت الجَّهات الفاعلة الإقليمية، التي زادت قدراتها العسكرية منذ بدء الحرب على "داعش"، إلى المنافسات والمواجهات الجيوسياسية القديمة. عطّلت روسيا المستيقظة والفاعِلة في خضم هذه المسابقة الإقليمية، ما كان سابقاً بمثابة هيكل أمني إقليمي فرضته وشكّلته الولايات المتحدة. تأتي عودة روسيا في الشرق الأوسط أيضاً مع وجود الصّين التي تزداد تصميماً. لقد تجلّت طموحاتها العالمية لتحدّي النظام الدولي الغربي من خلال طريقها الذي حققته بكين في بلدان الشرق الأوسط الفقيرة بالنّقد من خلال حزم الاستثمار وإعادة الإعمار، في نطاق رؤية "حزام واحد وطريق واحد". تحلّل هذه الورقة التحالفات والصِّراعات المتعدِّدة التي تقوم عليها التحدّيات السياسية والأمنية في المنطقة، وتبحث في كيف قدَّمت هذه الهياكل الفرص للسلطات البديلة على أرض الواقع، وعلى المستوى الدولي أيضاً. وتوضِّح كيف سمحت التفاعلات التجارية للصّين مع الشرق الأوسط بتبنّي إستراتيجية شاملة للمنطقة، والتي قوَّضت التأثير الغربي. تجادل هذه الورقة بذلك لأن بكين لا تزال قوة غير مُختبَرَة في منطقة لديها حاجة ملِّحة لتدفقات رؤوس الأموال الصِّينية، ولكنها لم تدرِك بعد بشكل كامل الآثار المترتبة على إقامة علاقة تبعية مع الصين. وفي حين أن الغرب لديه إرث من الصراع في المنطقة وفي دعم المستبدِّين، إلا أن الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون قد استثمروا أيضاً مليارات الدولارات في تعزيز الحكم الرشيد والمجتمع المدني.

مُقدِّمة

شهد الشرق الأوسط تحولاً جذرياً منذ الانتفاضات العربية عام 2011. وأصبحت دول ما بعد الانتفاضات العربية في حالات متعدِّدة، أضعف أو انهارت، وأصبحت الحدود الإقليمية هشّة ولم تعد منيعة وسط نزاعات مدمِّرة وبعيدة المدى. وأصبحت الحرب بالوكالة هي القاعدة، ممَّا أدى إلى تفاقم الأزمات الإنسانية في وتناقص آليات المساءلة التي يمكن أن تقيِّد مساحة النزاع وانتهاكات حقوق الإنسان. وعمِلت الجهات الفاعلة الإقليمية على تعزيز قدرتها العسكرية منذ الحرب على الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) التي بدأت في عام 2014 وعادت الخصومات الجيوسياسية القديمة والمواجهات بين الدّول، كما يتّضح من التوترات المستمرّة بين المملكة العربية السعودية وإيران وداخل دول مجلس التعاون الخليجي (GCC). علاوة على ذلك، فقد ظهرت طبقات إضافية من التوترات والنزاعات، كما أظهرَت التوترات التركية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي أتاحت بدورها تحالف جيوإستراتيجي حاسم بين تركيا وقطر، منذ اندلاع الأزمة بين دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2017. يمكن لهذه التنافسات والتوترات أن تؤدّي إلى حرائق جديدة وسط مسابقة مستمرّة لتشكيل مستقبل النظام الإقليمي. لقد صعَّدَ نهج المملكة العربية السعودية الذي يزداد حزماً وعدائية تجاه إيران، إلى جانب عدوانية إيران ومكاسبها الإستراتيجية في جميع أنحاء المنطقة، المعركة من أجل مستقبل الشرق الأوسط والنظام الإقليمي النّاشئ على أنقاض الصِّراع في العراق وسوريا. وفي حين أصبحت إيران قوة مهيمنة ولكن لا تزال ضعيفة في العراق وسوريا، فقد ضاعفَ منافسيها العرب من جهودهم لاحتواء صعودها، لا سيِّما في اليمن، وأيضاً من خلال تعزيز علاقتها مع الولايات المتحدة وتوسيع القنوات الدبلوماسية مع إسرائيل. لقد عطّلت روسيا المستيقظة والفاعِلة في خضم هذه المسابقة الإقليمية، ما كان سابقاً هيكل أمني إقليمي فرضته وشكّلته الولايات المتحدة. يأتي ظهور روسيا المتجدِّد في الشرق الأوسط إلى جانب الصّين المتزايدة الحزم. لقد تجسَّدت طموحاتها العالمية لتحدّي النظام الدَّولي الذي يقوده الغرب، عبر غزو بكين لبلدان الشرق الأوسط التي تعاني من فقر نقدي، وذلك من خلال حِزَم الاستثمار وإعادة البناء ضمن نطاق رؤية الصّين "حزام واحد وطريق واحد". تبحث هذه الورقة إلى أي مدى كان الشرق الأوسط وما زال يتشكَّل من خلال التنافُس بين القوى العظمى، بالاعتماد على التفوُّق التاريخي للولايات المتحدة في ما كان يُعتبَر تقليدياً فناءاً خلفياً للولايات المتحدة (أو الغرب) أو منطقة للولايات المتحدة ساحقة التفوق، لتقييم مدى تحدّي روسيا والصِّين لهذا التفوُّق. وتحلّل هذه الورقة التحالفات والصِّراعات المتعدِّدة التي تقوم عليها التحدّيات السياسية والأمنية في المنطقة، وتبحث في كيف قدَّمت هذه الهياكل الفرص للسُّلطات البديلة على أرض الواقع وأيضاً على المستوى الدولي.

1. صعود وهبوط النّفوذ الأمريكي

وجدت الولايات المتحدة نفسها في نهاية الحرب العالمية الثانية في وضع تفوُّق اقتصادي، حيث تمثل 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، كما يمثل إنتاجها من النفط والصلب 70 و 64 في المائة من الإجمالي العالمي على التوالي.[1] وتجاوزت القدرة العسكرية الأمريكية في ذلك الوقت قدرة القوى الحليفة الأخرى، وكذلك الاتحاد السوفييتي. وبشّرت بنظام دولي وبتقدم اقتصادي وتكنولوجي وعسكري على شكل الولايات المتحدة. لم تكن الولايات المتحدة قوة بلا منازع في الشرق الأوسط، كانت تنافسها، كما كانت هي من قبل، القوى الاستعمارية مثل البريطانيين والفرنسيين. ومع ذلك، وكما كان صحيحاً أيضاً بالنسبة لهذه القوى، فقد تمَّ التأكيد على نفوذ الولايات المتحدة والتفاعل مع المنطقة بضرورة ضمان التدفّق الحر للموارد الطبيعية وحماية الحلفاء، للحفاظ على الطاقة، حتى استخدام القوة عند الضرورة. وشمل ذلك التدخل بعد الانقلابات العسكرية في الخمسينيات في سياق ظهور جمال عبد الناصر الكاريزمي المعادي للغرب، والذي هدَّد بتأثير الدومينو على مستوى المنطقة. في عام 1958، سقطت الملكية العراقية المنحازة إلى الغرب، ممَّا أدّى إلى نشر القوات الأمريكية في بيروت لدعم حكومة الزعيم المسيحي كميل شمعون، بينما أرسل البريطانيون مظليين لدعم الملك حسين في الأردن. كان العراق، تحت الحكم الملكي، الدولة العربية الوحيدة التي انضمت إلى حلف بغداد، والذي يهدف إلى تأسيس ما يعادل حلف شمال الأطلسي في المنطقة، لاحتواء النفوذ السوفييتي وسط سقوط الملكيات المُمَكّنة من الغرب وصعود الفصائل والحركات الاشتراكية العربية. وشملت التدخلات الأخرى الدعم الأنجلو أمريكي للانقلاب الذي وقع عام 1953 في إيران والذي أطاح بحكومة محمد مصدق المنتخب ديمقراطياً (الذي أمّمَ صناعة النفط الإيرانية) وأعاد رضا شاه بهلوي الموالي للولايات المتحدة إلى السلطة. تمَّ خلال الجزء الأكبر من القرن العشرين، تأمين المصالح الأمريكية في المنطقة من خلال ما يسمى باستراتيجية "الأعمدة المزدوجة" حيث تمَّ تمكين إيران والمملكة العربية السعودية وتمَّ تحديدهما كركائز للأمن الإقليمي والمستفيدين من المعدَّات العسكرية الأمريكية - وهي استراتيجية تمَّ تعزيزها من الزيادة السريعة في عائدات النفط التي تلت طفرة النفط خلال عقد السّبعينات. وفّرت الجهود التي تقودها الولايات المتحدة للتوفيق بين إسرائيل وجيرانها العرب بعد الحرب العربية الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 1973 (حرب يوم الغفران)، الأساس لما أشار إليه بروس ريدل بأنه "Pax Americana"=(السلام الأميركي أو السلم الأميركي، وهو مصطلح يُقصَد به فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بسبب من طغيان النفوذ الأميركي فيها.)، والذي تركّز حول محاولات واشنطن لسحب مصر بعيداً عن النفوذ السوفييتي.[2] بشّرت حرب الخليج الأولى وانهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991 في وقت لاحق، بظهور التوسُّعية العسكرية الأمريكية في المنطقة، الأمر الذي عزَّز الوجود الأمريكي الذي بدأ في الثمانينات بعد ثورة 1979 في إيران والغزو السوفييتي لأفغانستان، والتي شهدت انتشار عشرات الآلاف من القوات الأمريكية في الخليج.[3]

تشمل التحدّيات الحديثة منذ غزو العراق في عام 2003، الصِّراع داخل الدول، والحرب غير المتماثلة والتطرُّف العنيف في الشرق الأوسط، والتي تغلبت إلى حد كبير على خطر الصِّراع بين الدول واحتمال حرب الإيديولوجيات والتفوُّق بين الولايات المتحدة وروسيا. إن عدم الاستقرار الذي تشكله هذه التهديدات له آثار غير مباشرة على الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا. فعلى سبيل المثال، أدَّت الحرب الأهلية المُعقدة وصعود "داعش" في سوريا إلى موجات هائلة من اللاجئين إلى أوروبا، الأمر الذي أدّى إلى تفاقم القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية المحليّة التي تواجه الدول الأوروبية. حافظت هذه التهديدات على انتشار القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة، حتى لو كان هناك قدَر كبير من القلق تجاه التدخل الأمريكي، وذلك  نتيجة النفور الشّعبي المحلّي من المشاركة العسكرية الرئيسية في الشرق الأوسط بعد حرب العراق عام 2003. نفَّذت الولايات المتحدة حتى في ظل الرئيس الأمريكي السَّابق باراك أوباما الذي كان يكره النـزاع، ضربات بطائرات بدون طيار في العام الأول للرئيس آنذاك أكثر من ضربات الرئيس السابق جورج دبليو بوش التي نفَّذها خلال فترة رئاسته بأكملها، التي بلغ عددها الإجمالي 563 ضربة.[4] لدى الولايات المتحدة الآن ما يقرب من 50 ألف جندي في الشرق الأوسط، بما في ذلك القوات في دول الخليج العربي الرئيسية، والعراق وسوريا والأردن وتركيا ومصر، بالإضافة إلى بنية تحتية كبيرة من الطائرات المقاتلة المتطوِّرة والمتفوّقة تكنولوجياً، وطائرات المراقبة وطائرات بدون طيار.[5]

2. انهيار النظام القديم

اتّخذ مستقبل الدولة العربية في الشرق الأوسط منذ الانتفاضات العربية عام 2011، والحرب الأهلية السورية وظهور داعش منعطفاً غير مؤكَّد. لقد خلخلت هذه الأزمة نظام الدَّولة العربية وتمَّ اختباره، كما لم يحدُث من قبل في تاريخها الحديث. وتراجعت العلاقة بين المواطن والدولة مع تراجع المؤسَّسات أو انهيارها في الفترة التي سبقت الاضطرابات السياسية والصّراعات وأئناؤها، ممّا أدى إلى ظهور جهات فاعلة قوية تابعة للدول الجارة والتي استفادت من المظالم الاجتماعية والاقتصادية وانهيار الأمن وانهيار النّظم السِّياسية والمؤسَّسية.

حوَّلَ تدهور الدولة العربية السلطة بعيداً عن أولئك الذين كانوا يمارسونها تقليدياً، أي النخب السياسية والعسكرية التي قمَعت تاريخياً التحدّيات التي تواجه الدولة من المنشقين وجماعات المتمرِّدين، باستخدام كل أنواع الاضطهاد والإكراه. وهكذا نشأت جهات فاعلة مسلّحة من غير الدول، مكّنتها وتمكّنها في بعض الأحيان نفس الجهات الفاعلة في الدولة، وكان هذا الظّهور عامل مهم للسُّلطات و أدّى منذ ذلك الحين إلى تفاقم واستغلال الانقسامات العرقية والطائفية لإحداث صراعات بعيدة المدى ودموية وعابرة للحدود الوطنية، والتي دمّرت بدورها نسيج المجتمعات في جميع أنحاء المنطقة.

أعلن تنظيم "داعش" في عام 2014، نهاية نظام الدَّولة القومية الذي تمَّ إنشاؤه قبل قرن من إنهاء الإمبراطورية العثمانية من قبل القوى الاستعمارية، فرنسا وبريطانيا. واستمرّت دولة "داعش" لأكثر من ثلاث سنوات، على الرغم من الجهود المتواصلة التي بذلتها القوى العالمية وحلفاؤها لاحتوائها وهزيمتها، وجعلت الحدود المقدسة بين العراق وسوريا بلا معنى، تلك الحدود التي لم تتزعزع في السَّابق أبداً.

تمَّ بالتوازي مع تأسيس "داعش" وتمدُّدها، تأسيس ميليشيات الحشد الشّعبي الشّيعية في العراق. وقد قام مقاتلوه البالغ عددهم 100 ألف مقاتل بملء الفراغ الذي خلّفه انهيار الجيش العراقي الذي درَّبته الولايات المتحدة بعد استيلاء "داعش" على الموصل في حزيران/يونيو 2014. حلَّت الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول في كل من العراق وسوريا، وكذلك في بلدان أخرى مثل ليبيا واليمن، محل الدَّولة في توفير الخدمات والأمن، وذلك بالشراكة مع الجهات الفاعلة الأخرى مثل القبائل والمجتمع المدني ورجال الدين. كانت تلك الميليشيات غير النظامية في كل من هذه البلدان، هي التي شنَّت الهجوم، سواء كان ذلك في الحرب ضد "داعش" أو الصِّراع داخل تلك الدول بين الفصائل المختلفة، وأحياناً على أساس العرق أو الطائفة. ويشمل ذلك وحدات الحشد الشّعبي التي قاتلت على الخطوط الأمامية في الحرب ضد داعش في العراق، أو عشرات الآلاف من أفراد الميليشيات الذين حشدتهم إيران الذين قاتلوا إلى جانب نظام الأسد في مواجهة عشرات الآلاف من مقاتلي المتمرِّدين الذين سعوا إلى سقوط نظام الأسد، بدعم خارجي من دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا.

تمَّ تعريف هذه الجّهات الفاعلة تقليدياً بأنها غير تابعة للدّولة أو معادية لها، ومع ذلك، فقد  أصبحوا الدّولة. كان للجِّهات الفاعلة المحلية (الدّول)أهمية حاسمة في ضمان بقاء الهويات الوطنية ومرونة حدود دولتها. لقد انتقلوا من ممثلين على مستوى القاعدة يتمتعون بالدعم والشرعية على المستوى المحلي، إلى ممثلين يمكنهم تشكيل السياسة والسلطة بشكل حاسم على المستوى الوطني.

ما زال من غير الواضح شكل الدولة الذي سيظهر في البلدان التي مزّقتها الصِّراعات في العالم العربي. وسوف تتصارع الجهات الفاعلة المحلية والجّماعات المسلّحة المحلّية على السُّلطة والموارد وتقاسُم السُّلطة بعد الصراع. تهدُف الجَّماعات المسلّحة التي ستنتهي بالاندماج في الدَّولة إلى إعادة تكوين الدَّولة وفقاً لأيديولوجياتها ونظراتها العالمية. ونظراً لأنه لم تعُدْ هناك فجوات واضحة بين الجِّهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية، ولأن الدولة ستظل ضعيفة، فإن الجَّماعات المُسلّحة التي لا تنضم إلى مؤسَّسات الدَّولة ستواصِل تهديد موارد الدَّولة وهويتها وسيادتها.

تتكشف المنافسة على الدَّولة بشكل أساسي في التحوّل الجذري في المسارح العسكرية. حيثُ استعانت بميليشيات خارجية للأمن كوكلاء لها، وهم بالعادة غير قابلين للمساءلة القانونية، التي وإن وجِدت، تكون مقيدة بموجب قوانين وأعراف النظام الدولي.، ولم يكن هذا السّلوك معتاداً من قِبَل الدّولة في السَّابق.

توسَّعت منذ أن بدأت الحروب الأهلية المتعدِّدة في المنطقة لأول مرة، الشبكات العابرة للحدود الوطنية، كما توسَّعت المنافسات بين الدول وتوافر الجماعات المسلحة القادرة على البحث عن رُعاة مستعدّين لتقديم كافة أشكال الدّعم. ربما تكون الحرب الأهلية في سوريا بالنسبة لإيران وحلفائها لحظة فوز، ولحظة خسارة بالنسبة للعالم العربي والغرب، لكن هذا لا يعني نهاية المنافَسة. تعود الجهات الفاعلة الإقليمية، التي عزَّزت قدرتها العسكرية منذ الحرب على داعش قبل حوالي خمس سنوات، إلى التنافُسات الجيوسياسية القديمة، وقد تؤدّي المواجهات بين الدول إلى اندلاع حريق جديد.

1.2 هل هي لحظة روسيا؟

في خضم سياسات الصّراع التي نشأت مؤخراً، والحروب داخل الدولة وانهيار مؤسَّسات الدولة أو إضعافها، إلى جانب إضعاف أو هدم النظام الإقليمي ، مكَّنت هياكل الفرص قوى بديلة إما من المنافسة أو استبدال الولايات المتحدة كقوّة بارزة في المنطقة. تمَّ عكس مجرى الحرب منذ تدخل روسيا في عام 2015 (بمساعدة إيران) في سوريا لصالح نظام الرئيس بشار الأسد، وأكَّدت موسكو نفسها كبديل موثوق للولايات المتحدة من خلال مبيعات الأسلحة والصّفقات الاقتصادية ومن خلال المناورات الدبلوماسية. فعلى سبيل المثال، سافر العاهل السعودي الملك سلمان إلى موسكو في تشرين الأول/أكتوبر 2017، وهي أول زيارة يقوم بها ملك سعودي لموسكو، والتي أسفرت عن أكثر من 15 اتفاقية تعاون بقيمة مليارات الدولارات.[6] وبالمثل، ومع تزايُد النفوذ الروسي في سوريا والتزام الولايات المتحدة بمواصلة المسار في قلقلة الشمال الشرقي للبلاد، سعت إسرائيل إلى دعم روسيا للحَدْ من النفوذ الإيراني في البلاد.

لقد حاولت روسيا الإبقاء على امتدادها في المنطقة وربما توسيعه منذ سبعينيات القرن الماضي، لا سيّما بعد أن تمكَّنت الولايات المتحدة من إخراج مصر من النفوذ السوفييتي ووضعها في المعسكر الغربي. لكن خلال الـ 15 سنة الماضية فقط، أعاد الانتعاش الاقتصادي لروسيا وأعادت تنشيط السياسة الخارجية في منطقة كانت تُعتبر في السابق فناءً خلفيًا للولايات المتحدة، وتستغل الانفتاح الجيوسياسي والاقتصادي. تدخّلت روسيا بعد أن علّقت إدارة أوباما بعض مبيعات الأسلحة لمصر في عام 2014 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، لبيع الطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية.[7] وبالمثل، في كردستان العراق، وهي منطقة متحالِفة مع الولايات المتحدة منذ أمد بعيد، استفادت روسيا من الفراغ الذي نتج عن فك الارتباط الأمريكي مع العراق، وكذلك تراجُع العلاقات بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان، وخاصّة منذ رفضت الولايات المتحدة دعم حكومة إقليم كردستان التي شجَّعت استفتاء الاستقلال في أيلول/سبتمبر 2017 وفشلت في معارضة نشر بغداد قواتها العسكرية ضد قوات البيشمركة الكردية.[8]

استحوذت شركة Rosneft الروسية العملاقة للطاقة قبل أيام قليلة من استفتاء الاستقلال الكردي، على خطوط أنابيب تصدير النفط في كردستان إلى تركيا، مقابل 1,8 مليار دولار، على الرغم من اعتراضات بغداد.[9] عزَّزت الصّفقة بشكل فعَّال النفوذ السياسي لروسيا في العراق، إن لم يكن في المنطقة ككل.[10] وبالتالي، فإن ليبيا يمكنها أن تمكّن يد روسيا التفاوضية ضد الغرب، على الأقل لأن المواجهة وعدم الاستقرار في ليبيا قد يسمح لروسيا باستخدام الهجرة الجماعية من ليبيا كحجة ضد أوروبا.

بمعنى آخر، انتقل الشرق الأوسط في أقل من عقد من الزمن، من منطقة كانت فيها الولايات المتحدة مُهيمِنة بشكل كبير، إلى حالة تكون فيه روسيا في وضع يمكِّنُها من التنافس مع الولايات المتحدة. شهدت روسيا بالإضافة إلى الاعتراف بوضعها منذ اندلاع الصراع في سوريا، مكاسبها الجيوستراتيجية التي يقابلها حلول القوة الناعمة. على سبيل المثال، تمتلك محطة "روسيا اليوم" الناطقة بلسان الحكومة خدمة عربية تُعد واحدة من أكبر ثلاث شبكات في الشرق الأوسط، إلى جانب قناة العربية والجزيرة. ونمَت القناة منذ عام 2009، بمقدار 26 ضعف، حيث اجتذبت في المتوسط 6,3 مليون مستخدم شهرياً.

ويشاهد روسيا اليوم في المغرب ومصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق والأردن حوالي 6,7 مليون شخص، في حين أن جمهورها الإجمالي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والشتات العربي في أوروبا، وفقاً لمصادرها الخاصة، يصل لأكثر من 350 مليون مشاهد.[11]

بطبيعة الحال، لا تزال الولايات المتحدة تتمتّع ببراعة عسكرية لا تُضاهى، ويتم تضخيم وجودها دائماً من خلال بنيتها التحتية العسكرية الكبيرة والتي لا تُضاهى في المنطقة. ففي سوريا، على سبيل المثال، وعلى الرغم من وجود 2000 جندي فقط، مع وجود محدود في السماء، فقد سيطرت الولايات المتحدة على المناطق الشرقية وحمتها من منافسيها، بما في ذلك روسيا. لقد أدركت القوات المتحالفة مع النظام  ذلك في شباط/فبراير 2018، عندما هاجمت 500 من القوات الموالية للنظام - بما في ذلك المرتزقة الروس - القوات الأمريكية لكن الولايات المتحدة هاجمتهم بالطائرات الحربية، بما في ذلك طائرات Reaper بدون طيار وطائرات F-22 المقاتلة الشبح وطائرات مقاتلة من طراز F-15E والقاذفات B-52 والطائرات الحربية AC-130 وطائرات الهليكوبتر من طراز AH-64 Apache. وفي النهاية، قُتل ما بين 200 إلى 300 من المقاتلين المؤيدين للنظام.[12]

قد تتمتع الولايات المتحدة بالتفوُّق الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، لكن روسيا صمَّمت أوراق اعتمادها باعتبارها جهة فاعلة حاسمة تقف إلى جانب حلفائها وتقدم ما حدَّدته لتحقيقه. في حالة سوريا، ضمنت روسيا بقاء الأسد، بينما في العراق تجاهلت بوقاحة اعتراضات بغداد بشأن اتفاق خط الأنابيب مع حكومة إقليم كردستان. ولدى روسيا إستراتيجية عسكرية للمنطقة، لكنها تركِّز أساساً على البحر المتوسط وفقاً للمراقبين، الذين يعتبرون أيضاً ارتباطات موسكو في الشرق الأوسط أمراً مؤقتاً وانتهازياً.[13]

يوفر الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسوريا الدخول إلى المنطقة والوصول إلى البحر الأبيض المتوسط - إنها موطئ القدم الأكثر أهمية لموسكو في العالم العربي وأقرب حليف لها، ويعود تحالف موسكو مع دمشق إلى العهد السوفييتي عندما وقّع الرئيس حافظ الأسد سلسلة من المعاهدات الثنائية مع موسكو بعد تولّيه السلطة من خلال انقلاب عسكري عام 1970. تُعتبَر منشأة البحرية الروسية في طرطوس بمثابة موطئ قدم بحري لها في البحر الأبيض المتوسط وتمَّ توسيعها في عام 2017 في أعقاب اتفاق مع النظام السوري، والذي منحَ السُّفن الحربية الروسية أيضا الوصول إلى المياه السورية.[14]

2.2 رؤية الصّين المتنامية

تشارك الصّين الشرق الأوسط بتواجد تاريخي محدود ولا تملك الإرث الاستعماري مثل الغرب. دعمت بكين خلال سبعينيات القرن الماضي ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي اعتنقت الأيديولوجية الثورية الماوية وحصلت على دعم عسكري من بكين. شهدت هذه العلاقة قيام منظمة التحرير الفلسطينية بتأسيس سفارة في بكين عام 1974 واعتراف الصّين بدولة فلسطين المستقلة التي أعلنتها بنفسها عام 1988. ودعمت بكين في السنوات الأخيرة، الاقتراحات التي تدين الاحتلال الإسرائيلي، كما دعمت في عام 2012 محاولة فلسطين أن تصبح دولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة، كما ضغطت على إسرائيل لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة دون قيد أو شرط والتي تطالب بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية.[15]

ومع ذلك، فقد عزَّزت بكين أيضا علاقاتها مع إسرائيل، وهو ما تسبَّب في بعض القلق في الولايات المتحدة.[16] نمَت الاستثمارات الصّينية في إسرائيل بعد تبادُل البعثات الدبلوماسية في عام 1992 بشكل كبير، من 50 مليون دولار أمريكي في التسعينيات إلى 16،5 مليار دولار عام 2016.[17] وتدور العلاقات الاقتصادية بين الصّين وإسرائيل حول الابتكار التكنولوجي وسكة حديد "Red-Med"، وهي شبكة إقليمية من البنية التحتية البحرية والسكك الحديدية تهدف إلى ربط الصين بأوروبا عبر آسيا والشرق الأوسط. وستربط سكة الحديد أيضاً بين مينائي إيلات وأشدود الإسرائيليين.[18] كما فازت مجموعة ((Shanghai International Port Group (المملوكة بنسبة 44 في المائة للحكومة الصّينية) بمناقصة حكومية لعام 2015 لتشغيل ميناء جديد في حيفا لمدة 25 عاماً، على الرّغم من الاعتراضات الأمريكية والمخاوف بشأن تداعياتها الأمنية.[19]

ليس الاقتصاد والتجارة فقط هو الذي عزَّز العلاقة بين الشرق الأوسط والصين. حيثُ تشير استطلاعات الرأي العام إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة في المنطقة منذ الغزو العراقي للعراق عام 2003، بما في ذلك في البلدان المُنحَازة للولايات المتحدة مثل الأردن والسعودية ومصر والمغرب. فقد ذكرَ 78% من الذين تمّ استطلاع آرائهم بشأن سياسة الولايات المتحدة في استطلاع للرأي العام العربي في العام 2006، بأنها إما غير ملائمة إلى حدٍ ما أو غير ملائمة أبداً.[20] وعلى العكس من ذلك، فإن الاستطلاع نفسه يُظهر مشاعر إيجابية تجاه الصّين، التي احتلت المرتبة الثانية بعد فرنسا كدولة ستُستقبل كقوة عظمى في العالم.[21] وبالمثل فقد وافق 40 في المائة من المشاركين في استطلاع العام 2008، على أداء الصّين كزعيم عالمي مقارنة مع 17 في المائة الذين وافقوا على الولايات المتحدة.[22]

يَظهَر نجاح الصّين الاقتصادي وبروزه كبديل للولايات المتحدة في المنطقة بشكل متزايد في الخطاب الفكري العربي، إلى درجة اعتناقه في بعض الأوساط كبديل للنموذج الأمريكي لأن "تقاليدها التاريخية والاجتماعية تشبه الشرق الأوسط عن كثب."[23] لقد تضخَّمت قوة بكين الناعمة بسبب الروابط التعليمية والثقافية المتنامية. فعلى سبيل المثال يوجد 1500 طالب جامعي مصري يدرسون اللغة الصينية سنوياً، بينما يستضيف الأزهر 200 طالب من أصل صيني.[24] وتقدِّم الشركات الصّينية في المملكة العربية السعودية، مِنحاً للمواطنين السّعوديين للدراسة في الصّين.[25]

وفي الوقت الذي تدخّلت فيه الولايات المتحدة بشكل استباقي في المنطقة، عسكرياً وسياسياً، لدعم الحكومات الصّديقة، والترويج الانتقائي للإصلاحات الديمقراطية والمؤيدة للسّوق، ومواجهة التهديدات للمصالح الأمريكية، سعت بكين إلى تأمين علاقات ودّية "خالية من المصالِح" في جميع أنحاء العالم. وجدت الصّين فرصاً لتأكيد وجودها في منطقة لم تشكِّل أبداً قوة تقليدية. وشهد النّمو الاقتصادي الأسِّي في الصين أن مبيعاتها من المشاريع المُتعَاقد عليها على طول طريق الحرير الجديد قد تضاعفت تقريباً من 30 مليار دولار أمريكي إلى 57 مليار دولار بين عامي 2008 و 2014، ممَّا أثار مخاوف بشأن " التجارية الهجومية " ورؤية "الحزام العالمي."[26]

وقد أدَّى هذا النّمو إلى زيادة مشاركة الصِّين في المنطقة التي توفر مصدراً مهمّاً للطاقة. وتُعد الصّين حالياً من بين أكبر ثلاثة مستوردين من المملكة العربية السعودية والعراق وإيران.[27] إن الحاجة المُلحّة للطاقة التي تؤكد التزام الصّين مع المنطقة تبلوِر علاقاتها في تحالفات استراتيجية، بدلاً من علاقات المعاملات. بعد زيارة الدولة التي قام بها الملك سلمان إلى بكين في مارس 2017، تمَّ توقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية في قطاعات النفط والفضاء والطاقة المتجددة بقيمة إجمالية تصل ل 65 مليار دولار أمريكي. تتنافس الصين أيضاً مع الولايات المتحدة وروسيا في مصر، حيث أقامت منطقة تعاون جديدة في قناة السويس.[28] وفي سلطنة عمان، حوَّلت تدفقات رؤوس الأموال الصينية قرية للصيد غير المشروع إلى "المدينة الصناعية الصينية العمانية" التي تبلغ تكلفتها 10,7مليار دولار وتتضمن مصفاة لتكرير النفط قادرة على معالجة 235000 برميل يومياً.[29]

تُعَد إيران الشريك التجاري الأول للصّين في المنطقة، و تجاوزت التّبادُلات التجارية بينهما 37 مليار دولار أمريكي في عام 2017 وتزداد عمقاً منذ أن توقفت الولايات المتحدة من جانب واحد عن تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة، والاتفاقية النووية الإيرانية لعام 2015، وإعادة فرضها العقوبات على طهران. فعلى سبيل المثال، أنشأت شركة CITIC Group، ذراع الاستثمار المملوكة للدَّولة الصّينية، خط ائتمان بقيمة 10 مليارات دولار لإيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية، على الرُّغم من التهديد بفرض عقوبات جديدة ممّا يضع جميع الشركات الأجنبية تحت ضغط متزايد لتقليص وجودها في البلاد. ومع ذلك، قد يؤدّي ذلك إلى تعقيدات إذا تدهورت العلاقات بين إيران وإسرائيل وأدَّت إلى مواجهة عسكرية مباشرة. في الواقع، دفعت العلاقة المُتنامية بين بكين وطهران إسرائيل إلى البحث عن دعم الصّين لمحاولاتها للحَدّ من طموحات إيران النووية، بالإضافة إلى الدَّعم الصّيني للجهود الإسرائيلية لقمع وكلاء إيران الإقليميين مثل حزب الله في لبنان.

عسكرياً، أجرَت الصّين وإيران مناورات بحرية مشتركة على حدود مضيق هرمز. كانت بكين قد أرسلت في الماضي قوات بحرية لحماية طرُق التجارة وإجلاء المواطنين الذين وقعوا في صراع إقليمي، وعلى الأخص في ليبيا في عام 2011 واليمن في عام 2015 عندما قامت الصين بإجلاء 225 مواطناً أجنبياً وحوالي 600 مواطن صيني من ميناء عدن الجنوبي باليمن، وهي المرة الأولى التي يُنقَذ فيها الجيش الصّيني عملية إجلاء الرعايا الصينيين في منطقة الصِّراع.[30] إن استمرار الاستثمار في البنية التحتية للموانئ (مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، قناة السويس، حيفا)، وبالتالي نقاط التفتيش الاستراتيجية، يمكن أن ترى أن الصّين تسعى في نهاية المطاف إلى الوصول العسكري في المنطقة، كما حدث في جيبوتي، حيث أنشأت الصّين هناك قاعدة عسكرية.

استنتاج

لا يزال الشرق الأوسط يمثل مشهداً حاسِماً من الناحية الاستراتيجية في نظام عالمي مترابط بشكل متزايد. إنه يحتوي على أكثر من نصف احتياطي النفط في العالم، بالإضافة إلى غِناه بالغاز الطبيعي والمعادن. وفي حين أصبحت الولايات المتحدة مستقلة بموضوع الطاقة، لا يزال لديها مصلحة راسخة في حماية تدفقات الطاقة في منطقة ليست حيوية للاقتصاد العالمي فقط  ولكن أيضاً لحلفائها. إن أي تعطيل للاقتصاد الإقليمي أو محاولات خصوم الولايات المتحدة للسيطرة على المشهد الإقليمي للطاقة يمكن أن يكون له عواقب وخيمة على حلفاء واشنطن.

حققت كل من روسيا والصّين نجاحاً كبيراً فيما تمَّ تصويره تقليدياً على أنه فناء خلفي أمريكي (أو غربي). ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ ببنية تحتية عسكرية موسَّعة، وهذا ما يمنحها وجوداً واسعاً وتفوُّقاً تقنياً بحيث لا يستطيع خصومها منافستها في تلك المجالات. لقد عزَّزت كل من روسيا والصِّين أوراق اعتمادهما وسط فك الارتباط الأمريكي من المنطقة والاستياء الشعبي من النفقات الغربية التي فشلت في تحقيق أرباح. لكن روسيا والصّين لم يثبتا بعد أنهما بديلان موثوقان، على الرغم من تأكيدهما المتزايد. قد يكون ذلك بسبب البنية التحتية العسكرية الأمريكية المستمرة والموسَّعة في المنطقة، فضلاً عن هيمنة توقعات القوة الناعمة الغربية، ولكن قد يكون ذلك مجرد مسألة وقت. ومن ناحية أخرى كان للمنطقة تفاعلات اجتماعية وثقافية محدودة مع روسيا والصين، لكن المسار الحالي يشير إلى أن هذا قد يتغير في السنوات المُقبلة، وذلك على افتراض أن موسكو وبكين ما زالتا ملتزمتين بالاستثمار الجيواستراتيجي المُستمر.

في الواقع، يمكن أن تكون الجغرافيا السياسية تخريبية. وستظل قوة بقاء البلدين واضحة فقط عندما يتم اختبار الارتباطات الروسية والصينية عن طريق الصراع والسياسة المضطرِبة. إن التفاعلات التجارية البحتة مع الشرق الأوسط قد تُمكّن بكين وتتيح لها اعتماد إستراتيجية شاملة وشاملة للمنطقة، والتي تمكّنها من تعزيز العلاقات مع كل من إسرائيل وإيران على سبيل المثال دون التعرُّض لأي رد فعل. ومع ذلك، يمكن القول أن الصّين لا تزال قوة لم تُختبَر بعد في الشرق الأوسط لفترة طويلة بما يكفي لكي تعاني من الارتداد من منطقة لديها حاجة ملحّة لتدفقات رؤوس الأموال الصّينية والتي لم تصل بعد لفهم كامل الآثار المترتبة على إقامة علاقة التبعية مع بكين. في الواقع، قد تصبح الأزمة بين إسرائيل وإيران أول اختبار رئيسي للصّين باعتبارها لاعبة بارزة في الشرق الأوسط، لأن المواجهة المباشرة يمكن أن تقوِّض مصالحها وأهدافها الإقليمية. علاوة على ذلك، فإن معسكرات الاعتقال الصِّينية للمسلمين والترحيل القسري ل الأويغور (وهي تعنى الاتحاد والتضامن باللغة الاويغورية، وهم شعوب تركية ويشكلون واحدة من 56 عرقية في جمهورية الصين الشعبية، و يتركزون بشكل عام في منطقة تركستان الشرقية ذاتية الحكم على مساحة تعادل 1/6 مساحة الصين ويتواجدون في بعض مناطق جنوب وسط الصين، ويدينون بالإسلام)، يمكن أن يكون لها انعكاسات على علاقة بكين بالمنطقة وتقوض جهودها لتتناسب مع إسقاط القوة الناعمة لخصومها الغربيين.[31]

في حين أن الغرب لديه إرث من الصِّراع في المنطقة ودعم للمستبدّين، فإن الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، على العكس من ذلك، وللغرابة، استثمروا مليارات الدولارات من أجل الترويج لقواعد الحكم الرشيد والمجتمع المدني. وعلى الرغم من الاستياء من التدخل الغربي في المنطقة، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها قد أثبتوا أنفسهم كشركاء من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، كشركاء بالقيم الرائدة والمعايير الديمقراطية، ويعتبرون أنه قد حان الأوان لربط المنطقة معهم.

لا يمكن قول الشيء نفسه، وعلى الأرجح لن يتم ذكره، عن روسيا والصّين في السنوات المقبلة، والذي يمكن أن يُثبت أنهما يشكّلان عائقاً للبلدين إذا كانت القواعد الشعبية تتطلب الإصلاح و أصبحت القيم الديمقراطية (الغربية) مرّة أخرى قوى تعبئة قوية كما كانت في العام 2011.

ومع ذلك، فمن المُرّجَّح أن تكمِّل روسيا والصين جهود بعضهما البعض لتعزيز وجودهما في المنطقة. يمكن القول إن روسيا قد أثبتت نفسها، في الوقت الحالي، باعتبارها الوسيط الرئيسي في المنطقة، في حين أصبحت الصّين أكبر مستثمر في المنطقة. يتم مساعدة البلدين من خلال شعور الكراهية تجاه الولايات المتحدة في المنطقة، وما يمكن تفسيره بشكل معقول على أنه رغبة بين كل من النُّخب الحاكمة والشارع للحصول على بديل للهيمنة الأمريكية، والتي تمَّ تعزيزها عن طريق الرسائل المختلطة والرسائل غير المتسقة من الإدارة الأمريكية الحالية.[32]

 

---

المراجع

Jon B. Alterman, “China’s Soft Power in the Middle East”, in Carola McGiffert, ed., Chinese Soft Power and Its Implications for the United States: Competition and Cooperation in the Developing World, Washington, Center for Strategic and International Studies, March 2009, p. 63-76, https://www.csis.org/node/27046

Ramzy Baroud and Romana Rubeo, “Will China Abandon the Palestinians?”, in Al Jazeera, 23 October 2018, http://aje.io/k5hzj

Maher Chmaytelli and Raya Jalabi, “Iraqi Forces Complete Kirkuk Province Takeover after Clashes with Kurds”, in Reuters, 20 October 2017, https://reut.rs/2yGk5En

Oren Dorell, “Russia Offers Egypt No-Strings-Attached Arms Deal”, in USA Today, 13 February 2014, https://eu.usatoday.com/story/news/world/2014/02/13/russia-egypt-arms-deal/5459563

David Frum, “The Real Story of How America Became an Economic Superpower”, in The Atlantic, 24 December 2014, https://www.theatlantic.com/article/384034

Thomas Gibbons-Neff, “How a 4-Hour Battle Between Russian Mercenaries and U.S. Commandos Unfolded in Syria”, in The New York Times, 24 May 2018, https:// nyti.ms/2GMKOj0

Heritage Foundation, “Middle East”, in Global Operating Environment. 2019 Index of U.S. Military Strength, October 2018, p. 153-171, https://www.heritage.org/ node/7757425

Jonathan Holslag, “How China’s New Silk Road Threatens European Trade”, in The International Spectator, Vol. 52, No. 1 (March 2017), p. 46-60, https://www.iai.it/en/ node/7490

Bruce Jones (ed.), The New Geopolitics of the Middle East: America’s Role in a Changing Region, Washington, Brookings Institution, January 2019, https://brook. gs/2FdR330

 

Daniel Kliman and Abigail Grace, “China Smells Opportunity in the Middle East’s Crisis”, in Foreign Policy, 14 June 2018, https://foreignpolicy.com/2018/06/14/ china-smells-opportunity-in-the-middle-easts-cris

Marc Lynch, “Does the Decline of U.S. Power Matter for the Middle East?”, in Monkey Cage, 19 March 2019, https://www.washingtonpost.com/politics/2019/03/19/does-decline-us-power-matter-middle-east

 

Osnat Nir, “Israeli Officials Discount U.S. Concerns Over China: ‘The Security Warnings Are a Joke’”, in Haaretz, 17 January 2019, https://www.haaretz.com/ israel-news/business/israeli-officials-discount-u-s-concerns-over-china-the-security-warnings-are-a-jo-1.6850841

Jessica Purkiss and Jack Serle, “Obama’s Covert Drone War in Numbers: Ten Times More Strikes than Bush”, in The Bureau of Investigative Journalism, 17 January 2017, https://www.thebureauinvestigates.com/stories/2017-01-17/obamas-covert-drone-war-in-numbers-ten-times-more-strikes-than-bush

Samuel Ramani, “Why Palestine Supports China on the South China Sea”, in The Diplomat, 26 July 2016, https://thediplomat.com/?p=90127

Julie Ray, “China’s Leadership Better Regarded Outside the West”, in Gallup News, 29 April 2008, https://news.gallup.com/poll/106858/Chinas-Leadership-Better- Regarded-Outside-West.aspx

Julie Ray, “U.S. Leadership Approval Lowest in Europe, Mideast”, in Gallup News, 2 April 2008, https://news.gallup.com/poll/105967/us-leadership-approval-lowest-europe-mideast.aspx

Liz Sly, “In the Middle East, Russia Is Back”, in The Washington Post, 5 December 2018, https://wapo.st/2GbOnEL

Maxim A. Suchkov, “Russia Turns to Soft Power in the Middle East”, in Al-Monitor, 24 April 2015, http://almon.co/2f2u

Shibley Telhami, 2006 Annual Arab Public Opinion Survey. A Six Country Study: Egypt, Jordan, Lebanon, Morocco, Saudi Arabia (KSA) and UAE, presentation, Washington, 8 February 2007, http://web.archive.org/web/20120531062655/http:// www.brookings.edu/views/speeches/telhami20070208.pdf

Patrick Wintour, “Saudi King’s Visit to Russia Heralds Shift in Global Power Structures”, in The Guardian, 5 October 2017, https://gu.com/p/7b7fj

Xue Li and Cheng Zhangxi, “Will China Replace the US Global Role?”, in The Diplomat, 28 April 2018, https://thediplomat.com/?p=134192

Nour Youssef, “Egyptian Police Detain Uighurs and Deport Them to China”, in The New York Times, 6 July 2017, https://nyti.ms/2uQfDhn

Micah Zenko, “US Military Policy in the Middle East. An Appraisal”, in Chatham House Research Papers, October 2018, https://www.chathamhouse.org/node/37843

Dmitry Zhdannikov, “The Great Russian Oil Game in Iraqi Kurdistan”, in Reuters, 19 April 2018, https://reut.rs/2qIdy7k

Boriz Zilberman and Romany Shaker, “Russia and Egypt Are Growing Closer”, in The American Interest, 6 June 2018, https://wp.me/p4ja0Z-L8n

 

[1] Xue Li and Cheng Zhangxi, “Will China Replace the US Global Role?”, in The Diplomat, 28 April 2018, https://thediplomat.com/?p=134192. See also David Frum, “The Real Story of How America Became an Economic Superpower”, in The Atlantic, 24 December 2014, https://www.theatlantic. com/article/384034.

 [2] Bruce Jones (ed.), The New Geopolitics of the Middle East: America’s Role in a Changing Region, Washington, Brookings Institution, January 2019, https://brook.gs/2FdR330.

  [3] Micah Zenko, “US Military Policy in the Middle East. An Appraisal”, in Chatham House Research Papers, October 2018, https://www.chathamhouse.org/node/37843.

  [4] Jessica Purkiss and Jack Serle, “Obama’s Covert Drone War in Numbers: Ten Times More Strikes than Bush”, in The Bureau of Investigative Journalism, 17 January 2017, https://www. thebureauinvestigates.com/stories/2017-01-17/obamas-covert-drone-war-in-numbers-ten-times-more-strikes-than-bush.

  [5] Heritage Foundation, “Middle East”, in Global Operating Environment. 2019 Index of U.S. Military Strength, October 2018, p. 153-171, https://www.heritage.org/node/7757425. Qatar, for example hosts the biggest US military base in the region, while the US 5th Fleet is stationed in Bahrain.[6] Patrick Wintour, “Saudi King’s Visit to Russia Heralds Shift in Global Power Structures”, in The Guardian, 5 October 2017, https://gu.com/p/7b7fj.

 [7] Oren Dorell, “Russia Offers Egypt No-Strings-Attached Arms Deal”, in USA Today, 13 February 2014, https://eu.usatoday.com/story/news/world/2014/02/13/russia-egypt-arms-deal/5459563.

  [8] Maher Chmaytelli and Raya Jalabi, “Iraqi Forces Complete Kirkuk Province Takeover after Clashes with Kurds”, in Reuters, 20 October 2017, https://reut.rs/2yGk5En.

  [9] Dmitry Zhdannikov, “The Great Russian Oil Game in Iraqi Kurdistan”, in Reuters, 19 April 2018, https://reut.rs/2qIdy7k.

  [10] Boriz Zilberman and Romany Shaker, “Russia and Egypt Are Growing Closer”, in The American Interest, 6 June 2018, https://wp.me/p4ja0Z-L8n.

  [11] Maxim A. Suchkov, “Russia Turns to Soft Power in the Middle East”, in Al-Monitor, 24 April 2015, http://almon.co/2f2u.

 [12] Thomas Gibbons-Neff, “How a 4-Hour Battle Between Russian Mercenaries and U.S. Commandos Unfolded in Syria”, in The New York Times, 24 May 2018, https://nyti.ms/2GMKOj0.

 [13] Liz Sly, “In the Middle East, Russia Is Back”, in The Washington Post, 5 December 2018, https:// wapo.st/2GbOnEL

  [14] “Russia Establishing Permanent Presence at Its Syrian Bases: RIA”, in Reuters, 26 December 2017, https://reut.rs/2lbzBju.

  [15] Samuel Ramani, “Why Palestine Supports China on the South China Sea”, in The Diplomat, 26 July 2016, https://thediplomat.com/?p=90127.

 [16] Osnat Nir, “Israeli Officials Discount U.S. Concerns Over China: ‘The Security Warnings Are a Joke’”, in Haaretz, 17 January 2019, https://www.haaretz.com/israel-news/business/israeli-officials-discount-u-s-concerns-over-china-the-security-warnings-are-a-jo-1.6850841.

  [17] Ramzy Baroud and Romana Rubeo, “Will China Abandon the Palestinians?”, in Al Jazeera, 23 October 2018, http://aje.io/k5hzj.

  [18] Ibid.  [19] Osnat Nir, “Israeli Officials Discount U.S. Concerns Over China”, cit.

  [20] Shibley Telhami, 2006 Annual Arab Public Opinion Survey. A Six Country Study: Egypt, Jordan, Lebanon, Morocco, Saudi Arabia (KSA) and UAE, presentation, Washington, 8 February 2007, http://web. archive.org/web/20120531062655/http://www.brookings.edu/views/speeches/telhami20070208.pdf.

  [21] Ibid.  [22] Julie Ray, “China’s Leadership Better Regarded Outside the West”, in Gallup News, 29 April 2008, https://news.gallup.com/poll/106858/Chinas-Leadership-Better-Regarded-Outside-West.aspx; and “U.S. Leadership Approval Lowest in Europe, Mideast”, in Gallup News, 2 April 2008, https://news. gallup.com/poll/105967/us-leadership-approval-lowest-europe-mideast.aspx.

  [23] Jon B. Alterman, “China’s Soft Power in the Middle East”, in Carola McGiffert, ed., Chinese Soft Power and Its Implications for the United States: Competition and Cooperation in the Developing World, Washington, Center for Strategic and International Studies, March 2009, p. 72, https://www. csis.org/node/27046.

 [24] Ibid., p. 73.[25] Ibid.  [26] Jonathan Holslag, “How China’s New Silk Road Threatens European Trade”, in The International Spectator, Vol. 52, No. 1 (March 2017), p. 57-58, https://www.iai.it/en/node/7490.

  [27] Daniel Kliman and Abigail Grace, “China Smells Opportunity in the Middle East’s Crisis”, in Foreign Policy, 14 June 2018, https://foreignpolicy.com/2018/06/14/china-smells-opportunity-in-the-middle-easts-crisis.  [28] Ibid.  [29] Ibid.  [30] “Yemen Crisis: China Evacuates Citizens and Foreigners from Aden”, in BBC News, 3 April 2015, https://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-32173811. Nine hundred Chinese citizens were also evacuated in Libya when fighting broke out in Tripoli in 2014. See, “Hundreds of Chinese Workers Are Evacuated from Libya”, in BBC News, 7 August 2014, https://www.bbc.co.uk/news/world-africa-28684555.

 [31] Nour Youssef, “Egyptian Police Detain Uighurs and Deport Them to China”, in The New York Times, 6 July 2017, https://nyti.ms/2uQfDhn.

  [32] Marc Lynch, “Does the Decline of U.S. Power Matter for the Middle East?”, in Monkey Cage, 19 March 2019, https://www.washingtonpost.com/politics/2019/03/19/does-decline-us-power-matter-middle-east.

ترجمة: يوسف سامي مصري

أحدث الدراسات