ديفيد غرابر: حلفاء الولايات المتحدة الكرد يواجهون خطر محوهم على يد "الناتو"

الأحد 03-02-2019 | AM 11:01 صورة أرشيفية

ديفيد غرابر

يُنظر إلى تركيا على أنها العدو المهلك للكرد، لكنها تستخدم الدبابات الألمانية والمروحيات البريطانية: هذا عار وفضيحة عالمية. هل تذكرون تلك القوات الكردية المقدامة المُحببة التي دافعت ببطولة عن مدينة "كوباني" السورية من "داعش"؟ إنهم يواجهون حاليا خطر القضاء عليهم على يد حلف الناتو.

إن منطقة "روج آفا" الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي في شمال شرق سوريا، والتي تشمل "كوباني"، تواجه خطر الغزو، حيث يحتشد جيش تابع لحلف الناتو على الحدود، ويقوم بتجميع كل قوة النيران الهائلة والمعدات عالية التقنية التي لا يمكن إلا للقوات العسكرية الأكثر تطوراً نشرها، كما يقول القائد الأعلى لتلك القوات إنه يريد إعادة "روج آفا" إلى "أصحابها الشرعيين" الذين يعتقد أنهم عربا وليسوا كرداً.

في الربيع الماضي، أدلى هذا الزعيم بتصريحات مماثلة حول المنطقة الكردية في أقصى غرب سوريا أي في عفرين. بعد ذلك، قام جيش الناتو ذاته، مستخدماً الدبابات الألمانية وطائرات الهليكوبتر البريطانية، وبدعم من آلاف المتعاونين الإسلاميين المتشددين، بالسيطرة على المنطقة. ووفقا لوكالات الأنباء الكردية، أدى الغزو إلى طرد أكثر من 100 ألف مدنيا كرديا من عفرين بالكامل. وبحسب ما ورد في التقارير، استخدموا الاغتصاب والتعذيب والقتل كوسيلة منهجية للإرهاب. عهد الإرهاب هذا استمر حتى يومنا هذا. وقد أقر آمر وقائد جيش الناتو هذا بأنه ينوي القيام في بقية شمال سوريا بنفس ما فعله مع عفرين.. وأنا أتحدث بالطبع عن الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي هو ديكتاتور تركيا الفعال على نحو متزايد. لكن من المهم التأكيد على أن هذه هي قوات الناتو. هذا لا يعني فقط أن هذه القوات مزودة بأحدث أنواع الاسلحة، بل يعني أيضا أن تلك الأسلحة يتم الاعتماد عليها وصيانتها من قبل أعضاء حلف الناتو الآخرين.

طائرات مقاتلة، وطائرات هليكوبتر حربية، حتى قوات بانزر (دبابات بانزر) الموردة من ألمانيا - كلها تتهالك بسرعة شديدة في ظل ظروف القتال. ويعمل الأشخاص الذين يقومون باستمرار بفحص وصيانة وإصلاح واستبدال وقطع الغيار كمقاولين يعملون لدى شركات أمريكية أو بريطانية أو ألمانية أو إيطالية. إن وجودهم أمر بالغ الأهمية لأن الميزة العسكرية التركية على "وحدات حماية الشعب" في شمال سوريا (YPG) و "وحدات حماية المرأة "(YPJ)، المدافعين عن كوباني التي تعهدت تركيا بتدميرها، تعتمد كليًا على خدمات هؤلاء المقاولين.

هذا لأنه، بغض النظر عن ميزته التكنولوجية، فإن الجيش التركي يعاني فوضى، لأن معظم ضباطه وحتى طياروه في السجن منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، ويديره الآن قادة يختارهم "أردوغان" بناء على الولاء السياسي بدلاً من الكفاءة. وعلى النقيض من ذلك، فإن المدافعين عن روج آفا هم من قدامى المحاربين المخضرمين. في معركة عادلة، لن تواجههم مشكلة بعد الآن في صد أي توغل تركي، أكثر مما واجهوا عندما طردوا الجهاديين المدعومين من تركيا في الماضي.

و"القتال العادل" يعني في هذه الحالة إمكانية وصول الكرد إلى الأسلحة المضادة للدبابات وأسلحة الدفاع الجوي، ولكن هذا ما وعدت إدارة "ترامب" تركيا بأنها لن تسمح به للكرد، وحتى تلك القوات التي كانت تعمل بشكل مباشر مع القوات الأمريكية والبريطانية لهزيمة داعش لم يكن يسمح لها بتلقي الأسلحة الدفاعية اللازمة لصد الهجمات الجوية التركية أو هجومها المدرع الذي سيستتبعه حتما، وما يمكن ان يحدث في عفرين من استخدام النابالم والقنابل العنقودية.

لكن في اللحظة التي يتم فيها سحب هذه القوات (الأمريكية)، فإن حلفاءهم السابقين سيكونون جالسون بلا حيلة، غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم ضد الأسلحة المتقدمة التي تساعد بريطانيا والولايات المتحدة نفسها على تقديمها إلى تركيا وصيانتها والحفاظ عليها.

عادة ما يعامل الإعلام الغربي تركيا على أنها نوع غريب من الدول المارقة التي وجهت موجات عنف دورية ضد المدنيين الكرد من خلال قصف وتدمير مدن الجنوب الشرقي الخاصة بهم في عام 2015، والتطهير العرقي المعلن من عفرين، والهجمات المستمرة على القرى في العراق، ولكن يجب تحملها خشية أن تكون متماشية مع أعداء آخرين مثل إيران أو روسيا. وبالمثل، يبدو أن النقاد والسياسيين يصرخون وينظرون في الاتجاه المعاكس لأن أردوغان يعتقل أو يسجن عشرات الآلاف من الناس، بمن فيهم المدرسون والصحفيون والبرلمانيون المنتخبون لقولهم أشياء لا يحبها، أو حتى عندما يصرح علناً بأنه "لا يمكن لأي أوروبي في أي جزء من العالم أن يمشي بأمان في الشوارع" إذا تحدى أردوغان".. لكن تركيا ليست دولة مارقة.. تركيا هي الناتو"، وجنودها يحرسون الجناح الشرقي لأوروبا، وتُتهم قوات الشرطة والأمن التابعة لها بوقف تدفق اللاجئين من حروب الشرق الأوسط إلى أوروبا، وهو ما ينطوي على نحو متزايد على إطلاق نيران المدافع الرشاشة على اللاجئين قرب الحدود، وهي خدمة تقدمها تركيا وتُدفع لها الملايين من عملة اليورو كتعويض مباشر.

فقط لأن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) تمكنت حكومتها من الامساك بالمقاتلين الكرد لحزب العمال الكردستاني، الذين يقاتلون من أجل الحكم الذاتي في جنوب شرق تركيا منذ التسعينات، وتمكنت تركيا من وضعهم على "قائمة الإرهاب الدولي" في عام 2004، وفي اللحظة التي تخلى فيها حزب العمال الكردستاني عن مطالبه بقيام دولة مستقلة وتوقف عن عملياته الهجومية وحاول الدخول في مفاوضات سلام. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التصنيف "الإرهابي" ينطبق بشكل شبه حصري على دول الناتو. ومن المؤكد أن حزب العمال الكردستاني ليس مدرجًا على قائمة المنظمات "الإرهابية" من قبل الأمم المتحدة أو الهند أو الصين أو حتى سويسرا.

ولأن تركيا هي الناتو، فعلى الصحافة الغربية أن تأخذ على محمل الجد مزاعمها الغريبة بأن تجربة الديمقراطية النسوية الجارية في روج آفا هي في حد ذاتها شكلاً من أشكال "الإرهاب".

ولأن تركيا هي حلف شمال الأطلسي، وحراس حدود أوروبا، فإن الولايات المتحدة والقوى الأوروبية قد بدت في الاتجاه الآخر أو حتى أعربت عن دعمها عندما نزل جيشها إلى منطقة عفرين المسالمة حتى الآن، في انتهاك لكل القانون الدولي. وكما فعل الجيش التركي، فقد أعلن أن تحركه لن يقتصر على تطهير عرقي للسكان الكرد ووضع حد لتجربتهم الخاصة بالديمقراطية النسوية، بل وأيضاً لاستخدام المنطقة لإعادة توطين عائلات المتمردين الإسلاميين الأكثر تطرفا والذين قد يقومون عوضا عن ذلك بالهجرة إلى أوروبا.

ولأن تركيا هي الناتو، تشعر الصحافة الغربية بأنها مضطرة للعب جنباً إلى جنب مع تمثيلية أنها عدو لداعش، على الرغم من الأدلة التي لا تنتهي على التعاون التركي النشط مع داعش، والحقيقة المعروفة لدى الجميع في المنطقة، أن الهجمات التي كانت تشنها تركيا ضد "داعش" في سوريا تتضمن إلى حد كبير رشاوى لقادة "داعش" لتبديل المواقف.

ونتيجة لذلك، فقد غادرنا المشهد الغريب لـ"القاعدة" السابقة و"داعش" الذين يعملون مع أردوغان، لنتجه إلى حرب ضد وحدات حماية الشعب يقوم بها قوة مرتزقة قوامها 100.000 شخص تابعين للرئيس التركي. بالإضافة إلى ذلك، فإن رجالاً مثل سيف أبوبكر، الذي كان قائدًا داعشيا عندما كانت تنفذ مذبحة الملهى الليلي الشهيرة في باريس، هم الآن قادة في الجيش السوري الحر المدعوم من قبل تركيا. من جانبه، حذر أبو بكر فرنسا ألا تتدخل في الخطط التركية لإطلاق قوات الناتو لتدمير أعداء داعش الكرد.

إذا كان كل هذا يصعب فهمه، فذلك يرجع جزئياً إلى أن الكثيرين منا - بمن فيهم العديد ممن يتوهمون أنفسهم "مناهضي الإمبريالية" - يبدو أنهم نسوا كيف تعمل الإمبراطوريات بالفعل. لم ترسل الإمبراطورية البريطانية القوات البريطانية إلى القتال في كثير من الأحيان. تقوم قوات الناتو بتسليح قوات الأمن وحليفتها الرسمية، تركيا، وتحشد قواتها، لتطير طائرات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتسيير دباباتها التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وتطلق النار على اللاجئين، بالطريقة نفسها التي تستخدم فيها تركيا قطعان تنظيم القاعدة وداعش للقيام بعملها القذر، من هجمات بموجات بشرية وعبر التطهير العرقي. لقد قمنا بإلقاء اللوم فقط على الارهابيين متناسين كفلاءهم، بنفس الطريقة التي وظفت فيها روما آلاريك القوطي، أو ما قامت به الولايات المتحدة مع أسامة بن لادن. ونحن نعرف مدى نجاح ذلك.

هناك بدائل، حيث يمكن للقوى الدولية أن ترفع الحظر الذي يفرضه حلف الناتو بحكم الأمر الواقع والذي يمنع القوى التي هزمت داعش من الدفاع عن نفسها. هناك دعوات لمنطقة حظر طيران دولية، ويفضل أن يكون ذلك قائما على سلطة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي تفرضه دولة أخرى غير الولايات المتحدة - ربما فرنسا، أو حتى روسيا. سيسمح هذا أيضًا لوحدات حماية الشعب وحماية المرأة YPG / J  بالقتال على قدم المساواة، مدافعين عن "روج آفا" وقادرون تمامًا على صد الجيش التركي إذا تم تحييد الميزة التقنية العالية للجيش.

على المدى الطويل، تحتاج الحكومة التركية إلى التوقف عن الرد على أولئك الذين لديهم رؤية مختلفة عن كيفية عيش الحياة بمحاولة قتلهم، والعودة إلى طاولة السلام. ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لسوريا، حيث يمكن أن يكون النموذج اللامركزي في روج آفا مفتاح لحل الصراع.

لكن في الوقت الراهن، نحن بحاجة إلى استجابة عاجلة للمخاطر التي يواجهها الكرد في روج آفا.. حيث يزداد الوضع خطورة يوما بعد يوم، ومن المحتمل جدا أن يقوم الناتو قريبا بواحدة من أسوأ مذابح الإبادة الجماعية في القرن الواحد والعشرين.

-----

*ديفيد غرابر: عالم أمريكي وأستاذ الأنثروبولوجيا في كلية لندن للاقتصاد، ومؤلف كتاب "الديون: أول 5000 سنة". شارك في حركة العدل العالمية و"احتلوا وول ستريت"، وقد قيل عنه أنه أفضل مُنظّر أنثروبولوجي في جيله في أي مكان في العالم.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات