سوريا: كيف يكون تأثير مرحلة ما بعد الحرب على تركيا؟ (5)

الثلاثاء 02-04-2019 | PM 03:54 لاجئين سوريين في تركيا - صورة أرشيفية

أليكساندر ويرمان | جلوبال ريسك إنسايت

تقترب الحرب الأهلية السورية من نهايتها، وفي هذا المقال –الذي يعد الجزء الخامس من سلسلة تتكون من 5 أجزاء تتناول التأثير الإقليمي لانتهاء هذه الحرب- يحاول مركز "جلوبال ريسك إنسايت" رصد العقبات الاقتصادية الحالية والفرص الماثلة أمام تركيا لحل أزماتها، في ظل تعقد علاقاتها مع جيرانها من العرب والأوروبيين والولايات المتحدة، إضافة إلى تشككها الدائم وعداوتها تجاه الأكراد في سوريا وفي تركيا نفسها.

قبل بدء النزاع السوري، كانت تركيا -الجارة الشمالية لسوريا- تتبع سياسة "صفر مشاكل مع الجيران"، وكانت العلاقات بين هذين البلدين قد تحسنت ونمت التجارة، لكن كل ذلك تغير بعد فترة وجيزة من بدء الصراع السوري. عندما بدأ النزاع في عام 2011، دعا رئيس الوزراء رجب أردوغان الرئيس السوري بشار الأسد إلى التنحي وسمح لجماعات المعارضة السورية بالعمل من داخل تركيا. في عام 2016، خطت تركيا خطوة أبعد من ذلك وعززت من تورطها، وأطلقت عملية "درع الفرات" العسكرية على الأراضي السورية بحجة وقف "داعش" واحتواء توسع الجماعات المسلحة الكردية. تمتلك تركيا الآن بحكم الأمر الواقع، السيطرة على منطقة "عفرين" في سوريا، وتسعى إلى توسيع الأراضي الخاضعة لسيطرتها، وممارسة المزيد من الضغط على السكان الأكراد في سوريا. وتعد تركيا حاليا موطن أكبر عدد من اللاجئين السوريين، حيث تستضيف 64٪ أو ما يقرب من 3.6 مليون لاجئ سوري.

تأثير سوريا على تركيا

عززت العلاقات السياسية والتجارية مع سوريا، بما في ذلك اتفاقية التجارة الحرة التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2007، من قوة الاقتصاد التركي وأدت إلى زيادة الصادرات التركية إلى سوريا. وبالإضافة إلى مجموعة من السلع تامة الصنع والنفط المكرر، استثمرت تركيا أيضًا في الأدوات الرأسمالية، حيث نقلت بعض إنتاجها إلى سوريا. في عام 2010، كانت تركيا أكبر مصدر فردي للواردات في سوريا، حيث بلغت مبيعاتها 1.8 مليار دولار، وبين أكبر الوجهات التصديرية لها.

كان هناك انعكاس لكثير من تلك الخصائص التجارية منذ عام 2011، حيث انتقلت العديد من الشركات السورية التي تتخذ من حلب مقراً لها عبر الحدود إلى تركيا وتبيع الكثير من إنتاجها النهائي في سوريا. منذ عام 2013، تم تأسيس شركات سورية في تركيا بمعدل مرتفع، ويعتقد الآن أن هناك ما بين 10000 و20000 شركة سورية في تركيا. ركزت العديد من هذه الشركات على إقامة علاقات تجارية مع النظراء السوريين الذين لا يزالون في البلاد. في عام 2016، قررت الحكومة التركية إتاحة تصاريح عمل للاجئين السوريين وحصل 56.024 سوريًا على تصريح اعتبارًا من 2017.

أما الجانب السلبي من الصراع وتورط تركيا فيه، فهو أن تدفقات اللاجئين الكبيرة أدت إلى زيادة المنافسة في قطاع التوظيف غير الرسمي وممارسة الضغط على خدمات المالية العامة التي تقدم الخدمات للاجئين. علاوة على ذلك، انخفضت الصادرات التركية إلى سوريا ككل، حيث انخفضت إلى 1.18 مليار دولار في عام 2016. كما انخفضت الواردات التركية من سوريا من 729 مليون دولار في عام 2010 إلى 63.5 مليون دولار في عام 2016.

الاقتصاد التركي حاليا

لقد كان اقتصاد تركيا قوياً للغاية طوال معظم فترة حكم الرئيس "أردوغان"، حيث تراجع الضعف الاقتصادي والفقر ووصل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 7.4٪ في عام 2017. ومع ذلك، وبسبب الظروف التي تتجاوز الصراع السوري، تتجه تركيا نحو صعوبات اقتصادية، ومن المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي في السنوات المقبلة. لقد مرت مؤخرًا بأزمة العملة حيث تسارع التضخم وفقدت العملة التركية، الليرة، جزء كبير من قيمتها مقارنة بالدولار واليورو. وهذا يعني أن الشركات التي حصلت على قروض بالديون المقومة من الخارج، ستدين بأموال أكثر بكثير مما توقعت عندما حصلت على القروض. ورداً على ذلك، رفع البنك المركزي التركي أسعار الفائدة إلى 24٪، ما جعل القروض الجديدة باهظة الثمن، من أجل السيطرة على العملة ومحاولة إيقاف التضخم.

تركيا هي أيضًا مستورد صافٍ للطاقة، وهو ما جعل هذا المجال يمثل ضغوطًا على حسابها الجاري ويشكل عقبة أمام الاقتصاد. ومع ذلك، فقد قامت باستثمارات استراتيجية من خلال بناء خطوط أنابيب، في محاولة لتصبح مركزًا للغاز وممرا للعبور. إن تركيا تلعب دورًا هامًا في ممر الغاز الجنوبي المتنامي الذي ينقل غاز بحر قزوين والشرق الأوسط إلى أوروبا. تواصل تركيا أيضًا تحفيز القطاع الخاص للبحث عن النفط في البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأسود.

تمتلك تركيا أيضًا قوة كبيرة في مجال الزراعة، فهي تحتل مرتبة ضمن العشرة الأوائل في العالم، ويعمل ربع سكانها في هذا المجال. تعد صناعات النسيج والصناعات الإلكترونية الاستهلاكية جزءًا مهمًا من الاقتصاد المحلي. على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، أدى الإنفاق العام المرتفع على مشاريع البناء وتوافر الأموال السهلة إلى ظهور صناعة البناء والعديد من الشركات المربحة في هذا القطاع. علاوة على ذلك، فإن القطاع المصرفي في تركيا هو موطن لبعض من أكبر الشركات في العالم.

الفرص في سوريا

تعتبر "أنقرة" إعادة الإعمار السورية فرصة كبيرة لاقتصادها وشركاتها، حيث إن قطاع البناء في تركيا لديه قدرات هائلة. ستسعى تركيا بقوة في البحث عن فرص لشركاتها للفوز بعقود وإعادة بناء البنية التحتية السورية. بشكل رئيسي، يسعى القادة الأتراك بقوة إلى لعب دور رئيسي في إعادة بناء حلب، حسبما ورد في تصريحات عدة، وقد جعلوا هذا الأمر نقطة محورية في المناقشات مع نظرائهم الروس.

قد تحاول تركيا الاستفادة من علاقاتها ووضعها في سوريا للحصول على عقود حكومية أو منح دولية أو غيرها من فرص إعادة البناء. يمكن أن تضغط تركيا كذلك على نظام "الأسد" لإتاحة الفرص لها بسبب قواتها المتمركزة في شمال سوريا، أو يمكنها تحفيز النظام من خلال عرضها استخدام نفوذها للتأثير على مجموعات المتمردين، مثل اللجنة العليا للمفاوضات التي تعمل من داخل تركيا.

إن تركيا في وضع جيد يمكنها من لعب دور مركزي كمصدر للمواد أو نقطة طريق للبضائع التي يتم إرسالها إلى سوريا لإعادة الإعمار، إلى جانب الدور المحدد لبناء البنية التحتية الجديدة. يمكنهم تصدير مواد البناء والمواد الغذائية. يمكن أن تستورد تركيا أيضًا النفط غير المكرر من منطقة دير الزور، متجاوزة نظام "الأسد" عن طريق شرائه مباشرة من السلطات الكردية أو المحلية المتحالفة مع الولايات المتحدة، وتكريره وإرساله إلى أوروبا.

استنتاج

دور تركيا في المراحل التالية من الصراع السوري مرن للغاية في هذه المرحلة. هناك العديد من المتغيرات التي ستحدد الدور الذي تلعبه مثل علاقة تركيا مع روسيا وسوريا والأكراد والمعارضة السورية وكيف تضع نفسها بين كل تلك الأطراف. ستكون أولويات تركيا الاستراتيجية هي الحد من المكاسب الإقليمية للسكان الأكراد، والحصول على فرص تجارية لاقتصادها الهش، وزيادة نفوذها العام في بلاد الشام.

يبقى أن نرى ما سيحدث لملايين اللاجئين السوريين داخل الحدود التركية. يبدو أن الحكومة التركية والشعب التركي قد سئموا من وجودهم الهائل داخل البلاد والضغط الذي مارسوه على الخدمات العامة. لقد ظل العديد من هؤلاء اللاجئين موجودين في البلاد لسنوات، ورسخوا جذورهم من حيث الأعمال والدرجات التعليمية. ومع ذلك، لا يبدو أن الحكومة منفتحة لمنح الجنسية ولم يتجنس سوى 12000 منهم.

بشكل عام، ستبقى تركيا وسوريا متداخلتين معا بسبب مجموعة الروابط الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية بينهما. ستكون هناك الكثير من الفرص للجانبين للانخراط والاستفادة، ولكن هناك أيضًا توترات عالية المستوى بين قادة هذه الدول والتي من شأنها أن تمنع ومن المرجح أن تمنع وتعرقل ذلك، إلى حد ما.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات