ستراتفور: أحلام "أنقرة" في غزو شمال سوريا تواجه "مطبات وحجرات عثرة"

الثلاثاء 30-04-2019 | PM 10:24 صورة أرشيفية

ستراتفور

مع استمرار الولايات المتحدة في تبني سياسة الانسحاب إلى حد كبير من شمال سوريا، واستمرار محاولا تركيا لنسج علاقات أفضل مع روسيا، تستعد أنقرة لعبور حدودها الجنوبية لمتابعة هدفها المحبب المتمثل في القضاء على قوات سوريا الديمقراطية. ولكن مع استعداد تركيا حتى وقت قريب للإبحار في شمال شرق سوريا سعياً إلى دفع قوات سوريا الديمقراطية بعيداً عن المواقع الرئيسية، لا سيما حول نهر الفرات، فإن العواقب لا تزال قائمة.

من القوات الأمريكية المتبقية إلى المقاومة الروسية المحتملة، يمكن أن يكون هجوم أنقرة المحتمل على المنطقة بادرة لجرها إلى صراع خطير مع العديد من الدول الأخرى المشاركة في سوريا.منذ أن ظهرت وحدات حماية الشعب (YPG)، وهي جماعة معظمها من الأكراد، كقوة مهمة في سوريا، ركز الأتراك على ضمان هزيمتهم النهائية.

خوفًا من علاقات وحدات حماية الشعب مع عدو أنقرة، حزب العمال الكردستاني (PKK) -وخاصة احتمال أن يستخدم الأخير شمال شرق سوريا كمنصة لشن هجمات محتملة على تركيا- أعطت أنقرة الأولوية لجهودها للقضاء على وحدات حماية الشعب فوق كل شيء آخر في سوريا، حتى فوق الإطاحة بعدوها الرئيسي الظاهري في البلاد، الرئيس بشار الأسد.

على سبيل المثال، جاءت عملية درع الفرات التي قامت بها تركيا في آب/أغسطس 2016 للاستيلاء على أجزاء من شمال سوريا مثل إعزاز والباب، على حساب دعم المتمردين السوريين في حلب، حيث سحبت تركيا عددًا من قوات المتمردين من تلك المعركة وقيدت المساعدة للمتمردين في المدينة، في مقابل الحصول على ضوء أخضر روسي للعملية.في العام الماضي، وجهت عملية غصن الزيتون التركية، ضربة أخرى إلى وحدات حماية الشعب من خلال الاستيلاء على معقل الوحدات لفترة طويلة في "عفرين".

مع الإعلان بأن الولايات المتحدة تسحب قواتها، فإن هدف تركيا بشن عملية عسكرية أخرى، هذه المرة بشكل أكثر حسما في شرق نهر الفرات لتمديد المنطقة العازلة لتركيا في سوريا، يبدو أخيرًا أنه من بين أوراق اللعب التي تمسك بها تركيا.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست وردية تمامًا للأتراك. وإدراكا من الميل الأمريكي إلى التغييرات الإستراتيجية المفاجئة في سوريا، ظلت أنقرة حذرة في أعقاب الإعلان المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن بدء الانسحاب الكامل للقوات من البلاد، في انتظار النصر الوشيك على تنظيم "داعش". كما هو الحال، أعطى "ترامب" تركيا المزيد من الحذر بعد تهديده بـ"تدمير تركيا اقتصاديًا" إذا هاجمت وحدات حماية الشعب بعد الانسحاب الأمريكي. في الواقع، تراجعت الولايات المتحدة مرة أخرى عن قرارها بسحب جميع قواتها من المنطقة. بدلاً من ذلك، تخطط الآن للحفاظ على قوة متبقية من 400 فرد في سوريا، وسيظل 200 منهم في مناطق قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي.

يمكن لحلفاء الولايات المتحدة الآخرين، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، أن يعززوا هذه القوات الأمريكية بقواتهم الخاصة، حتى لو كانت هذه الدول حذرة بشأن نشر قوات كبيرة في غياب وجود أكبر للولايات المتحدة على الأرض. صحيح أنه من غير المحتمل أن يردع بضع مئات من القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها العمليات العسكرية التركية ضد قوات سوريا الديمقراطية في هذه المنطقة الكبيرة، لكن وجودهم قد يكون مفتاحًا في خطط تركيا، لأن أنقرة سوف تسعى جاهدة لتجنب الانتقال إلى مناطق محددة حيث يوجدون فيها. والأهم من ذلك، أن وجود هذه القوات بالقرب من العمليات العسكرية التركية يزيد من خطر سوء التقدير أو الاشتباكات العرضية التي يمكن أن تؤدي إلى تصاعد سريع في التوترات بين تركيا والولايات المتحدة وأعضاء حلف الناتو الآخرين.

المقاومة الروسية

في الواقع، أعضاء "الناتو" الآخرين ليسوا الدولتين الوحيدتين اللتين يتعين على أنقرة القلق بشأنهما.

على الرغم من أن العلاقات التركية الروسية قد شهدت تحسنا ملحوظا في السنوات القليلة الماضية، فإن البلدين لا يثقان ببعضهما تماما في سوريا. لا تزال روسيا حذرة من توسع تركيا الإضافي في البلاد، خاصة إذا كان ذلك يؤثر على الحكومة السورية، التي تحاول موسكو دعمها. بينما من غير المحتمل أن تمنع روسيا جميع العمليات التركية في الشمال الشرقي، إلا أنها ستسعى إلى تثبيط تركيا عن الدخول في عمق الأراضي السورية. ولأن من المحتمل أن تتوجه قوات سوريا الديمقراطية إلى دمشق طلبًا للمساعدة في مواجهة هجوم تركي، فسيتعين على أنقرة أيضًا أن تدرس احتمال أن تجد نقسها تخوض قتال في مواجهة قوات الحكومة السورية والميليشيات المرتبطة بها -والتي يتمتع الكثير منها أيضًا بدعم إيراني أو روسي.

هناك حجر عثرة روسي آخر محتمل أمام عمليات تركيا في الشمال الشرقي، وهذا الحجر يقع في أقصى غرب سوريا. تماشيا مع عملية أستانا، التي سعت فيها كل من روسيا وتركيا وإيران إلى إدارة جوانب الحرب السورية، نجحت أنقرة وموسكو في التعامل مع محافظة إدلب الغربية التي يسيطر عليها المتمردون، لكن البلدان ظلت منقسمة بشدة بشأن السياسة في المنطقة، وهو شيء يمكن أن يعرقل التعاون في المستقبل.

سهلت الاتفاقيات السابقة بين تركيا وروسيا إنشاء ما يسمى بمنطقة خفض التصعيد في إدلب بالإضافة إلى إنشاء عشرات مراكز المراقبة التي تحرسها القوات التركية.

وافقت تركيا على الترتيبات الرامية إلى منع المزيد من الحكومة السورية المدعومة من روسيا من تنفيذ المزيد من الهجمات التي كانت ستؤدي إلى زيادة إضعاف الجماعات المتمردة المدعومة من تركيا في المحافظة، وتدفع موجات أخرى من اللاجئين إلى تركيا، وتآكل محاولات أنقرة لإقامة منطقة عازلة واسعة في شمال سوريا. من جانبها، كانت روسيا سعيدة بتجنب التزامات عسكرية إضافية في سوريا، لأنها ترغب في سحب قواتها في البلاد ولأنها لا تريد تعريض علاقاتها مع تركيا للخطر. موسكو، مع ذلك، تهدف دائمًا إلى أن يكون ترتيب إدلب مؤقتًا.

والأكثر من ذلك، نص الاتفاق على أن تتحرك تركيا لتفكيك الجماعات المتمردة الأكثر تطرفًا في المحافظة، مثل هيئة تحرير الشام، التجسيد الأخير لجبهة النصرة.لكن الصبر الروسي بدأ ينفد على مدى الأشهر الستة الماضية، لأن تركيا لم تفشل فقط في اتخاذ إجراءات صارمة ضد هيئة احرير الشام، ولكنها فشلت في احتوائها إلى الحد الذي دفعت به جماعات المتمردين الأخرى، بما في ذلك الجماعات المدعومة من تركيا، من المناصب الرئيسية في المحافظة. كما واصلت هيئة تحرير الشام وحلفاؤها شن هجمات على قوات الحكومة السورية على طول حدود المقاطعة رداً على انتهاكات وقف إطلاق النار من جانب دمشق، والتي لم تكن متحمسة بشكل خاص للترتيبات الروسية التركية.

ونظرًا لأن تركيز تركيا الأساسي على شمال شرق سوريا، فمن غير المرجح أن تشن تركيا الآن حملة صارمة ضد هيئة التحرير. وبما أن الجماعة المتطرفة ترسخ نفسها في المقاطعة، فقد تعطي روسيا وإيران والحكومة السورية الضوء الأخضر لشن هجوم. بطبيعة الحال، قد يكون لهذا الهجوم عواقب بعيدة المدى. يمكن للقوات التركية، المحصورة بين المتمردين وقوات الحكومة السورية، أن تجد نفسها تحت وقع إطلاق النار. ولأن تركيا لم تبد أي ميل للتخلي عن حلفائها المتمردين في إدلب، فقد تختار تعزيزهم إذا تعرضوا لهجوم عنيف. وفقًا لذلك، فإن الوضع في المنطقة يمثل نقطة اشتعال محتملة يمكن أن تختبر بشكل خطير وتقوض ليس فقط موقف تركيا في سوريا، ولكن أيضًا علاقتها الأوسع مع روسيا.

من المحتمل أن يمهد قرار الولايات المتحدة بسحب قواتها في سوريا (حتى لو تم تخفيضها من الانسحاب الكامل المعلن في البداية) الطريق لمزيد من التوغلات التركية في شمال سوريا. لكن بينما تستعد تركيا للعمليات العسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية، فإنها ستواجه خطر المواجهة مع قوات حلف شمال الأطلسي المتبقية وغيرها من قوات الناتو في المنطقة، إلى جانب قوات الحكومة السورية المدعومة من روسيا وإيران، والتي من المحتمل أن تسعى إلى وقف المكاسب التركية عن طريق الحضور لتقديم المساعدة والدفاع عن وحدات حماية الشعب.

إن الهجوم على حلفاء تركيا المتمردين في أقصى الغرب، يمكن أن يصرف انتباه تركيا عن أي هجوم على المناطق الكردية في الشمال الشرقي. في مثل هذه الحالة، قد يكون طريق أنقرة جنوبًا مفتوحًا، لكنه سيواجه أكثر من بضع مطبات.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات