"إيكونوميست": ماذا بعد الانسحاب الأمريكي من سوريا؟

السبت 05-01-2019 | PM 03:27 صورة أرشيفية

مجلة "إيكونوميست" البريطانية

لم يستغرق الأمر طويلاً حتى تشعر منطقة الشرق الأوسط بأكملها بقرار الانسحاب الأمريكي من سوريا. ابتهج النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون، بينما سارعت الدول العربية للمصالحة مع الرئيس السوري بشار الأسد، حيث ستناقش جامعة الدول العربية قريبا عودته إلى حظيرتها. وفي الوقت نفسه، حث حلفاء أمريكا الأكراد، بعد أن تعرضوا للخيانة، الرئيس السوري "الأسد" على مساعدتهم في صد الغزو التركي الذي يلوح في الأفق، أما إسرائيل فسارعت لاحتواء الضرر.

بتغريدة واحدة في 19 ديسمبر، قال فيها: "لقد هزمنا داعش في سوريا، وهذا هو السبب الوحيد لوجودنا هناك خلال رئاستي"، جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجغرافيا السياسية في المنطقة تترنح وكأنها عرض لطائرة ميكانيكية قديمة. وهذا يعني وجود تغييرات كبيرة: خروج أمريكي، انتصار لإيران وروسيا، وعودة سوريا وإعادة تمركز كل الأطراف الأخرى.

لقد أذهل قرار "ترامب" بسحب قوات الولايات المتحدة البالغ عددها 2000 جندي من شرق سوريا، الأصدقاء والأعداء على حد سواء، ولكن أكثر من تعرض لحالة الذهول تلك هم مبعوثيه إلى المنطقة. صحيح أنه في أبريل من العام الماضي، أعلن "ترامب" أن القوات الأمريكية ستغادر سوريا قريباً، لكن في سبتمبر/أيلول أعلنت إدارته أنها، في الواقع، ستبقى إلى أجل غير مسمى لضمان الهزيمة الدائمة لـ"داعش"، ومغادرة القوات الإيرانية والقوات الأجنبية الأخرى، وإنشاء حكومة مقبولة دوليًا. في عشية الاستحقاق الذي أطلقه "ترامب"، سخر جيمس جيفري مبعوثه الخاص إلى سوريا، من فكرة أن "الأسد" ربما ينتظر ببساطة أن تتخلى أمريكا عن هدفها وتغادر البلاد، قائلا: "أعتقد أنه إذا كانت هذه هي استراتيجيته، فسيكون عليه أن ينتظر طويلا"، ولكن في غضون أيام، استقال المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي لمواجهة "داعش" بريت ماكجورك.

يقول أحد الوزراء العرب بانفعال: "كان القرار مفاجأة كاملة. لكن المفاجأة ليست حقيقة أن أمريكا غيرت سياستها، فهذا هو التحول الخامس أو السادس في موقف أمريكا في سوريا". هل يغير "ترامب" رأيه مرة أخرى؟ في الثلاثين من ديسمبر/كانون الأول، بدأ السينارتور الجمهوري ليندسي غراهام، يقنع "ترامب" بخفض وتيرة الانسحاب، على أن يتم على مدار أربعة أشهر بدلاً من واحد. كانت إسرائيل والأردن أيضا تمارسان الضغط من أجل بقاء القوات الأمريكية في بعض المناطق، وخاصة قاعدة "التنف" في الجنوب.

يصور "ترامب" نفسه على أنه نقيض الرئيس السابق باراك أوباما. لقد مزق اتفاق سلفه النووي مع إيران وأعاد فرض العقوبات على نظامها الديني، وعانق المملكة العربية السعودية واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. في حين تردد "أوباما" في اتخاذ إجراء عسكري ضد "الأسد" لاستخدامه الأسلحة الكيميائية في عام 2013، استهدفت صواريخ "ترامب" من طراز "كروز" القواعد السورية.

ومع ذلك، قد يكون "ترامب" أشبه بـ"أوباما" أكثر مما يعترف به، خاصة في رغبته في الحد من تورط أمريكا في الشرق الأوسط، حيث عانى الرؤساء من الكثير من الإخفاقات وقلة النجاحات. فيما يتعلق بسوريا، يقول "ترامب" بوضوح ما ردده "أوباما" بنوع من التردد: لا توجد لأمريكا مصالح حيوية هناك. يقول فيليب جوردون الخبير بمجلس الشؤون الخارجية، وهو مؤسسة فكرية كانت مسؤولة عن صياغة سياسات الشرق الأوسط في عهد "أوباما": "هناك الكثير من التشابهات بين (ترامب) و(أوباما): نحن لا نملك الأجوبة على المشاكل المعقدة في الشرق الأوسط، ولا نرغب في خوض حرب كبرى لمحاولة حلها". ومع ذلك، يقول "جوردون" إن العملية الأمريكية في سوريا صغيرة نسبيًا وغير مكلفة، وأن طريقة "ترامب" المتهورة تسببت في الكثير من الضرر.

بالنسبة للكثيرين في "واشنطن"، فإن "ترامب" يلقي ببطاقات أمريكا دون فائدة، فهي تسيطر على آبار النفط التي تنتج 95٪ من نفط سوريا والكثير من الغاز هناك، وكذلك مياه الفرات، وأراضٍ زراعية رئيسية وخمس قواعد عسكرية كبيرة.

الخاسرون الفوريون هم أكراد سوريا، الذين يبدو حلمهم في إنشاء منطقة حكم ذاتي في سوريا عرضة للخطر. لقد أثبت مقاتلوهم، وحدات حماية الشعب، أنهم أكثر حلفاء الولايات المتحدة قدرة على القتال، حيث نجحوا في دفع الجهاديين بالعودة من الحدود التركية إلى الحدود العراقية. في المقابل، ساعد حضور الولايات المتحدة في حماية وحدات حماية الشعب من هجوم تركيا، التي تعتبرهم جزء من حزب العمال الكردستاني.

اجتاحت القوات التركية في العام الماضي منطقة "عفرين" الكردية غرب الفرات. وقد هدد الأتراك بالقيام بنفس الشيء إلى الشرق من النهر، حيث تنتشر معظم القوات الأمريكية. وجاء إعلان انسحاب "ترامب" بعد أن تحدث إلى رئيس تركيا رجب طيب أردوغان. ومن غير الواضح ما إذا كان "ترامب" يخشى حدوث صدام بين القوات الأمريكية والتركية، أو قبل تعهد "أردوغان" بتطهير ما تبقى من جيوب. وربما ساعدت عملية بيع صواريخ باتريوت الأمريكية الصنع في فهم الأمر، لكن أولوية "أردوغان" ستكون طرد المقاتلين الأكراد على حدود تركيا، وليس قتال التنظيم الذي لا يزال يمتلك آلاف المقاتلين إلى الجنوب. قد يمنح ذلك الجهاديين فرصة للظهور مرة أخرى، مثلما فعلوا بعد انسحاب "أوباما" من العراق في عام 2011.

أكبر فائز هو بلا شك الرئيس السوري بشار الأسد. في حرب أسفرت عن مقتل نحو 500 ألف شخص وتشريد حوالي 13 مليون نسمة، بدا "الأسد" على حافة الهزيمة في عام 2015، ولكن من خلال التكتيكات الوحشية -وبمساعدة من روسيا في الجو ومليشيات إيران والشيعة على الأرض- استعاد معظم أراضي بلاده، ويبدو أنه عازم على مواصلة القتال إلى أن يسترد جميع أراضيه.

لم تضيع وحدات حماية الشعب أي وقت لدعوة القوات السورية لدخول منطقة "منبج" لردع تركيا. على أي حال، يتعين على "أردوغان" أن يدرس أي إجراء ضد الأكراد. قد تقاوم روسيا وإيران أي محاولة من جانب تركيا لمساعدة بوتقة حلفائها من العرب السنة (الجهاديون المرتبطون بالقاعدة منخرطين معهم أيضا) لتمديد مناطق سيطرتهم والسيطرة على الحدود. يقول أويتون أورهان الخبير بمؤسسة "أورسام"، وهي مؤسسة فكرية في أنقرة: "سيتعين على تركيا توخي الحذر بشأن الخطوط الحمراء للجهة الأخرى"، حيث إن الفشل في القيام بذلك يمكن أن يعجل بهجوم سوري على إدلب، آخر معقل للمعارضة ضد "الأسد".

تتحول الدول العربية السنية من دعم المتمردين السنة إلى المصالحة مع "الأسد". في 16 ديسمبر، أصبح الرئيس السوداني عمر البشير أول رئيس دولة عربي يزور "دمشق" منذ ربيع عام 2011. وفي 27 ديسمبر، أعادت الإمارات افتتاح سفارتها في "دمشق". ومن المتوقع أن يناقش اجتماع للقادة العرب في "بيروت" في وقت لاحق من هذا الشهر دعوة "الأسد" إلى حضور قمة الجامعة العربية في تونس في مارس/آذار المقبل. وعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية لا تزال حذرة، فإن المسؤولين السوريين يرون الأمل في استبدال وزير الخارجية السعودي المتشدد عادل الجبير، بآخر معتدل هو إبراهيم العساف.

كما هو الحال مع إعادة انخراطهم في العراق، يأمل عرب الخليج أن العلاقات الدبلوماسية ستعطي مع الوقت سوريا سببا لتقليل اعتمادها على إيران -على الرغم من أن "الأسد" سيبقى مدينًا إلى الأبد لها في بقائه في الحكم. بعيدا عن كل شيء، فإن العرب مستاءون من أن مصير سوريا العربية يتم تحديده بشكل أساسي من قبل القوى غير العربية -روسيا وإيران وتركيا.

تحث إيران من جانبها القوات العراقية على المساعدة على ملء الفراغ الذي تركته أمريكا في سوريا، حيث قدم رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي دعما غير محدد، وكانت الطائرات العراقية قد ضُربت بالفعل جيوب في سوريا. إذا غادرت أمريكا سوريا بالكامل، فستتمكن إيران بسهولة من إنشاء جسر بري إلى لبنان، يكمل الجسر الجوي الذي يعمل الآن، لتزويد حليفها القوي "حزب الله".

بعد أن أنقذت "الأسد" وتمكنت من إعادة تأهيله، فإن روسيا تحل محل أمريكا باعتبارها وسيط القوة في المنطقة. ربما تكون روسيا قد عملت كقوة جوية لـ"المحور الشيعي"، ومع ذلك فإن لها علاقات قوية مع جميع الأطراف الفاعلة الرئيسية، بما في ذلك إسرائيل ودول الخليج. ويبدو أن استعدادها للوقوف إلى جانب أكثر حلفائها ذعرا يجعلها، بالنسبة لزعماء العرب السنة، أكثر موثوقية من أمريكا. عملت المملكة العربية السعودية عن كثب مع روسيا لتنسيق إنتاج النفط. ولا يمكن لأحد أن يغفل المصافحة الحارة في نوفمبر/تشرين الثاني بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

إسرائيل أيضا عادت إلى تأسيس علاقات ودودة مع روسيا. وقد التقى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو مراراً مع "بوتين" على أمل إغرائه بعيداً عن إيران، أو على الأقل ضمان أن إسرائيل يمكن أن تتصرف ضد إيران وحلفائها. وقد وعد "ترامب" بأن "نعتني بإسرائيل"، ثم أعرب عن انزعاجه من أن الإيرانيين يمكنهم "بكل صراحة فعل ما يريدون" في سوريا.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات