حول اندماج المسلمين في ألمانيا!

الثلاثاء 29-01-2019 | PM 05:07 حامد عبدالصمد - صورة أرشيفية

حامد عبدالصمد*

أنا موجود في هذه الندوة بسبب إيماني الكامل بثقافة الحوار، ولأني لست راضيا عن تعامل وسائل الإعلام مع الكاتب تيلو ساراتسين. لقد وجدت في كتاب ساراتسين المنشور عام 2010 فرصة جيدة لإطلاق حوار حر عن المشاكل الحقيقية التي تواجه عملية الاندماج في هذه البلاد. وجدت فيه فرصة للتحليل العلمي والفكري، وليس للمحاكمة والحكم على النوايا، مثلما فعلت العديد من وسائل الإعلام الألمانية التي رفعت أصابع الاتهام بدل اخضاع الأفكار للحوار والنقاش، وذلك لاعتقاد البعض في ضرورة أن يقدموا أنفسهم كأطراف "جيدة ومتسامحة"، وتقديم أصحاب الرأي المخالف كأطراف "غير متسامحة" و"عنصرية" تهدف للتثوير والشحن لا أكثر. وبهذا التصرف خسرت ثقافة الحوار إحدى أهم أسسها، ألا وهي حرية التعبير والقول على أرضية النقاش المفتوح الحر للجميع. تلك الثقافة التي تحتاجها البلاد ويحتاجها المجتمع الآن، ولا غنى عنها لأنها ضرورية جدا. ولكن هل يعني هذا اني متفق مع الكاتب ساراتسين في كل ما يطرحه؟. طبعا لا. أنا لست متفقا معه في كل شيء، ولدي اعتراضات ونقاط نقد على العديد من أفكاره ورؤاه، ولذلك أنا موجود في هذه الندوة معه.

بالنسبة لي أنا مع حرية التعبير والنقد لأي طرف كان. أنا مع حق كل أنسان أن يتقدم إلى شخص ما وينتقد أفكاره وآراءه، دون التعرض لكرامته طبعا أو وسمه بصفات مثل "عنصري" أو "محرض". أنا احلل القضية من جوانب عدة، وليس فقط من جانب واحد وهو الاقتصاد. طبعا الجانب الاقتصادي في التحليل والاشارة إلى المشاكل الموجودة، مهم ولديه حججه. والجوانب الأخرى كذلك مهمة ولديها حججها وما تقدمه من أسانيد وأدلة. وثمة طبعا قراءات أخرى للقضية، وكلها لديها أدلتها وحججها. والكل لديه الحق في التعبير وطرح ما لديه على طاولة النقاش الحر بدون قيود أو شروط. يجب أن يجري النقاش بدون مواقف مسبقة. بدون عواطف. بدون غضب وبدون لامبالاة.المشاكل حقيقية وموجودة، وهي تتنامى أكثر من القدرة الاستيعابية المنوط بها الحل.

أشارك في الرأي الذي يقول بأن العالم الاسلامي لديه مشاكل كبيرة، وهناك تأخر ومعاناة وتردي كبير، وهذا ينعكس على قضية الاندماج لملايين المسلمين الموجودين في ألمانيا. الكتب التي ألفتها كلها تتكلم عن مشاكل العالم الإسلامي في التعليم، وحقوق الانسان، وحقوق المرأة، والقدرة على الابداع والابتكار والانتاج. وقلت بأن المسلمين القادمين إلى ألمانيا لم يتركوا إرثهم خلفهم، بل أتوا بكل هذا الإرث معهم إلى هذه البلاد. والأكثر من هذا فإن الإرث الديني والخصوصية الثقافية والتراثية تكتسب هنا في "الغربة" أهمية خاصة، وتحتل موقعا متميزا في أولويات الانسان المسلم المهاجر. فالدين هنا لا يصبح شأنا خاضعا للنقاش والمراجعة، بل حالة هوياتية ذات خصوصيةتحتاج إلى الحماية والعناية. وهنا تستوقفني نقطة، وهي إنه في الوقت الحالي الذي تنفتح فيه بعض أجزاء العالم الإسلامي على النقد والمراجعة، فإننا نشهد هنا تراجعا في "نقد الأديان". فكتابي عن (الفاشية الاسلامية) سوف يٌنشر في الاسبوع القادم باللغة العربية في القاهرة. هذا تطور وتقدم لم يكن أحد يتوقعه قبل عشرة سنوات. والسبب برأيي هو حدوث تطورين في العالم الإسلامي وضعا الدين الإسلام تحت المساءلة والنقد، وبشكل خاص رجال الدين والمفسرين ذوو السلطة والسلطان. وجعل الكثيرين من المسلمين يفكرون بمراجعة موقفهم من قضية نقد الدين ومراجعة الإرث الديني: أولا: مشاهدة المسلمين لتنظيم "داعش" وهو يرتكب الجرائم والعنف الهائل ضد المختلفين معه، والتساؤل الحاسم: هل هذا هو الإسلام الذي يمكنني أن اعرّف نفسي به ومن خلاله؟. وهل يجب أن أبقى اؤمن بمثل هذه الافكار فيما لو ثبت صحتها من الدين؟. وقد حدثت تطورات في السنوات الخمسة الأخيرة في العديد من المجتمعات العربية، الظاهر منها فقط جزء يسير، وتتمثل في تزايد واضح ومضطرد في أعداد الملحدين. فعدد الملحدين يتضاعف من شهر لآخر.

لدي قناة مرئية على موقع (يوتوب)، انشر فيها كل آرائي وأفكاري النقديةباللغة العربية. وهذه القناة يتم مشاهدتها من قبل الملايين، ويجري على ضوئها حوار ونقاش مهم ومثمر، وهو الأمر الذي نفتقده هنا في ألمانيا. لقد تم دعوتي إلى المغرب من قبل جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وذلك لتقديم سلسلة من المحاضرات في التنوير ونقد الدين، وتابعتني وسائل الإعلام وجمهرة كبيرة من السياسيين والمثقفين، وكتبت الصحف عني تصفني ب"التنويري حامد عبد الصمد". في ألمانيا يسمونني "كاره الإسلام" و"المحرض". المفارقة هنا: في العالم الإسلامي يقوم جيل تنويري ـ طبعا ليس في كل مكان، وليس بأغلبية ساحقة ـ إذ انه لا يزال اقلية، لكنه موجود ويناقش الدين ويخضعه للنقد، متساءلا عن أسباب التخلف و دور رجال الدين المتحكمين بكل شيء، والذين ساهموا في تأخر البلاد الإسلامية،وفرض ثقافة المنع والمصادرة والتحريم في الكثير من شؤون الحياة.

الوضع مغاير في ألمانيا تماما. الاندماج فشل. ولكي ينجح هذا الاندماج برأيي نحتاج لأربعة عوامل: نحتاج إلى سياسة اندماج متينة وواضحة المعالم: عمل، تعليم..الخ. والبحث في ملاءمة كل فرد للحقل الذي يختاره من الاندماج. وعلينا أن نتابع الاحصائيات العلمية التي تخبرنا عن عملية الاندماج وكيفية سيرها. فالاحصائيات الصادرة من وزارة العمل تقول بأن 43% من المعتاشين على المساعدات الاجتماعية هم من أصول مهاجرة. طبعا نحن نعرف بأن الاغلبية الساحقة من هؤلاء هم من مواطني الدول العربية وتركيا. وهذا يعني بأن عملية الاندماج فشلت. فالهجرة تعني أن يتم استقبال مهاجرين قادرين على العمل والاعتماد على أنفسهم، ومن ثم المساهمة في إمداد صندوق الدولة بالأموال والضرائب. ونظام الضمان الاجتماعي أنشئأصلا لرعاية المواطنين الذي يمرون بأوضاع وأزمات مالية طارئة، من غير القادرين على الايفاء بمتطلبات حياتهم، وطبعا لفترة محددة وليست دائمة. فليس من طبيعة الانسان الجلوس في المنزل دون عمل، والاكتفاء بمساعدات الضمان الاجتماعي، ثم يسلك أبناءه وأبناء أبناءه نفس هذا السلوك، فيكونون طول حياتهم من متلقي المساعدات الاجتماعية، ويضطر نظام المساعدات الاجتماعي ايضا إلى الرضوخ لمثل هذه الحالة وقبول الأمر الواقع دون محاسبة وتدقيق. هذا أمر غير صحي وغير سوي تماما. والسؤال هنا هل الإسلام هو المسؤول عن خلق مثل هذه الحالة، أم القوانين والاجراءات الحالية التي تسمح بظهور واستمرار مثل هذه الحالات؟.

هناك أعداد كبيرة من المسلمين الذين يعيشون في الإمارات وعمان، مثالا، حيث القوانين والاجراءات الصارمة التي من الواجب اتباعها حتى لا يفقد المهاجر إلى هناك عمله واقامته. والمهاجر يلتزم بتلك القوانين خوفا من فقدان العمل والاقامة. ونحن في المانيا نعاني من فقدان الاجراءات والاشتراطاتالتي تلزم المهاجر بالاندماج والعمل والمساهمة. وكذلك ليس ثمة من شروط واضحة فيما يخص قضية نقد الاسلام كدين وتعليمات. فهناك تصور خاطئ بأن المسلمين يهاجرون إلى الغرب تاركين مشاكلهم وخلافاتهم التراثية والدينية وراءهم. وهذا غير صحيح تماما. المشاكل والخلافات والنزاعات تأتي مع المهاجرين إلى الغرب. كذلك يحتفظ المهاجر بعقليته والذهنية التي تربى عليها في مجتمعه والقيم التي تشربها هناك. والأمر يتوقف طبعا على مدى تصرف الدولة مع هؤلاء الناس. ماهية القوانين والاشتراطات التي سيتم من خلالها التعامل مع هؤلاء. نوعية العقوبات والاجراءات الرادعة التي ستهددهم في حال رفضهم الامتثال لقوانين وطبيعة حياة المجتمع المضيف. القصور الكبير، برأيي، هو وجود حزمة كبيرة من الحقوق والعروض والمغريات والحوافز التي تقدمها الدولة من جهتها للمهاجر، دون وجود اشتراطات وواجبات واضحة تنتظرها هذه الدولة من المهاجر. نحن نعرف ماذا نقدم للشخص المهاجر الآتي إلينا، ولكننا لا نعرف ماذا نطلب منه. ماذا عليه هو ان يقدم لهذا المجتمع. ما المساهمات المطلوبة منه والواجبات التي تقع على عاتقه القيام بها. هذه هي المشكلة الكبرى في موضوعة الهجرة والتعامل معها. والسياسة مدعوة للنظر في هذه الفجوة. إذما استمرت الأوضاع على هذه الحال ودام الخلل الواضح في سياسة الاندماج، فإن السيناريوهات التي يحذر منها تيلو ساراتسين في كتبه قد تصبح في وقت ما واقعا معاشا.

لدينا مشاكل مع الاندماج كآلية، ومع الاندماج كثقافة. نحن لدينا قوى اليسار والماركسيين الذين يفسرون كل الظواهر تفسيرا اقتصاديا طبقيا، ومن ثم يبحثون لها عن حلول اقتصادية وتنموية تجسر الفجوات بين الطبقات. لكن المشاكل الناتجة من بعض فئات المهاجرين في حالتنا هذه تتعدى الفروقات الاقتصادية. فالفيتناميون المهاجرون إلى أميركا وأوروبا لديهم نفس المشاكل الاقتصادية، وجاؤوا من مجتمعات متخلفة ونامية. الأغلبية لم تكن متعلمة ولا تحمل شهادات ومهارات مهنية. لكن هؤلاء نجحوا، وعلى مدار جيلين فقط،في الاندماج. الآن مستوى التعليم لديهم كبير ونسبة البطالة بينهم منخفضة أيضا. نسبة تواجدهم في سوق العمل أكثر بكثير من نسبة حضور المهاجرين الآتين من البلاد العربية وتركيا. وهنا تلعب الثقافة دورا كبيرا في انجاج عملية الاندماج. فإذا كانت ثقافتي تجد في نفسها البديل الحضاري عن ثقافة وطريقة حياة الغرب، فمن الطبيعي ان يتم الرفض للأندماج في مجتمع الغرب هذا. عندما يقول أردوغان لأتباعه هنا بأن الوقت الذي ستحكمون فيه أوروبا وتعيدون فيه إحياء السلطنة العثمانية آت لا محال، فكيف من الممكن أو المتوقع أن يندمج هؤلاء الناس في ثقافة ومجتمع يسعون هم ويرغبون في إزالته وإنهاءه والحيلولة مكانه؟. ومن هنا فقد فشل الاندماج ثقافيا، لكن طبعا ليس بشكل شامل وفي جميع الحالات، ثمة استثناءات هنا وهناك. لكن الواضح بأن الاندماج فشل في حالة المهاجرين القادمين من مجتمعات الاسلام، وهذا الأمر واضح في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وغيرها.

ثمة مشاكل أيضا تتعلق بالعاطفة. أي الاندماج العاطفي والحسي. وهذا أمر لا يمكن التأثير فيه وتغييره، بخلاف الاندماج كآلية، حيث تستطيع الدولة أن تغير وتحدث فيه الكثير. والاندماج الثقافي، حيث يمكن التأثير فيه عبر نظام تعليمي واضح ومدروس. وتعود بعض الأسباب وراء عدم نجاح الاندماج العاطفي، إلى عوامل خاص داخل المجتمع المضيف، وإلى نظرة هذا المجتمع إلى نفسه وإلى الاندماج وإلى الدولة كلها. سأروي لكم قصة قصيرة هنا: في عام 1995 عندما وصلت إلى المانيا، هاجر صديق لي إلى الولايات المتحدة الأميركية. في غضون خمسة أعوام حاز صديقي على الجنسية الأميركية، وعلق علم الولايات المتحدة الأميركية في شرفة منزله، معتبرا نفسه مواطنا اميركا، بينما كنت أنا أجلس مع الطلبة العرب في ألمانيا واشتم هذه البلاد. النذر القليل من الألمان الذين كنت احتك بهم لم يكن لديهم أي حس وطني. الكثير منهم كانوا يخجلون لكونهم مواطنين ألمان. الكثير منهم كانوا يعتذرون مني على مشاكل لم يكن لهم يد فيها: مثل الاستعمار، والتأخر الذي نال الشرق. وهؤلاء الناس، وأغلبهم كان من خلفيات يسارية، كانوا يعتقدون انهم بمثل هذا التصرف يقدمون أنفسهم كأناس جيدين،متسامحين، غير متعصبين. ولكن هذا الاجراء كان يوصل إلينا نحن القادمين بمحض إرادتنا إلى هذه البلاد، تصورا يقول بأننا محقون في رفضنا الاندماج والاصرار على التمسك بخصوصيتنا. ثمة حساسية مفرطة كانت تنشئ لدينا بالشعور بالاهانة لو طلب احدهم منا الاندماج أو الالتزام هنا. نحن القادمون مع كل ما نحمله من تراث فيه الكثير من النظرة المسبقة، نصطدم بأناس هنا يعتذرون لنا عن أمور لا علاقة لهم بها. ومن هنا نشأشعور بضرورة أن يقدم هذا الغرب لنا التعويض عما فعله بحقنا. شعور يشرعن ثقافة المطالبة وانتظار تقديم الخدمة، اعتمادا على الاصل الاثني والديني والمكان الجغرافي الذي جاء منه المهاجر، ويلزم المجتمع المضيف بتقديم كل شيء تكفيرا عما ارتكبه سابقا من ذنب!. ومن هنا كان الخطأ. وهو خطأ تكوّن وتبلوّر بشكل أوضح بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حيث ظهرت آراء تقول بأن المطلوب هو تقديم المزيد من الحوافز والامتيازات للمسلمين، واظهار تسامح أكثر مع الاسلام ورفض وتآثيم نقده، من أجل ابعاد المسلمين عن التطرف ومنح مساحة اكبر لهم للاندماج. وتوطد هنا الحديث عن "التعددية" و"التنوع" دون خلق الأسس لنجاح مثل هذه العملية.

مع ذلك فأنا لست متشائما. أنا أؤمن بالأنسان وبقدرته على الفهم والتغيير والمراجعة. أنظر إلى تجربتي وكيف أنا تغيرت منذ خمسة وعشرين عاما. أين كنت في ذلك الحين فكرا وحسا وتوجها، وأين أنا الآن. قبل خمسة وعشرين عاما كنت اتظاهر في شوارع القاهرة مع تنظيم الاخوان المسلمين واصرخ: الموت لأميركا، الموت للغرب، والموت لإسرائيل. لقد كنت مليئا بالحقد والغضب. لكني حظوت بفرصة كبيرة، وهي القدوم إلى ألمانيا والنظر إلى العالم بعيون أخرى، ومن وجهة نظر مختلفة. حظيت بفرصة لدراسة تاريخ هذه البلاد ومعرفة ماذا فعل الحقد، وما فعلته الكراهية بالبشر، وما تسببت به من اهوال وموت. أطلعت على حقيقة كيف تنشر الكراهية المرض في نفس البشر، كيف تصادر منهم انسانيتهم وتحولهم إلى وحوش. الحقد نشر السم في نفس البشر، وأنا حصلت على فرصة لكي أنزع بنفسي السم من نفسي وروحي. تعلمت أن النقد، ونقد الدين بشكل خاص، من أهم منجزات التنوير الانساني. تعلمت أن انزع كل آرائي وأفكاري المسبقة واقف بتجرد وموضوعية أمام تراثي وديني عندما ارغب في اخضاعه للنقد والمراجعة. وبهذا شعرب بالتحرر والاستقلالية. انا وبلدي وديني وحزبي لسنا كلا واحدا. أستطيع ان اقف في مواجهتهم، وان امارس النقد ازائهم. ومن مثل هذا التصور تعيش الديمقراطية الحقيقية وتتقوى. لقد تعلمت ذلك هنا. وهناك أعداد كبيرة من المسلمين الذين مروا بنفس هذه التجربة، وحصلوا على نفس هذه القناعة، وهم يؤمنون بالديمقراطية والنقد. لكن هؤلاء لا حضور لهم للأسف. والسبب هو السياسة الرسمية التي تمنح الفرصة والمنبر فقط لممثلي الإسلام السياسي، الذين تعودت الدولة على تقديهم كممثلين عن كل الجاليات المسلمة هنا. السياسة الرسمية تتمسك بجمعيات وشخصيات الإسلام السياسي، لأنها تعلم ارتباطاتهم في الخارج، وترغب في تعميق العلاقة الاقتصادية مع قطر والسعودية. السياسة الألمانية تهمها العلاقات الاقتصادية مع قطر والسعودية أكثر من مستقبل المواطنين وأبناء وأحفاد المواطنين هنا.

لكن رغم ذلك ثمة مياه راكدة تتحرك. من المهم مواصلة العمل من أجل التنوير واشاعة ثقافة النقد والمراجعة. لذلك أنشر الكتب وليس فقط بالألمانية والعربية، لكن أيضا تترجم كتبي إلى لغات كثيرة مثل الفارسية والكردية وغيرها. الأفكار الحرة تخرج للعلن وتطير من السجون. لا يوجد شعب او انسان يرغب العيش دائما في ظل الديكاتورية والقمع. نحن المسلمون، أو الأشخاص المنحدرون من تلك الثقافة، ومن تلك المنطقة، الشرق الأوسط، تقع على عاتقنا مهمة كبيرة وجسيمة وهي تقوية الديمقراطية والحوار وبث عقلية النقد بين أوساط الجماهير. علينا الاعتماد على النقاش الحر ونبذ التطرف والعنف واخضاع كل شيء، مهما كان مقدسا، للنقد والمراجعة. هذه مهمتنا نحن وواجبنا نحن. الغرب يستيطع هنا أن يلعب دورا صغيرا، وهو ان يكف عن دعم منظمات الإسلام السياسي وتأهيلها واعتبارها جهة صاحب شأن حينما يتعلق الأمر بالمسلمين وبكيفية ادماجهم في المجتمعات الغربية. والديمقراطية هنا في الغرب عليها أن تطور آليات لحماية نفسها ضد الأشخاص والجهات الذين ينشرون خطاب الكراهية والاقصاء، سواء كان هؤلاء مسلمون أو مواطنين ألمان أصليين. الكراهية تنشر السموم في أجساد الجميع. يجب التصدي لها بالعقل ونشر ثقافة الحوار والمصراحة، وبآليات قانونية مثبتة تحمي الديمقراطية وتصد وتضعف كل أعداءها.

——

*حامد عبدالصمد: كاتب ومؤلف ألماني من أصل مصري. له العديد من الكتب في حقول الإسلام السياسي والاندماج. وقد ألقيت هذه الكلمة في ندوة في مدينة  (دريسدن) الألمانية في 17/01/2019 م، شارك فيها الكاتب مع المفكر الألماني المثير للجدل تيلو ساراتسين حول الإسلام السياسي والغرب وكيفية دمج المسلمين في المجتمع الألماني.

*الترجمة من اللغة الألمانية: المركز الكردي للدراسات. 

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات