فورين بوليسي: "أردوغان" كاذب في نيته مواصلة الحملة على "داعش".. وهدفه الحقيقي الأكراد

السبت 29-12-2018 | PM 02:13 الميليشيات السورية الموالية لتركيا - صورة أرشيفية

ستيفن كوك | فورين بوليسي

في الصيف الماضي، كتبت مقالا بعنوان "السياسة الخارجية" قلت فيها إن "ترامب هو الرئيس الأول الذي يفهم تركيا بشكل صحيح". اعتقد بعض زملائي وأصدقائي أنني غضبت إلى حد ما، حيث إن الرئيس الأمريكي كان قد سخر حسابه على "تويتر" لشن هجوم ضاري على المسؤولين الأتراك والاقتصاد التركي . بالطبع، لم تكن التغريدات المروعة التي كتبها "ترامب" هي ما أثني عليه، وإنما رغبة إدارة "ترامب" في الضغط علانية على "أنقرة" حول مجموعة متنوعة من القضايا -سواء كان اعتقال أو سجن المواطنين الأمريكيين غير العادل، أو استهداف الصحفيين، أو نية شراء أسلحة متقدمة من روسيا، أو التهديدات الموجهة للجنود الأمريكيين الذين يخدمون في سوريا. عندما أُطلق سراح آندرو برونسون، وهو راع من كارولينا الشمالية كان محتجزاً لدى تركيا لمدة عامين، في أكتوبر/تشرين الأول، تأكد لي أن اللعب مع تركيا بهذه الطريقة تفوق على الدبلوماسية الخاصة المكثفة التي كانت الإدارات السابقة قد جربتها مع "أنقرة".

رغم ذلك، فإن الحياة تتحرك بسرعة كبيرة. يبدو أن تركيا انتقلت من خصم إلى شريك في غضون بضعة أشهر. إن الرجل الذي اتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتهمة "شن حرب اقتصادية" على تركيا سيزور البلاد في عام 2019. وقد أجرى الزعيمان مكالمتين هاتفيتين في غضون 10 أيام. وبالطبع، فإن ذوبان الجليد المفاجئ يرتبط مباشرة بقرار الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا في أقرب وقت ممكن، تاركاً "أردوغان" الذي سبق أن هدد الضباط الأمريكيين بـ"صفعة عثمانية" وقام بكل ما في وسعه لتعقيد القتال ضد "داعش" في سوريا، ليتولى مهمة إعادة ترتيب كل شيء وتحقيق الاستقرار في المنطقة.

هل يمكن لـ"أردوغان" أن يرقى إلى مستوى التزاماته الظاهرة؟ ليس من الواضح على الإطلاق أنه سوف يفعل ذلك، لكن ليس لأن تركيا ليست قادرة. بدلا من ذلك، على الرغم من أن الولايات المتحدة وتركيا يبدو أنهما قاما بتصحيح خلافاتهما، فإن مصالحهما في سوريا لا تتوافقان في الواقع.

لا أحد يعرف لماذا قرر "ترامب" في 19 ديسمبر الإعلان عن أن مهمة الولايات المتحدة في سوريا قد تم إنجازها. ومن المرجح أن يكون هناك مزيج من نزوة الرئيس والشكوك التي أعرب عنها سابقاً بشأن عمليات الانتشار العسكري المفتوحة في الخارج. وبغض النظر عن ذلك، فإن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا سيؤدي فعليًا إلى إنهاء العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية، التي يتمثل المكون الأساسي لها في قوة قتالية كردية تسمى وحدات حماية الشعب.

في القائمة الطويلة من القضايا التي تسببت في الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا، كانت المشكلة الكبرى هي العلاقة العسكرية الأمريكية مع وحدات حماية الشعب. بالنسبة إلى الجنود الأمريكيين الذين يعملون مع تلك المجموعة، فإن وحدات حماية الشعب هي القوة البرية الموثوق بها ضد تنظيم "داعش"، بينما يرى الأتراك الأمور بشكل مختلف، بحجة أن وحدات حماية الشعب هي في الواقع حزب العمال الكردستاني (بي.كا.كا) ولكن تحت اسم آخر. حزب العمال الكردستاني، الذي صنف على أنه مجموعة إرهابية من قبل كل من "واشنطن وأنقرة"، يشن حملة عنيفة ضد تركيا منذ الثمانينات. خشي الأتراك الغاضبون من أن الولايات المتحدة كانت تقوم بتبني دولة إرهابية على حدودها. ولكن كل هذا قد انتهى الآن، ولهذا السبب سيتم الاحتفاء بـ"ترامب" في تركيا في عام 2019.

بطريقة غريبة، ترتبط خطوات الرئيس الأمريكي بشأن سوريا وتركيا بسياسته تجاه إيران. هناك من هم داخل الإدارة ممن يعتقدون أنه من خلال التخلي عن وحدات حماية الشعب -والموافقة على بيع الأتراك صواريخ باتريوت- فإن الولايات المتحدة ستسحب تركيا مرة أخرى إلى فلك "واشنطن". هذا الاصطفاف الأمريكي التركي المتجدد سيؤدي بدوره إلى جعل "أردوغان" شريكا راغبا في احتواء إيران. نعم، كان أحد مبررات وجود قوات أمريكية في سوريا هو دفع إيران إلى التراجع، لكن الأتراك لم يكونوا في الواقع شريكًا في هذا الجهد، بل إنهم ساعدوا إيران على تجنب العقوبات خلال جزء كبير من رئاسة باراك أوباما، وحتى الآن تطالب أنقرة بالاستثناء الدائم لشراء النفط الخام الإيراني.

هذا لأن المسؤولين الأتراك لا يعتبرون إيران تهديدًا. بالنسبة لهم، فإن جارة تركيا هي فرصة اقتصادية وتوفر النفوذ الدبلوماسي مع الولايات المتحدة. في عهد "أوباما" في كثير من الأحيان، عندما كان هناك توتر بين واشنطن وأنقرة، كان "أردوغان" أو غيره من كبار المسؤولين الأتراك يظهرون في "طهران" وهم يثنون على القيادة الإيرانية وحتى يوفرون التغطية لأنشطتها النووية. كان هذا كله محاولة لإجبار الولايات المتحدة على التخلي عن أي قضية كانت تجعل "واشنطن" غير راضية عن تركيا في ذلك الوقت. هذا النمط لا يزال مستمرا، فقبل بضعة أسابيع فقط، تم تصوير وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو وهو يبتسم وهو يمسك بيد نظيره الإيراني جواد ظريف، في إسطنبول، ما يجعل أي شخص يعتقد أن مغادرة الولايات المتحدة لسوريا ستدفع الأتراك إلى قلب إيران أمر غامض.

لم يذكر "ترامب" فعليًا منطق إدارته المعقد بشأن إيران، مفضلاً التركيز على هزيمة "داعش". وفقا للبيت الأبيض، على الأقل في البداية، تمت هزيمة قوات أبو بكر البغدادي، وبالتالي لم يكن هناك سبب للبقاء في سوريا (حجة شرعية تماما). عدل الرئيس في وقت لاحق هذا الادعاء، معلنا أن تركيا ستنهي المهمة التي بدأتها القوات الأمريكية ووحدات حماية الشعب، وهي التأكد من عدم عودة "داعش".

خلاصة القول، إنها ليست فكرة سيئة للعمل مع تركيا ضد "داعش". تركيا لديها ثاني أكبر جيش في حلف الناتو مع جميع أنواع الأسلحة عالية التقنية ومشغلي القوات الخاصة. ومع ذلك، فإن الحكومة التركية كانت فاترة، في أحسن الأحوال، في رغبتها في الانضمام إلى القتال ضد "داعش"، وعندما ذهبت إدارة "أوباما" بحثاً عن حلفاء ضد التنظيم في صيف عام 2014، قال الأتراك إن أفضل طريقة لحل المشكلة هي تغيير النظام في "دمشق". أعلنت "أنقرة" أن لديها أولويات أخرى -لا سيما محاربة القومية الكردية. وبعد مرور عام، وافقت على الانخراط في المعركة ضد التنظيم، ولكنها لم تنضم في الواقع إلى القتال. صحيح أن الشرطة التركية قد قامت بخرق خلايا مزعومة للمتطرفين، بما في ذلك مقاتلي "داعش"، لكن في ساحة المعركة كانت وحدات حماية الشعب ومستشاريها الأمريكيين هم من يخوضون القتال.

الآن هل يفترض أن نصدق أن "أردوغان" ملتزم بمحاربة "داعش" حتى النهاية؟ من شبه المؤكد أن "ترامب" سمع ما يريد سماعه، أو أن ما جرى كان كذبة من قبل الرئيس الأمريكي أو التركي. لطالما كان قلق تركيا المهيمن –وسيظل كذلك- هو تدمير منطقة الحكم الذاتي الكردية السورية التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب وذراعها السياسية "حزب الاتحاد الديمقراطي". بالنسبة لـ"أردوغان"، فإن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا يزيل العقبة الرئيسية أمام تدمير وحدات حماية الشعب. ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن الأتراك سيوجهون انتباههم إلى "داعش" عندما يركزون على التهديد الكردستاني لأمنهم.

ربما بمجرد أن يتخلصوا من وحدات حماية الشعب، وهي معركة قد لا تكون سهلة كما يعتقد المسؤولون الأتراك، نظرا إلى الحرب الطويلة ضد حزب العمال الكردستاني، فإن الجيش التركي سيحول انتباهه إلى "داعش". سيكون ذلك تطوراً إيجابياً، لكن المحترفين في "البنتاغون" ظلوا على يقين من شكوكهم، حيث إنهم يعتبرون وكلاء تركيا السوريين، الذين من المفترض أن يستخدموا لتدمير "داعش"، غير مدربين وغير جديرين بالثقة.

-----

ستيفن كوك: زميل بارز بمبادرة "إيني إنريكو" لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي. صدر كتابه الأخير في عام 2018، تحت عنوان: "فجر زائف: المظاهرات والديمقراطية والعنف في الشرق الأوسط الجديد".

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات