"فورين آفيرز": طريق "ترامب" للخروج من سوريا هو صفقة مع روسيا

الخميس 10-01-2019 | AM 11:11 صورة أرشيفية

إيلان كولدين بيرغ ونيكولاس هيراس | فورين آفيرز

 

إن قرار الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا هو قرار خاطئ، ولكن إذا أصر على المضي قدما في ذلك، فإن أفضل خيار للولايات المتحدة هو أن تفعل ما بوسعها لضمان أن "موسكو" -وليس "أنقرة" أو "طهران"- ستحل محلها في نهاية المطاف، وتفاوض على تسوية سياسية تمنع صراعا جديدا في شرق سوريا. لطالما طالبنا بمشاركة أكبر للولايات المتحدة في سوريا، لذلك نجد أن هذا النهج غير فعال، ولكن في ضوء قرار "ترامب"، فإن هذه هي أفضل طريقة لتجنب المزيد من الصراع، ومنع "داعش" من إعادة استجماع قوته، والحد من نفوذ إيران في شرق سوريا.

مخاطر الانسحاب

إن انسحاب القوات الأمريكية من شرق سوريا سيتسبب في خلق فراغ أمني يمكن "داعش" من إعادة تشكيل نفسه، خاصة إذا اشتعل القتال مرة أخرى. سوف تتخلى الولايات المتحدة عن أفضل شريك محلي لها في الحملة ضد "داعش"، وهو قوات سوريا الديمقراطية، والتي يتوقع القادة الأمريكيون أنها ستستقر في شرق سوريا بعد هزيمة "داعش". ومن المرجح أن تنتهز إيران الفرصة لتعزيز خطوط الإمداد في جميع أنحاء الشرق وتعزيز مخزونات الصواريخ التي تقوم بتأهيلها في غرب سوريا. من خلال الابتعاد عن منطقة تشكل حوالي ثلث البلاد، وهي منطقة تحتوي على بعض أهم مواردها المنتجة للكهرباء وأهم احتياطياتها من المياه والنفط والقمح، فإن الولايات المتحدة ستتخلى عن أكبر قدر من النفوذ في أي مفاوضات حول الشكل النهائي للبلاد.

حتى إذا غيّر "ترامب" رأيه، وتخلى عن قرارالانسحاب، فإن الضرر الذي لحق بالموقف الأمريكي في سوريا كان سيحدث. إن الجهات الإقليمية المختلفة، بما فيها أقرب الشركاء العرب للولايات المتحدة، يتصرفون بالفعل كما لو أن الأمريكيين قد غادروا. وبالنظر إلى هذه الحقيقة، فإن السؤال الوحيد المطروح هو كيفية حماية مصالح الولايات المتحدة على أفضل وجه.

يجب أن يركز صانعو السياسة في الولايات المتحدة على ضمان انتقال سلمي في شرق سوريا. إذا أدى الانسحاب إلى تجدد النزاع بين تركيا وأعضاء قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة الشمالية الشرقية، أو بين العناصر السنية في قوات سوريا الديمقراطية وقوات الرئيس السوري بشار الأسد في الجنوب الشرقي، فإن النتائج ستكون مدمرة. وبهذا الشكل، سيزدهر عناصر "داعش" الباقون في وادي نهر الفرات الأوسط في جنوب شرق سوريا وفي المناطق المجاورة في غرب العراق. الصراع سيسبب المزيد من البؤس للمدنيين ويدفع المزيد من الناس إلى الأردن والعراق وتركيا وسوريا التي تسيطر عليها الحكومة.

إن أفضل خيارات الولايات المتحدة الهزيلة، هي تشجيع التوصل إلى اتفاق سياسي بين "الأسد" وقوات سوريا الديمقراطية وإيران وروسيا وتركيا، لكن صانعي السياسة في الولايات المتحدة يجب أن يكونوا واقعيين بشأن حدود نفوذهم بمجرد أن يتم الانسحاب على قدم وساق.

ولأن تركيا عضو في حلف الناتو، فقد يبدو أنها أفضل شريك للحفاظ على الاستقرار في شمال وشرق سوريا، لكن هذا احتمال غير واقعي. على الرغم من وعد الرئيس رجب طيب أردوغان إلى "ترامب" بأنه سيحارب "داعش"، فإن أي جهد من جانب تركيا للسيطرة على أجزاء من شرق سوريا سيكون مدفوعًا بالكامل برغبتها في الحد من النفوذ الكردي، ومن المرجح أن يؤدي هذا إلى صراع متجدد. علاوة على ذلك، فإن عناصر "داعش" الباقية تستند في المقام الأول إلى وادي نهر الفرات الأوسط وغرب العراق، بعيداً عن الحدود التركية. الأتراك ليس لديهم الإرادة أو القدرة على القتال في أقصى الجنوب.

تقدم إيران خيارًا أسوأ من ذلك كشريك، حيث إن موقعها في غرب سوريا، منح الحرس الثوري وحزب الله القدرة على تهديد "تل أبيب" بضربات صاروخية. وقد ردت إسرائيل بغارات جوية استهدفت منشآت إيرانية في سوريا. في أعقاب الانسحاب الأمريكي، ستسعى إيران إلى الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي السورية ثم استخدامها للسيطرة على المنطقة الحدودية السورية العراقية ونقل الأسلحة والمقاتلين بين بغداد ودمشق. سيسمح ذلك بتوزيع القوات بشكل أكثر فعالية في بلاد الشام. وبالتأكيد، ستكون إيران مهتمة بشكل خاص بالاستيلاء على منطقة التنف الواقعة على الحدود السورية الأردنية، على طول الطريق من بغداد إلى دمشق، وهي المنطقة التي انتشرت فيها القوات الأمريكية في السنوات القليلة الماضية.

وبينما توسع إيران نفوذها في أعقاب الانسحاب الأمريكي، فإنها ستصعد التوترات مع إسرائيل. حتى الآن، لم يصعد أي من الطرفين إلى أبعد من الإضرابات المتبادلة، لكن وقوع حادث أو سوء تقدير قد يؤدي إلى نشوب صراع أكبر. وستزداد المخاطر إذا رأت إسرائيل أن إيران هي الرابح الأكبر في انسحاب الولايات المتحدة وتسعى إلى التعويض عن طريق تصعيد حملتها الجوية وجهودها السرية ضد الوكلاء الإيرانيين والبنية التحتية العسكرية في سوريا.

التحرك الأفضل

تركيا وإيران لا يمكنهما، ولن تبرمان معا، التوصل إلى تسوية سياسية في شرق سوريا. وهذا يترك روسيا كأفضل حل في سلسلة من الخيارات السيئة، حيث لا تريد الولايات المتحدة أن ترى صراعاً جديداً يمنح "داعش" فرصة لاستعادة وتأخير المساعدات الدولية لإعادة الإعمار في سوريا. كما تريد تجنب حرب كبيرة بين إسرائيل وإيران، الأمر الذي من شأنه أن يقوض جهوده لتعزيز انتصاره في سوريا. تعتمد إسرائيل والأردن ودول الخليج على روسيا لتوفير قدر من الاستقرار، و"موسكو" لا تريد التخلص من هذا الوضع.

سيتعين على روسيا وتركيا و"الأسد" وقوات سوريا الديمقراطية التوصل إلى اتفاق ما في شمال وشرق سوريا. تتفاوض العناصر الكردية لقوات سوريا الديمقراطية بالفعل مع حكومة "الأسد"، ومن المرجح أن تكون أكثر رغبة في العودة تحت مظلتها بدلاً من قتال القوات المدعومة من تركيا. ستقلق تركيا من أن أي اتفاق سيخلق ملاذاً آمناً لحزب العمال الكردستاني في شرق سوريا. روسيا في وضع أفضل لمنع هذا، حيث إن الأتراك يضعون ثقة قليلة في "الأسد". يجب على الولايات المتحدة أيضا استخدام علاقتها مع تركيا للحث على ضبط النفس.

في وادي نهر الفرات الأوسط، حيث قامت روسيا بنشر قوات خاصة ومتعاقدين عسكريين خاصين، تحتفظ القوات الروسية والأمريكية بقناة اتصالات مباشرة لمنع تصاعد الحوادث العسكرية. يجب على البلدين استخدام هذه القناة لتنسيق التسليم السلمي للأراضي. كجزء من هذا الجهد، ينبغي على الولايات المتحدة أن تتبادل المعلومات مع روسيا حول ما تبقى من الأراضي التي تحتلها "داعش" في هذه المنطقة، وأن تطلب من "موسكو" إعطاء الأولوية لاستعادة تلك المنطقة ومنع عودة ظهور "داعش".

سوف تتخلى الولايات المتحدة عن الكثير من النفوذ الذي قد تستخدمه لاحتواء النفوذ الإيراني إذا ما انسحبت، ولكن لا تزال هناك أشياء يمكن أن تفعلها. يجب على الدبلوماسيين الأمريكيين دعم جهود إسرائيل لمجابهة إيران من خلال إضرابات محدودة في سوريا. يجب أن يحفز ذلك روسيا على إيجاد حل مقبول لإسرائيل من أجل تجنب اندلاع صراع هائل جديد يمكن أن يقوض موقع روسيا في سوريا. يجب على الولايات المتحدة التخلي عن الانسحاب من وادي نهر الفرات الأوسط والتنف، وهو الجزء الأكثر أهمية في شرق سوريا بالنسبة إلى إيران، ويجب كذلك أن تضغط على روسيا للالتزام بإبعاد مقاتلي "حزب الله" عن الحدود الأردنية وتشجيع الإسرائيليين والأردنيين على تكرار هذه النقطة مع الروس. يجب أن يكون الأردن متجاوبًا بشكل خاص، حيث إن التنف قريبة جدًا من الحدود الشرقية للأردن.

بإعلانه عن انسحاب أمريكي متسرع ثم إرسال إشارات مربكة ومتناقضة، ما يوحي بأن الرئيس ومستشارا للأمن القومي لا يسيران في نفس الاتجاه، فإن "ترامب" قد قلل بشكل كبير من نفوذ الولايات المتحدة، لذا فإن النهج الذي نوصي به سيكون له تأثير محدود. في أحسن الأحوال، ليس لدى روسيا نفس الدافع أو القدرة على محاربة "داعش" مثلما تفعل الولايات المتحدة. وقد تكون رغبة تركيا في القضاء على المعقل الكردي على حدودها قوية للغاية، وقد تفتقر روسيا إلى الالتزام تجاه قوات سوريا الديمقراطية، حيث ستقوم "موسكو" ببساطة بإبرام صفقة مع "أنقرة"، ما يسمح لتركيا بالسيطرة على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا. لا تريد روسيا أن تمتلك كل سوريا، كما أن لديها نفوذًا محدودًا فقط على إيران التي نشرت آلاف من مقاتلي حزب الله في سوريا ومن أفغانستان والعراق ولبنان وباكستان، وتعمل بنشاط على بناء قوات أمن سورية محلية موالية لـ"الأسد"، يشرف عليها فيلق الحرس الثوري الإسلامي. سوف تستولي إيران حتماً على الأراضي مع انسحاب الولايات المتحدة، والروس قد لا يكونون قادرين أو راغبين في إيقافها.

خلاصة القول، هي أن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا فكرة سيئة. إن الحفاظ على وجود أمريكي صغير لاحتواء شرق سوريا يحمي مصالح الولايات المتحدة، ما يضمن هزيمة "داعش" والحد من نفوذ إيران في سوريا بتكلفة معقولة. لكن إذا كان "ترامب" عازماً على الرحيل، فإن أفضل ما يستطيع مستشاريه القيام به هو الحد من الضرر باستخدام الأدوات الضئيلة المتاحة لهم، لتشجيع روسيا على إبقاء "داعش" تحت السيطرة واحتواء إيران.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات