صورة العربي في الذاكرة الجماعية الكردية!

الخميس 03-01-2019 | AM 11:22 نواف خليل - مدير المركز الكردي للدراسات

نواف خليل

تناولت قبل أيام صورة الكردي لدى فئات من الكتاب والمثقفين العرب، ولكي أكمل ما بدأت به أرى من الأهمية بمكان أن أتحدث عن صورة العرب في الذاكرة الجماعية الكردية أو تقريب الصورة حتى وإن لم تكن كاملة. سأتحدث عن تجربتي الشخصية التي بدأت منذ يفاعتي مع الصحف التي توفرت في بيتنا في القرية "كرباوي" غرب مدينة قامشلو، فحينما شجعني أخوتي على القراءة بدأت أبحث في الصحف القديمة، فوجدت أعدادا من صحيفة "الأهرام" المصرية وقرأت للراحل محمد حسنين هيكل مقاله الذي كان تحت عنوان "بصراحة"، الذي لم أكن أعرف عنه شيئا.

بعدها عرفت أنه كان رئيس التحرير وأن مقالته تلك كانت تحظى بمتابعة واهتمام كبيرين، كما قرأت في صحيفة "السفير" اللبنانية اللقاء الذي أجرته الصحفية الإيطالية المعروفة أوريانا فالاتشي مع المرشد الإيراني "الخميني"، ولن أنسى ما حييت قوله إن "الحكم الذاتي ليس موجودا في القرآن"، مبررا قتله للكرد المنتفضين في مواجهة نظامه الذي غدر بهم بعدما كانوا جزء من ثورته، ولن أنسى أيضا ما قرأته كذلك لـ"رياض نجيب الريس" في مجلة "المستقبل" اللبنانية عن القضية الكردية كقضية خاسرة.

في المرحلة اللاحقة، بدأت قراءة مجلة "الحرية" الفلسطينية التي كان الشباب الكرد يتسابقون لاقتنائها، لما كان تتضمنه مواضيع تتناول القضية الكردية بإسهاب، فكان ذلك يضاف إلى ذلك التأييد الكبير الذي كان من نصيب الشعب الفلسطيني من لدن مختلف فئات الشعب الكردي في سوريا، وكانت الحركة الكردية في "روج آفا" سوريا تدعم بقوة في أدبياتها التي كانت عبارة عن مناشير صغيرة، القضية الفلسطينية لأن الحركة على العموم كانت يسارية وحتى من كانت خارج ذلك، بسبب وقوفها إلى جانب دول محور "الدول الاشتراكية"، وفي المقدمة منها الاتحاد السوفياتي كما كانت تقول، لكن كارثة استخدام الأسلحة الكيماوية في "حلبجة" باستخدام ثماني طائرات أمطرت المدينة في آذار/مارس من العام 1988، ما أدى إلى مقتل حوالي 5 آلاف شخص في اليوم ذاته، غالبيتهم من النساء والأطفال، وإصابة حوالي 10 آلاف بجروح.

كان ذلك إيذانا بالبحث عما يمكن الوثوق بهم في ظل الصمت السوفياتي وكل من وقف في محورهم من أحزاب شيوعية وصمت مطبق من أغلب المثقفين العرب، ورغم ذلك كان للموقف الذي أظهره الراحل الكبير هادي العلوي حيال ذلك في الرسالة التي كتبها ونشرتها صحيفة "السفير" اللبنانية تحت عنوان "رسالة براءة إلى أطفال كردستان"، قال فيها: "أيها الطفل الكردي المحترق بالغاز في قريته الصغيرة، على فراشه أو في ساحة لعبه، هذه براءتي من دمك أقدمها لك، معاهداً إياك ألا أشرب نخب الأمجاد الوهمية لجيوش العصر الحجري، ولا أمد يدي إلى واحد من أنظمة العصر الحجري، أقدمها لك على استحياء ينتابني شعور بالخجل منك ويجللني شعور بالعار أمام الناس أنني أحمل نفس هوية الطيار الذي استبسل عليك وليت الناس أراحوني منها حتى يوفروا لي براءة حقيقية من دمك العزيز أنا المفجوع بك، الباكي عليك في ظلمات ليلي الطويل، في زمن حكم الذئاب البشرية الذي لم نعد نملك فيه إلا البكاء. اقبلها مني أيها المغدور: فهي براءتي إليك من هويتي".

 كانت تلك الرسالة -ولا تزال- بمثابة إعادة تذكير كموقف مشرف، وكأنها تكفي للتغطية على صمت الكثيرين من الكتاب والمثقفين في طول العالم العربي وعرضه. هنا، علينا التمييز بين الحالة السورية والعراقية، ففي العراق هناك قامات ثقافية لها مواقفها المشهودة، فعدا الراحل "العلوي"، هناك عشرات القامات العراقية نذكر منهم زهير كاظم عبود، والدكتور صادق أطميش، وكاظم حبيب، والدكتور تيسيير الأولوسي.

أذكر كذلك في هذا الصدد، أنه بعد الغزو الصدامي للكويت والانفتاح على الكرد، كتب عبدالرحمن الراشد في مجلة "المجلة" السعودية التي كان يرأس تحريرها آنذاك، لينتقد بحدة صمت المثقفين العرب من الهجرة المليونية الذي هز العالم، وأدى إلى فرض منطقة الحظر الجوي الذي أسس للفيدرالية الكردية في العراق. كان ذلك أيضا ما يبحث عنه المثقف والسياسي، ولهذا وجدنا نسخا تطبع توزع بشكل سري.. نعم كانت المكاتب التي باتت تتوفر لديها آلة طباعة تقوم بنسخ المقالات بشكل سري وتبيعه للمهتمين باعتقال القائد عبدالله أوجلان، ذلك الحدث المدوي الذي هز العالم كما عنونته وسائل الإعلام العالمية التي لاقى صداها في وسائل الإعلام العربية بمختلف أنواعها، ونبدأ بما كتبه كبار الصحفيين والكتاب في مصر والعالم العربي، حيث صدر كتاب كامل تحت عنوان "أوجلان الزعيم .. والقضية"، تحت إشراف رجائي الفايد وأحمد بهاء الدين شعبان، حيث جمع هذا الكتاب المقالات والأشعار والمواقف التي كُتبت عن اعتقال "أوجلان" خلال أسبوعين. ومن أبرز من كتب في هذا الكتاب أديب "نوبل" نجيب محفوظ، تحت عنوان "الأكراد مظلومون.. وقضيتهم إنسانية وسياسية"، بينما كتب جمال الغيطاني تحت عنوان "أوجلان الإنسان"، وكتبت الوزيرة المصرية الراحلة حكمت أبوزيد تحت عنوان "أوجلان.. رجل بأمة"، وكتب السياسي المصري حمدين صباحي تحت عنوان "أحزان عبدالله أوجلان التي لا تزال تثير الكثير من الأمل بتطوير العلاقات بين الشعبين الكردي والعربي".

أما في السعودية، كتب كبار الكتاب والصحفيين مواقف مؤيدة ومساندة لقضية الشعب الكردي، وحتى قناة "الجزيرة" القطرية قدمت من خلال أشهر برامجها "الاتجاه المعاكس" الذي يقدمه فيصل القاسم، حلقة لا يزال يتردد صداها بسبب ما قاله الراحل عادل اليزيدي لأحد غلاة الفاشيين الاتراك ردا على تطاوله على نضالات الشعب الكردي والقائد الكردي أوجلان، حيث قال: "لن أسمح لك بهذا الكلام.. وراح أقلع جوز عيونك"، بيما كتب الشاعر السوداني محمد الفيتوري قصيدة بعنوان "أوجلان" نشرتها جريدة "الأهرام"، وكتب شاعر العامية المصري الراحل أحمد فؤاد نجم قصيدة تحت اسم "عبدالله أوجلان" نشرتها جريدة "الجبل"، وهناك غير ذلك العديد من القصائد والمقالات التي تناولت القضية الكردية الثورة السورية.

استعرضت في الدراسة السابقة مواقف المثقفين، وكان كل الصمت الثفافي العربي يكفي ليعادله مواقف قليلة من مثقفين عرب للإبقاء على الود والأمل في غدٍ مشترك أفضل، فلا يزال الكردي يبحث في الصحف العربية عن مواقف مؤيدة لقضيته، فإن لم يجدها يبحث في مواقع التواصل الاجتماعي، فإن وجد منشورا قام بمشاركته وتوزيعه، وكذلك ينتظر المتحدثين على الشاشات الفضائية بحثا عمن ينصفه.

ملخص كل شيء، وبرغم السموم التي تبثها وسائل الإعلام العربية التي تعمل مع تركيا وبتوجهات منها ورغم المواقف التي بتنا نقرأها ونسمعها ممن يفترض أنهم الأكثر تفهما لقضية الشعب، فلا يزال الموقف الكردي يبحث عن الشركاء الحقيقين من خلال تجربة الإدارة الموجودة، أملا في أن تكون مدخلا لعقد اجتماعي جديد، تكون سوريا من خلاله نموذجا.

لا ينسى الكردي أصدقاءه بسهولة، فكيف ذلك وقد تعمدت العلاقة بالدم؟ بدأت تلك العلاقة بالدفاع عن "كوباني" وصولا إلى سحق الجيب الأخير لتنظيم "داعش" الإرهابي في دير الزور، وها هي دعوة للكتاب والمثقفين السوريين ولعموم المثقفين في العالم العربي، لإعادة النظر في مواقفهم تجاه قضية الشعب الكردي وبقية المكونات في سوريا والمنطقة.

----

*نواف خليل: مدير المركز الكردي للدراسات بمدينة "بوخوم" الألمانية. عمل مذيعا ومعدا بعدد من الفضائيات الكردية، وكتب مقالات بصحف عربية عدة من بينها "الحياة" و"السياسة" الكويتية و"إيلاف". وهو المتحدث الرسمي السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي (ب.ي.د).

أحدث الدراسات