"فورين بوليسي": "أردوغان" ينظر إلى "داعش" باعتباره "صديق" لمواجهة الأكراد

الأربعاء 02-01-2019 | PM 01:59 صورة أرشيفية

كولين كلارك وأحمد يايلا | فورين بوليسي

إن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسحب القوات الأمريكية من سوريا، تعني أن الولايات المتحدة تعتمد على تركيا لتحمل عبء مواجهة تنظيم "داعش"، ولكن هذه الخطوة لن تفعل إلا أنها ستزود التنظيم الإرهابي بفرصة لإحياء نفسها في مرحلة حرجة من القتال. يزعم "ترامب" أن الخروج من سوريا كان من ضمن خططه طوال الوقت. ومع ذلك، فاجأ القرار العديد من صانعي السياسة في الولايات المتحدة، بما في ذلك في "الكونغرس"، خاصة بعد أن أكد مستشار جون بولتون مستشار الأمن القومي لـ"ترامب" في سبتمبر/أيلول الماضي، أن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا حتى مغادرة الإيرانيين.

عندما أعلن "ترامب" عن قراره المفاجئ بشأن سوريا، جاء هذا القرار بعد محادثة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. بعد فترة قصيرة من المكالمة الهاتفية، قال "ترامب": "الآن أصبح داعش ضعيفا إلى حد كبير، ويجب أن تتمكن بقية الدول الأخرى، بما في ذلك تركيا، من الاعتناء بكل ما تبقى من التنظيم". وأضاف أن الزعيم التركي "أبلغني بشدة أنه سيقضي على ما تبقى من داعش في سوريا".

بصرف النظر عن أخذ نقاط الحوار التركية في ظاهرها، فهناك مشكلة أساسية في هذه الرواية، وهي أنه كثيراً ما أظهرت "أنقرة" ترددًا في تولي مهمة هزيمة "داعش" بشكل مباشر، وفضلت بدلاً من ذلك تركيز طاقتها ومواردها على مواجهة الأكراد ومعارضة "أردوغان". لسنوات عديدة، كانت تركيا تلعب لعبة مزدوجة، حيث إن هدف "أردوغان" الرئيسي هو منع الأكراد السوريين من تعزيز نفوذهم على المزيد من الأراضي وإنشاء ممر مواز للحدود التركية الجنوبية. إن القضاء على تواجد "داعش" في سوريا -وشبكاته داخل تركيا- لا يحتل المرتبة الأولى بل الثانية في أولويات تركيا، وربما تم تجاهل هذه المرتبة في كثير من الأحيان.

مع ذلك، ولأن "داعش" قد أنشأ بالفعل بنية تحتية ناشئة في تركيا، فإن القرار السياسي الأخير بالانسحاب من سوريا يمكن أن يبعث الحياة من جديد في التنظيم، مما يعرض الجنود والمدنيين الأتراك في الداخل للخطر ويسمح للتنظيم بالعودة إلى سوريا. لا تزال حدود تركيا بعيدة عن اختراقها، ويدرك قادة "داعش" أهمية وجود قدرة لوجيستية قوية. إن سوريا هي منطقة الصراع التي توفر مساحة تنظيمية لـ"داعش"، لكن تركيا -مع الاتصالات الحديثة والمواصلات وروابطها مع الاقتصاد العالمي- قريبة من أن تكون بلد مثالي لكي تستغلها مجموعة إرهابية، كنوع من قاعدة أو مركز لوجيستي لها. تمتلك أجهزة الأمن والاستخبارات التابعة لتركيا موارد محدودة، والتي لا تزال موجهة في المقام الأول نحو محاربة حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهي جماعة تعرف تركيا جيداً وهي تمارس القتال منذ ما يقرب من أربعة عقود.

إحدى الحجج الرئيسية التي قدمها "أردوغان"، ونقطة الخلاف بين "أنقرة" و"واشنطن" منذ بداية التدخل الأمريكي في سوريا، هي أن وحدات حماية الشعب الكردية، الحليف الأكثر فعالية في القتال ضد "داعش"، ما هي إلا امتداد لحزب العمال الكردستاني. وتقول تركيا إنه بما أن الولايات المتحدة كانت تدعم وحدات حماية الشعب باعتبارها العنصر الأساسي لقوات سوريا الديمقراطية، فإنها ترعى الإرهاب بشكل أساسي. هذه الرسالة لها صدى لدى أنصار "أردوغان"، ولكن لأن وحدات حماية الشعب هي الحصن الأكثر فعالية ضد "داعش"، فإن الولايات المتحدة أقل تعاطفاً مع هذا الوصف.

إن الاعتماد بشكل كبير على "أردوغان" يمثل مشكلة فيما يتعلق بكل من القدرة والنية عبر بُعدين: محاربة "داعش" في ساحة المعركة في سوريا والقضاء على شبكاته وخلايا صغيرة من المسلحين المتحصنين بالفعل في تركيا. بعد الهجمات البارزة في أنقرة وإسطنبول وغازي عنتاب على مدى السنوات القليلة الماضية، أثبت تنظيم "داعش" قدرته على الوصول إلى عمق تركيا وقدراته العملية.

فيما يتعلق بمقاتلة "داعش" في سوريا، تفتخر تركيا بامتلاكها جيش هائل، على الورق على الأقل. لكن حتى مع قيام "داعش" بمحاصرة المدن والقرى الصغيرة على طول وادي نهر الفرات الأوسط، لم تكن الولايات المتحدة قادرة على القضاء التام على بقايا الجماعة. إذا، لماذا يعتقد "ترامب" أن الأتراك سيكونون قادرين على تحقيق هذا الهدف؟ ويأتي انسحاب الولايات المتحدة وسط موجة من التقارير التي تفيد بأن تنظيم "داعش" يتخبط في معركة طويلة ويستعد لشن تمرد في شرق سوريا.

سيكون من الصعب بشكل خاص محاربة تنظيم "داعش" في الوقت الذي تم فيه القضاء على قيادة قوات الأمن التركية. في أواخر عام 2013، أطلقت تركيا تحقيقاً في مكافحة الفساد، تم تسريعه بعد محاولة انقلاب في يوليو/تموز 2016. وقد أدى عدم الاستقرار إلى قضايا القيادة والتحكم والتصدعات بين جيوب الجيش والقيادة الاستخباراتية. قامت الحكومة التركية بتطهير مئات الآلاف من الموظفين العموميين في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الشرطة وضباط الجيش والمدعين العامين والقضاة. ونتيجة لذلك، سيطر موظفو مكافحة الإرهاب والاستخبارات غير المدربين تماما على مقاليد السلطة، وغالباً ما يعانون من عيوب عملية خطيرة وعرضة لانتهاكات حقوق الإنسان.

لن يؤدي القتال بين حلفاء أمريكيين حيويين إلا إلى تعزيز سلطة الرئيس السوري بشار الأسد وإيران.

وبدلاً من اتباع نهج أكثر شمولاً، كانت سياسة "أردوغان" الأمنية واحدة من إما/أو فيما يتعلق بمحاربة الأكراد و"داعش". لقد كانت الإرادة السياسية من جانب الحكومة التركية لمواجهة تنظيم "داعش" بشكل كامل تفتقر إلى الوضوح، وهو أمر مثير للقلق إلى حد ما في ضوء العمليات التي أطلقتها "داعش" على الأراضي التركية. وتشمل هذه الهجمات الكبرى مثل حادث مطار" أتاتورك" في يونيو/حزيران 2016 في إسطنبول أو الهجوم على ملهى "رينا" الليلي في يناير/كانون الثاني 2017. ظاهريا، ينبغي أن يكون لتركيا مصلحة في اقتلاع جماعة إرهابية من أراضيها. لكن في الشرق الأوسط، لا يزال يُنظر إلى عدو العدو على أنه صديق، لذلك تنظر تركيا إلى "داعش" على أنها مصدر "عمق استراتيجي" ضد الأكراد، على غرار الطريقة التي تستخدم بها المخابرات الباكستانية والجيش "طالبان"، على الرغم من الهجمات التي وجهت ضد الأفراد الباكستانيين. هذا هو مجرد النظر إلى تكلفة القيام بالأعمال التجارية في منطقة خطرة.

قد تكون هناك أيضًا زاوية طائفية في العمل، حيث كان "داعش" يقاتل نظام بشار الأسد، وهو رمز للإسلام الشيعي، في حين عمل أردوغان"" باجتهاد لتعزيز صورته كمدافع عن الإسلام السني في المنطقة. بدأت التحالفات بالتحول بالفعل، حيث طلبت وحدات حماية الشعب مؤخراً من نظام "الأسد" نشر قوات في "منبج" بالقرب من الحدود التركية. يدرك بعض صانعي السياسة في الولايات المتحدة كيف أن العلاقة المتنامية بين "الأسد" والأكراد قد تكون ضارة، ولهذا سارعوا إلى إقناع "ترامب" بإبطاء أو حتى العودة إلى جوانب الانسحاب المخطط لها.

عواقب قتال الأكراد وتجاهل "داعش" يمكن أن تكون ضارة بشكل مزدوج للأتراك في الداخل. إذا استمر "أردوغان" في مهاجمة الأكراد في شمال سوريا، فإنه سيبقي على الجيش التركي في هذا المسرح وقد يدفع هذا المسلحين الأكراد في تركيا إلى الانتقام. على مر السنين، أثبتت جماعات مسلحة كردية قدرتها على تنفيذ هجمات في قلب تركيا، وبتأثير مدمر. في صيف عام 2015، قتل متشددون أكراد جنديًا تركيًا وأصابوا العديد من الأشخاص الآخرين في "آديامان"، في حين قُتل شرطيان بالرصاص في "جيلان بنار". لذا، فمع انتشار قوات الجيش في بلد آخر، والتحقيقات وعمليات مكافحة الإرهاب الجارية ضد الأكراد داخليا، فمن المشكوك فيه إلى حد كبير أن يتمكن "أردوغان" من الوفاء بوعده إلى "ترامب" للقضاء على ما تبقى من "داعش" في سوريا.

إذا سمح لمقاتلي تنظيم "داعش" بإعادة بناء شبكاتهم في تركيا، فإن العواقب ستكون وخيمة. سوف يكون التنظيم قادراً على استخدام تركيا للدعم اللوجيستي، مما يغذي عملياته عبر الحدود في سوريا. كما يمكن أن تقوم عناصر مارقة بشن هجمات في تركيا، بينما قد تسعى خلايا أخرى إلى التخطيط لشن هجمات في أوروبا.

لم تكن تركيا مخلصة تمامًا في صراعها ضد "داعش"، وغالبًا ما كانت ترسل رسائل متضاربة إلى الأصدقاء والأعداء على حد سواء. انتقل ما بين 8000 و10000 تركي إلى سوريا والعراق كمقاتلين إرهابيين أجانب منذ بداية النزاع. ووفقًا لاستطلاع الاتجاهات الاجتماعية الذي أجرته تركيا والذي نُفذ بين 1500 شخص في جميع أنحاء تركيا في عام 2015، قال حوالي 9% من الأتراك إنهم يعتقدون أن تنظيم "داعش" ليس منظمة إرهابية، وقال أكثر من 5% إنهم يؤيدون تصرفاتها.

من المقرر أن تجري تركيا انتخابات محلية في 31 مارس/آذار 2019. وقد أعرب "أردوغان" عن قلقه من نتائج هذه الانتخابات وسط الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا. كان القتال ضد حزب العمال الكردستاني في كثير من الأحيان أداة محلية كبيرة لـ"أردوغان" لتعبئة قاعدة الناخبين القومية في تركيا، وقد تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية في انتخابات مارس. ويُعتقد أن السياسة الداخلية هي مبرر رئيسي لمنطق "أردوغان" عندما أعلن في منتصف شهر ديسمبر/كانون الأول، قبل أسبوع من اتصاله الهاتفي مع "ترامب"، أن تركيا سوف تبدأ العملية ضد قوات سوريا الديمقراطية.

من الصعب رؤية كيف تستطيع تركيا محاربة "داعش" بفعالية الآن. تقع غالبية جيوب التنظيم الإرهابي المتبقية على بعد أكثر من 300 ميل من حدود تركيا. وبالتالي، يكاد يكون من المستحيل بالنسبة للجيش التركي وحلفائه المحليين الوصول إلى هذه المناطق للقتال بفعالية ضده والسيطرة الكاملة على هذه المنطقة.

يعتمد "أردوغان" على الجيش السوري الحر، وهو مجموعة من الضباط العسكريين العرب السوريين الذين خدموا سابقاً في ظل الرئيس السوري بشار الأسد، في المناطق التي يسيطر عليها. ربما كانت تركيا تخطط لنشر الجيش السوري الحر خلال هجومه الموعود ضد قوات سوريا الديمقراطية، ولكن هناك مجموعة من القضايا المعقدة التي يجب وضعها في الاعتبار. أولاً، أنها قوة غير منظمة وهناك تقارير عن الفظائع التي ترتكبها هذه القوات وتدعمها تركيا. في أعقاب عملية قام بها المتمردون السوريون المدعومون من تركيا في عفرين في مارس، وردت أنباء واسعة النطاق عن نهب وسرقة ممتلكات السكان المحليين.

ما يثير القلق بشكل أكبر هو التداخل المحتمل بين "داعش" والجيش السوري الحر، حيث من المعروف أن بعض مقاتلي التنظيم العائدون انضموا إلى الجيش السوري الحر وصعدوا إلى مناصب قيادية. على سبيل المثال، قائد فرق الحمزة في الجيش السوري الحر سيف أبوبكر، هو عضو سابق في "داعش" من مدينة الباب. العديد من مقاتلي "داعش" يخدمون الآن في الميليشيا المدعومة من تركيا كقادة.

بالنظر إلى كل هذه العوامل، من الواضح أن "أردوغان" ليس صادقاً تماماً في وعده بمقاومة "داعش". وبدلا من ذلك، ركز الرئيس التركي على مساعدة حزبه على كسب المزيد من السلطة في الانتخابات المحلية المقبلة، ووعده "ترامب" للقضاء على التنظيم الإرهابي هو مجرد أداة محلية مفيدة لمساعدته على تعزيز شعبيته كقائد قادر وقائد عسكري.

مقامرة "ترامب" يمكن أن تؤتي ثمارها، ولكن فقط إذا التزم "أردوغان" بوعده بتدمير التنظيم، حيث إن ذلك التعهد يشير إلى أن رئيس تركيا لن يكون راغباً في الالتزام، بغض النظر عن مدى رغبة "واشنطن" في الإسراع بخططها الرامية إلى تخليص الولايات المتحدة من مستنقع الحرب الأهلية السورية.

-----

*كولين بي. كلارك: باحث كبير بمركز "صوفان" للاستشارات الأمنية وأستاذ علوم سياسية مخضرم بمؤسسة "راند" البحثية الأمريكية.

*أحمد إس. يايلا: أستاذ مساعد بجامعة "دي سالس" وضابط سابق بجهاز مكافحة الإرهاب في تركيا.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات