معضلة "أردوغان".. إعادة انتخابات "إسطنبول" يهدد بفقدان الثقة في "صندوق الاقتراع"

السبت 13-04-2019 | PM 02:54 إكرام إمام أوغلو - صورة أرشيفية

آيلا جين ياكلي | فورين آفيرز

عشية الانتخابات البلدية في إسطنبول، كان مرشح المعارضة إكرم إمام أوغلو يجذب حشودًا صغيرة من الحزب، وهم الملتزمين بحضور الحشود والمسيرات الانتخابية الصغيرة. وبعد يومين من فوزه المذهل، احتشد الآلاف من المؤيدين للفائز المفترض، بينما كان يزور ضريح مؤسس تركيا العلمانية الحديثة.

تعد زيارة قبر مصطفى كمال أتاتورك تقليدًا للفائزين في الانتخابات في تركيا. بالنسبة لإمام أوغلو، كان هذا أيضًا عملاً من أشكال التحدي. نشب خلاف مرير بين مؤيديه وحزب العدالة والتنمية الحاكم بشأن تقدمه الضئيل في التصويت. ما يقوم به المنافس البالغ من العمر 48 عامًا، هو عملية إحياء إحياء وتنشيط لحزب الشعب الجمهوري الذي كان في طور الثبات لفترة طويلة. بعد أن تم عزله من السلطة لمدة أربعة عقود، أصبح حزب الشعب الجمهوري الآن على وشك السيطرة على أكبر مدن تركيا.

أعلن كل من إمام أوغلو ومنافسه، رئيس الوزراء السابق بينالي يلدريم، أنهما رئيس بلدية اسطنبول. أقل من 0.2% من أصل أكثر من ثمانية ملايين صوت هي نسبة الهامش الذي يفصلهما عن بعضهما البعض. دخلت إعادة فرز الأصوات أسبوعها الثاني، والقلق يتصاعد داخل المعارضة حول ما إذا كان حزب العدالة والتنمية سيتخلى عن قبضته على إسطنبول، للمرة الأولى منذ ربع قرن، إذا ما أكدت حصيلة الفرز النهائي فوز "إمام أوغلو".

لقد دخل الرئيس رجب طيب أردوغان في المعركة. ويقول إن هناك أدلة على "جرائم منظمة" تشوب التصويت، وقال إنه يؤيد مطالبة حزبه بإلغاء مجلس الانتخابات نتائج إسطنبول. نددت صحيفة قريبة من الحزب الحاكم بـ"انقلاب في صندوق الاقتراع"؛ بينما قالت أخرى إن هناك مكائد من قبل المتآمرين الدوليين وراء صعود "إمام أوغلو" المفاجئ. وينظر المدعي العام في بلدة "سامسون" الشمالية في شكوى جنائية ضد "إمام أوغلو"، بسبب زيارة ضريح "أتاتورك".

يقول "إمام أوغلو" إن رد الفعل تجاه ما حدث هو أمر مرير. ويؤكد أن "حزب العدالة والتنمية" يبحث عن علاج بعد خسارته في صندوق الاقتراع، لأنهم لم يعتادوا على الخسارة، مضيفا: "بعد أن حكم [حزب العدالة والتنمية] المدينة لمدة 25 عامًا، طور الناس عقلية لن تتغير أبدًا. هذا يدل على أن الديمقراطية لم تكن تعمل. [لكن] في الشارع، أرى حاجة للأمل، وأن يكون هذا الأمل مرتبطا بي، فقد منحني مسؤولية كبيرة".

قبل الانتخابات، كان "إمام أوغلو" عمدة منطقة غير معروف إلى حد كبير لإحدى ضواحي "إسطنبول" النائية. تناولت حملته المظالم اليومية، مثل الازدحام المروري وخلق فرص العمل. منذ التصويت، أظهر جانبًا أكثر صرامة، حيث عقد مؤتمرات صحفية مرتجلة لاتهام حزب العدالة والتنمية بأنه "يتصرف كما لو أن أحدا أخذ ألعابهم منهم"، على الرغم من أنه حاول أيضًا إظهار شعور بالحياة الطبيعية لطمأنة الجمهور المتوتر والعصبي.

بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، فإن الانتخابات المحلية التي جرت في الشهر الماضي لم تكن طبيعية. عانى الحزب من أخطر نكسة انتخابية منذ 16 عامًا في السلطة، حيث كانت هناك معارضة موحدة بشكل غير عادي تم استغلال الاستياء الاقتصادي واسع النطاق فيها، لقلب السيطرة على "أنقرة" وتسع عواصم إقليمية.

لا يزال حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية وشركائه المتطرفين يحصلون على أغلبية الأصوات المدلى بها وسيظلون على رأس الحكومة الوطنية لمدة أربع سنوات أخرى. لكن تراجع دعم حزب العدالة والتنمية في المراكز السياسية والاقتصادية في تركيا، يكشف عن صدوع في قاعدته الشعبية. ويهدد هذا التراجع أيضًا الممارسة طويلة الأمد لحزب العدالة والتنمية المتمثلة في منح مشاريع البنية التحتية المربحة للبلدية للشركات الموالية لـ"أردوغان".

إن خسارة "إسطنبول" لن تكون مجرد ضربة مادية لحزب العدالة والتنمية؛ وإنما ستكون بمثابة ضربة شخصية لـ"أردوغان" الذي نشأ في حي فقير على الواجهة المائية في المدينة، واكتسب شهرة وطنية بعد أن أصبح رئيسًا للبلدية في عام 1994، ما مهد الطريق لانتخابه رئيسا للوزراء في عام 2003، ورئيسًا في عام 2014.

منذ الحصول على السلطة، حكم "أردوغان" تركيا بقبضة مشددة. بعد صد الانقلاب العسكري في عام 2016، شن "أردوغان" حملة واسعة على من يلومهم للتحريض عليه، وسجن عشرات الآلاف من خصومه. في العام الماضي، فاز في الانتخابات الرئاسية التي تتمتع بسلطات جديدة واسعة وقليل من الرقابة البرلمانية، حيث إنه يتمتع بدعم لا ينضب من الصحافة الموالية، والتي تديرها الحكومة أو الشركات القريبة منها.

خلال الانتخابات المحلية، شن "أردوغان" حملة لا هوادة فيها لدعم مرشحيه من رؤساء البلديات، مما حول المنافسات العادية بين رؤساء البلديات إلى استفتاء على أسلوبه الاستبدادي في الحكم. في أحداث الحملة الانتخابية، تم تهميش "يلدريم" المعتدل إلى حد كبير، وهو مجرد عمل استهلالي قبل أن يأخذ "أردوغان" زمام المرحلة، ليحذر من أن "بقاء الأمة كان على المحك"، واتهم المعارضة بالتواطؤ مع "الإرهابيين" من خلال التواصل مع الحزب المؤيد للأكراد.

على الرغم من مسرحيات "أردوغان"، تقدم العديد من الناخبين وعاقبوا حزب العدالة والتنمية على سياساته التي أطلقت العنان لمعدلات التضخم والبطالة المرتفعة. على الرغم من أن "إمام أوغلو" امتنع عن مهاجمة "أردوغان" الذي لا يزال أكثر السياسيين شعبية في تركيا، فقد قام باتهام النخبة الحاكمة المتورطة بأنها تعيش في "قصورها" بينما "إسطنبول في دوامة من الجوع والفقر والبطالة". لقد تجاهلت وسائل الإعلام إلى حد كبير تلك التصريحات، فلجأ "إمام أوغلو" إلى استخدام موقع "فيس بوك" لبث زياراته إلى الشوارع والأسواق على الهواء مباشرة، حيث احتضن مؤيديه وأشرك بأدب مؤيدي حزب العدالة والتنمية الذين رفضوا مصافحته.

لقد تجنب الناخبون الأتقياء منذ فترة طويلة حزب الشعب الجمهوري الوسطي، الذي صدته إيديولوجيته العلمانية الجامدة وصورته النخبوية المذهلة. لكن ترشيح "إمام أوغلو"، وهو مسلم ممارس حدد موعدًا في الحملة الانتخابية لحضور صلاة الجمعة، سمح لحزب الشعب الجمهوري، المتواضع لعدة سنوات في الحياة السياسية، بتوسيع نطاق جاذبيته. كانت آخر مرة يدير فيها هذا الحزب "أنقرة" و"إسطنبول" في سبعينيات القرن الماضي، وتحول إلى المعارضة في البرلمان منذ ذلك الحين أيضًا.

وقال عاكف بيكي، المستشار الصحفي السابق لـ"أردوغان" الذي يكتب الآن عموداً في صحيفة "قرار" المحافظة: "إمام أوغلو لا يحمل أمتعة السياسي الكلاسيكي لحزب الشعب الجمهوري.. الجهود المبذولة لتشويه سمعته بالقول إنه عدو الآذان أو أنه سوف يهدم المساجد، لا تلتصق به ولا تؤثر عليه".

نشأ "إمام أوغلو" في عائلة دينية في منطقة البحر الأسود المحافظة، وحضر دورات في القرآن في المدارس الابتدائية. في الجامعة، تحولت سياساته إلى اليسار. انضم إلى حزب الشعب الجمهوري وبعد بضع سنوات، في عام 2014، هزم مرشح حزب العدالة والتنمية ليصبح عمدة منطقة "بيليكدوزو" الساحرة ذات الطبقة المتوسطة في "إسطنبول". وبصفته عمدة، فاز باستحسان الجمهور لبناء الحدائق ومنشأة بها مكتبة حديثة وقاعة للحفلات الموسيقية. في الأعياد الدينية، كان يوزع الحلويات التقليدية على السكان.

يقول حزب الشعب الجمهوري إنه يريد الفوز بأصوات من مختلف الأطياف السياسية، وشكل تحالفًا مع حزب يميني صغير في انتخابات الشهر الماضي. مرشحه في أنقرة -الذي واجه أيضًا إعادة فرز الأصوات ولكن تم إعلانه الفائز هذا الأسبوع بعد فوز أكثر حسمًا- ينحدر من حركة يمينية متطرفة.

رحب حزب الشعب الجمهوري بدعم ملايين الناخبين الأكراد، الذين من المرجح أن يبدوا الانتخابات في "إسطنبول"، بعد أن دعم حزب الشعوب الديمقراطي اليساري، الذي تقاس قاعدته من الأكراد بأغلبية ساحقة، حزب الشعب الجمهوري عن طريق عدم تقديم مرشحين في المدن الغربية. وقال "إمام أوغلو": "أعتقد أن هذه الانتخابات ستنهي الفترة التي كان يتم الفوز فيها في الانتخابات باستقطاب.. وتبين أن مرشح الذي يسعى إلى الوحدة هو المرشح الجدير".

قد يكون حزب الشعب الجمهوري يتجه إلى القول المأثور بأن جميع السياسات محلية. أخبرني إمري أردوغان، وهو عالم سياسي بجامعة بيلجي بإسطنبول، أن الحزب يتحرك بعيدًا عن نهجه الهرمي من أعلى إلى أسفل المتمثل في تسليم المناصب المرغوبة إلى المتعصبين للأحزاب والبيروقراطيين السابقين. وقال: "في حالة إمام أوغلو، وجدنا سياسيًا بدأ عمله في السياسة المحلية، لديه ردود فعل طبيعية ويعرف حقًا كيف يتواصل مع رجل الشارع".

هذه اللمسة المشتركة شيء يشاركه "إمام أوغلو" مع "أردوغان". ويعتقد بعض المراقبين أن لدى المنافس طموحات وطنية. وقال إمري أردوغان: "مثل إردوغان، يعتقد إمام أوغلو أنه يمتلك الصيغة السرية للنجاح السياسي المستمر". وقال كانان كافتانجي أوغلو، كبير الاستراتيجيين لحملة "إسطنبول" لحزب الشعب الجمهوري، إن الحملة ومعركة إعادة الفرز زودتا حزب الشعب الجمهوري بخريطة طريق جديدة. ما إذا كان الحزب سوف ينشر خطة المعركة هذه في اقتراع جديد في إسطنبول في الأشهر المقبلة أو الانتخابات العامة في عام 2023، لم يتبين بعد.

وقال "كافتانجي أوغلو": "كان هناك تصور أن حزب الشعب الجمهوري لا يعمل بجد بما فيه الكفاية، وأنه استسلم بسهولة.. هذه المرة، أوضحنا أننا سنخوض هذا حتى النهاية، إلى أن يتسلم (إمام أوغلو) ولايته. هذه الاستراتيجية لم توحِّد قاعدتنا وتحفزها فحسب، بل اكتسبت احترام الناخبين من حزب العدالة والتنمية ".

هذا هو الفخ الذي وجد "أردوغان" نفسه أمامه. إذا نجح في فرض إعادة انتخابات "إسطنبول"، فإنه يخاطر بتهديد ثقة مؤيديه في صندوق الاقتراع. على الرغم من كل الانتقادات التي يواجهها "أردوغان" بسبب تآكل الديمقراطية في تركيا، فإن ولايته الشخصية مستمدة مما يسميه "الإرادة الوطنية"، وهي السبب في  انتصاراته الانتخابية الـ15 المتعاقبة.

وقال محمد كايا، وهو صاحب متجر يبلغ من العمر 59 عامًا ومؤيد لحزب العدالة والتنمية: "لا يوجد شيء يجب القيام به سوى قبول أننا فقدنا مملكة إسطنبول.. إذا ألغوا هذه الانتخابات لإجراء انتخابات أخرى، فسوف نصوت لصالح (إمام أوغلو). يقف الأتراك دائمًا إلى جانب المضطهدين".

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات