سوريا: آفاق واحتمالات اقتصادية لمرحلة ما بعد الحرب (1)

الجمعة 29-03-2019 | PM 02:01 صورة أرشيفية

أليكساندر ويرمان | جلوبال ريسك إنسايت

تقترب الحرب الأهلية السورية من نهايتها، وفي هذا المقال –الذي يعد الجزء الأول من سلسلة تتكون من 5 أجزاء تتناول التأثير الإقليمي والمحلي لانتهاء هذه الحرب- يحاول مركز "جلوبال ريسك إنسايت" رصد العقبات الاقتصادية الحالية والفرص الماثلة أمام سوريا والرئيس السوري بشار الأسد، إضافة إلى محاولة رصد التأثيرات المترتبة على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخفض وسحب عدد من القوات الأمريكية المتمركزة على الأرض في سوريا.

تشير الدلائل كلها إلى أن نظام "الأسد" سيستعيد "إدلب" في نهاية المطاف، وهي آخر معقل للمتمردين ليس في أيدي القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة أو نظام "الأسد" أو قوات المتمردين المدعومة رسميا من تركيا. ويمثل إعلان الرئيس "ترامب" الأخير عن خطط لسحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، مدخلا للمزيد من الانقسامات في البلاد. تسيطر القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة على الأراضي الشمالية الشرقية السورية فوق نهر الفرات، ويحكم المتمردون المدعومون من تركيا الأراضي القريبة من الحدود الشمالية، في حين سيستعيد نظام "الأسد" السيطرة على البقية. هذه الأطراف راسخة بعمق في مناطقها ولا يُرجح اقتلاعها عسكريًا من مكانتها لصالح طرف آخر. لذلك، من المحتمل أن تصبح معظم سوريا في حالة من الجمود في المستقبل المنظور ويمكنها البدء في إعادة بناء الاقتصادات المحلية. ماذا يعني هذا بالنسبة للاقتصادات الإقليمية؟ هنا في سلسلة الأجزاء الخمسة، سنحاول رصد التأثيرات المترتبة على انتهاء الحرب السورية على كل من سوريا نفسها ولبنان والأردن وتركيا والعراق.

الاقتصاد السوري قبل الصراع

كان الاقتصاد السوري مستقراً نسبياً قبل بدء النزاع، حيث بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي حوالي 5٪ قبل بدء الحرب. وكان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 2835 دولارًا، وهو مبلغ مشابه لما كان في مصر والمغرب، ولكنه أقل من معظم البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كانت الزراعة، ولا تزال اليوم، من الأهمية بمكان أن تشكل 19٪ من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف 26٪ من السكان الناشطين اقتصاديا في عام 2011. وتسيطر الدولة إلى حد كبير على صناعة النفط، التي كانت عنصرا حاسما لتمويل الحكومة والتوظيف.

انخفض الإنتاج في قطاع الطاقة بشكل كبير، حيث تراجع إنتاج النفط الخام من 386000 برميل يوميًا في عام 2010 إلى 9000 برميل في العام في عام 2014. وشكلت الصناعات التحويلية والتعدين والمرافق 27.9٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010، وهي من المرجح أن شهدت انخفاضات هائلة، حيث تم تدمير البنية التحتية للنقل وتعطلت سلاسل الإمداد، التي كان يتم نقل مدخلات الوقود والمواد الخام من خلالها. يُقال إن العديد من الشركات في هذا القطاع قد لملمت أوراقها وانتقلت إلى البلدان المجاورة، وخاصة تركيا حيث كان السوريون يمثلون 26٪ من الشركات الجديدة المسجلة في عام 2014. وتراجع قطاع المعادن من تصدير 4.7 مليار دولار في عام 2011 إلى ما يقرب من الصفر في عام 2015. أما قطاع الخدمات، وفي المقام الأول السياحة، الذي كان يعد جزءًا كبيرا من الاقتصاد السوري، فقد تضرر بشكل كبير وسيستغرق وقتا طويلا للتعافي.

عقبات داخلية لإنعاش الاقتصاد

إن الكم الهائل من الدمار الذي لحق بالأصول المادية داخل البلاد سوف يشكل عقبة رئيسية أمام إعادة الإعمار. اعتبارًا من عام 2017، تم تدمير 7% من المساكن، و20% من المساكن قد تعرضت لأضرار جزئية، وفر 5.6 مليون شخص من سوريا، وتشرد 6 ملايين شخص آخرين داخلياً. في المجال الزراعي، قدرت الأمم المتحدة أن هناك 3.2 مليار دولار من الأضرار التي لحقت البنية التحتية، وتشمل هذه الخسائر أنظمة الري ومرافق المعالجة والتخزين والآلات الزراعية. لاحظت دراسة للأمم المتحدة أن 25٪ من الأسر تفتقر إلى البذور، و 50٪ تفتقر إلى الوصول إلى الأسمدة، وانخفضت ملكية الثروة الحيوانية بنسبة 50٪ تقريبا. أما أنابيب الغاز وشبكات نقل الكهرباء والطرق، فقد تضررت بشدة. من الصعب جدولة تكاليف الأضرار الصحيحة، لأن الوصول إلى سوريا لا يزال مقيدًا للغاية. إجمالاً، تشير التقديرات إلى أن الصراع تسبب في خسائر تراكمية في إجمالي الناتج المحلي بلغت 226 مليار دولار اعتبارًا من 2017.

العقبات الخارجية أمام تنشيط الاقتصاد

فرضت الولايات المتحدة سلسلة من العقوبات الشاملة على سوريا من خلال الأوامر التنفيذية الصادرة عن الإدارة الأمريكية في بداية النزاع عام 2011. لقد استهدف تلك العقوبات المدخلات الأساسية للإيرادات والداعمين المؤثرين لنظام "الأسد". على وجه التحديد، تحظر هذه العقوبات تداول المنتجات النفطية المستخرجة من سوريا، والاستثمار في سوريا من قبل أشخاص أمريكيين، وبيع الخدمات من أشخاص أمريكيين إلى سوريا، وتجميد أصول مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى.

تراجع حجم التجارة مع الدول المجاورة بشكل كبير، ولهذا، فإن إحياء الاقتصاد يعتمد على إعادة إنشاء سلاسل الإمداد التالفة هذه. وسيكون هذا أمرًا صعبًا بشكل خاص لأن تكاليف الشحن والتأمين ستكون مرتفعة بسبب خطر السرقة نتيجة لعدم الاستقرار. هناك نقص في توافر رأس المال، نظرًا لأن الكيانات الخاصة والدول الخارجية، بعيدا عن إيران وروسيا، ليست نشطة داخل سوريا في الوقت الحالي.

الفرص الاقتصادية لسوريا

ستكون عملية إعادة بناء البلد صعبة ومكلفة بشكل لا يصدق للأسباب المذكورة أعلاه. ستكون إيران وروسيا أكبر المستفيدين من إعادة الإعمار في الأراضي التي يسيطر عليها "الأسد"، وهذا بسبب دورهم الحاسم في دعم النظام طوال الحرب الأهلية. قامت الكيانات الإيرانية بالحصول على أرباحها من الرئيس "الأسد" من خلال اتفاقيات، مثل مذكرة تفاهم لكيان إيراني لتشغيل مشغل للهاتف المحمول ولعب دور في منجم فوسفات مربح. وقد وقع وزير الطاقة الروسي بالفعل على  اتفاقية تعاون مع نظيره السوري. يُعتقد أن روسيا مستثمر رئيسي في منجم الفوسفات في قرية "خنيفس" في "تدمر".

علاوة على ذلك، ضم منتدى الأعمال السوري الروسي الذي عُقد في وقت سابق من هذا العام، مسؤولين حكوميين سوريين طلبوا استثمارات روسية في عدد من المشاريع التي تتراوح بين بناء السكك الحديدية وتوليد محطات توليد الطاقة إلى مصانع الإسمنت. الحلفاء وأعضاء نظام "الأسد" سيعملون على ذلك. علاوة على ذلك، سيكون استثمار روسيا حاسماً بالنسبة لجهود الحكومة لزيادة الإيرادات. من المحتمل أن يكون لهذا تأثير إيجابي متواضع على الاقتصاد السوري ويوفر بعض الوظائف للسكان المحليين، ولكن الغالبية العظمى من أي فائدة ستكون لتلك الشركات الأجنبية والنظام.

الاستثمار الأجنبي في سوريا

تتطلع سوريا كذلك للاستثمار الصيني في مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق. من المرجح أن تكون الصين مهتمة أيضًا، حيث تعهدت بتقديم 23 مليار دولار كقروض ومساعدات لمنطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك 90 مليون دولار كمساعدات إنسانية لليمن ولبنان وسوريا والأردن، في منتدى التعاون الصيني العربي في بداية 2018. ونظرًا إلى أن الصين لا تأخذ سجلات حقوق الإنسان في الاعتبار عند اتخاذ القرارات الاستثمارية، وهي حقيقة من غير المرجح أن تتغير، سيكون من السهل على سوريا جذب الاستثمار منها طالما تعتقد الصين أن المشاريع قابلة للحياة اقتصاديًا. وسيتعين على حكومة "الأسد" الموازنة بين حاجتها الرئيسية إلى رأس مال خارجي لتزويد هذه المشروعات بالتمويل، وبين الوقوع ضحية لميول الصين إلى استخدام الديون كأداة للحصول على ملكية الأصول الاستراتيجية للبلدان الأكثر فقراً.

في الأراضي التي تسيطر عليها القوات الكردية، هناك فرصة كبيرة للجهات الفاعلة والمستثمرين الخارجيين. في عام 2017، سيطرت القوات المدعومة من الولايات المتحدة على حقل العُمر النفطي من "داعش". وتعد هذه المنطقة واحدة من المناطق الكثيرة في محافظة دير الزور الغنية بالنفط، والتي أصبحت الآن تحت سيطرتها. قد تكون هناك فرصة للشركات الخارجية للمساعدة في استخراج النفط وتطوير المصافي وإعادة بناء خطوط الأنابيب والبنية التحتية للنقل التالفة.

يمكن للشركات الأجنبية أيضا أن تلعب دورا رئيسيا في القطاع الزراعي. تكبدت محافظات الحسكة والرقة ودير الزور خسائر فادحة في المحاصيل السنوية، مثل القمح والقطن والشعير والتوابل وغيرها. ولهذا، يحتاج الناس في هذه المناطق إلى علاقات خارجية لتطوير البنية التحتية الزراعية. سيسمح ذلك بزيادة مبيعات الأسمدة والمبيدات الحشرية وما إلى ذلك وزيادة الإنتاج. كما أنهم بحاجة إلى الشركات لإعادة بناء شبكات الري الخاصة بهم بكفاءة أكبر وتعليمهم أساليب أكثر كفاءة للحفاظ على الزراعة. وستكون هناك أيضًا حاجة كبيرة للمؤسسات أو الكيانات التي ترغب في تمويل هذه المشاريع.

الاستنتاج

مع ذلك، فإن هذه الفرص في مجال الطاقة والزراعة تأتي مصحوبة بمستويات عالية من المخاطر. تسبب عدم ارتياح إدارة "ترامب" حول انسحاب القوات من المنطقة في حالة من عدم اليقين. علاوة على ذلك، يتعين على الشركات الأجنبية التفكير في تعليق الاستثمار على المدى المتوسط ​​والطويل في المنطقة، وسيكون هذا إلى أن تتوصل القوات الكردية ونظام "الأسد" إلى اتفاق حول نوع من الحكم والتعاون. ويمكن أن تكون النتيجة المحتملة، هي نتيجة مماثلة للحكم الذاتي المقدم للأكراد في العراق.

تقدم البلاد المختلفة فرصًا محدودة للمشاركة، ولا تزال سوريا مكانًا محفوفًا بالمخاطر لممارسة الأعمال التجارية. وسيناقش الجزء الثاني من هذه السلسلة، مسألة تقييم كيفية تأثير التطورات المحتملة على جار مهم، هو الأردن.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات