"آراب ويكلي": اللعبة الأخيرة في سوريا.. تكتيكات تركيا وفوضى أمريكا

الثلاثاء 18-12-2018 | AM 11:12 صورة أرشيفية

يافوز بايدار | آراب ويكلي

أصبح مصطلح "شرق الفرات" أحدث مصطلح يعبر عن  مدى انهيار العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، فهو يشير إلى تغير جذري في نهاية اللعبة السورية، وإلى أن العد التنازلي للوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا قد بدأ. أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن توغل وشيك في سوريا. وعلى ما يبدو جاء هذا الإعلان ردا على إعلان "البنتاغون" عن تدريب وتعزيز قوات وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، حيث قال "البنتاغون" إن ما يصل إلى 40,000 من أفراد وحدات حماية الشعب سوف يعملون مع القوات الأمريكية في المعركة ضد تنظيم "داعش" وجماعات جهادية أخرى في المنطقة.

من الواضح أن هذا الرقم تسبب في حالة رعب لـ"أردوغان"، حيث قال إن التحالف الأمريكي الكردي يجب أن يتوقف على الفور. تصاعد الخلاف بين شريكين في حلف شمال الأطلسي "ناتو" كان أمرا غير مألوف للغاية، حيث تصاعدت التوترات بين "أنقرة" و"واشنطن" لبعض الوقت، وتشير الأحداث إلى التقلب المتزايد في السياسة العالمية وعدم وجود قيادة غربية.

ليس هذا هو السبب الوحيد لتحرك "أردوغان" تجاه توسيع العمليات العسكرية في الأجزاء التي يسيطر عليها الأكراد في شمال شرق سوريا ومنطقة الحدود الشمالية الغربية من العراق. إن سياسة القوة الداخلية المضطربة في "أنقرة" تعني أن حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه "أردوغان"، قد أجبر على البحث عن أرضية مشتركة مع القوميين والعسكريين.

يبدو أن "أردوغان" قد حسم أمره على أن موقفه الأكثر صرامة سيكون مفيداً من الناحية السياسية، لكنه يسعى أيضاً إلى الحصول على شرعية دولية أكبر من خلال سياسة حافة الهاوية المعتادة. حتى الآن، لا يزال النمط التركي العام تكتيكياً تجاه سوريا: حزب العدالة والتنمية وشريكه في الائتلاف حزب الحركة القومية اليميني المتطرف وداعميه في البيروقراطية، لم يتوصلوا بعد إلى إجماع حول ما إذا كانوا سيقتربون من الرئيس السوري بشار الأسد.

يُعرف "أردوغان" بأنه يمثل "المعقل الأخير للإخوان المسلمين"، وأعلن كذلك عن نفسه باعتباره "الأمل الوحيد للعالم السني". وهو يقاوم فكرة التقارب مع "الأسد"، حتى بينما يدفع القوميون و"الأوروآسيويون" إلى ذلك. هذا هو ما يفسر عدم وجود استراتيجية سورية في أنقرة. المعركة ضد حزب العمال الكردستاني والموالين له في سوريا، كانت تكتيكية ولا شيء أكثر من ذلك.

هذا واضح تماما، حيث كانت "أنقرة" مصممة على إقامة منطقة عازلة بطول 30 كم على طول حدودها السورية، بين نهري دجلة والفرات وما وراءها. إنها تريد توطين السكان العرب في تلك المناطق، إن أمكن، لتفريق وحدات حماية الشعب وتفكيك بنيتها. إنها تريد دفع الأمريكيين إلى الحد الأقصى من حيث التحالفات، وقد حان الوقت للاختيار من وجهة نظر تركيا: إما يحتفظ الأمريكان بعلاقاتهم مع وحدات حماية الشعب أو معنا.

الحقيقة الأكثر إثارة هي عدم وجود استراتيجية أمريكية بشأن سوريا. كان الأمر غامضًا خلال عهد "أوباما"، ولكنه أكثر غموضاً منذ أن دخل دونالد ترامب البيت الأبيض. يبدو أن جيمس جيفري، الممثل الخاص للولايات المتحدة في سوريا، هو الوحيد الصادق في محاولاته لإنقاذ واستعادة كل ما تبقى من سياسات الولايات المتحدة على الأرض، لكن موقفه المؤيد لتركيا وقصر نظره في الأمور الإقليمية لم يكن مفيدا، ناهيك عن أن وزارة الخارجية الأمريكية ظلت تفتقر لأشهر طويلة وجود من يضع سياساتها بشأن الشرق الأوسط.

من الواضح بشكل متزايد أن "واشنطن" تلعب لعبة كسب الوقت، فقد كانت تحاول استرضاء "أنقرة" من خلال مواكبة بعض مطالبها، مثل الدوريات المشتركة على طول الحدود التركية السورية وتخصيص مبلغ من المال للحصول على معلومات لثلاثة من الشخصيات البارزة في حزب العمال الكردستاني، وفي نفس الوقت يقوم "البنتاغون" بزيادة دعمه اللوجستي للمقاتلين الأكراد.

يتبع صناع القرار الأمريكيون دليلًا محدودًا يستند إلى هدف محاربة "داعش"، ويهدف إلى وضع حد للتقدم الإيراني في المنطقة، وإفساد عملية السلام في "أستانا" بشأن سوريا، بهدف تجديد محادثات جنيف. ثم ماذا؟ لا يساعد نمط السلوك التركي أو الأمريكي في تحديد نهاية اللعبة، على الأقل من وجهة نظر حلف "ناتو".

في الواقع، الوضع مثالي الآن بالنسبة إلى روسيا لتمديد نفوذها الدبلوماسي في المنطقة، وتعزيز نظام "دمشق"، والأهم من ذلك هو جعل الجيش الأمريكي غير مرحب به في سوريا، في حين يضعف وجوده في المنطقة قدر الإمكان.

وعلى هذا المستوى، تتلاقى خرائط الطرق بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و"أردوغان"، وهو ما يضع "ترامب" في مأزق عميق.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تغادر السلطة بهدوء في الوقت الحالي، بينما يعاني إيمانويل ماكرون في فرنسا من حالة عدم الاستقرار، في حين أن المملكة المتحدة تتعامل مع حماقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتركز رؤية الاتحاد الأوروبي برمتها على المستنقع السوري، وعلى تدفق اللاجئين إلى الخارج. وعلى الجانب الآخر، يحاول "أردوغان" تحقيق طموحه في توسيع سلطته في الداخل والخارج، ويحاول دفع "واشنطن" إلى الزاوية، وهو ما يجعل هذه المناورة "ممتازة" بالنسبة لـ"بوتين".

عندما تتقاتل الأفيال، فإن النمل هو الذي يموت. ويرى "أردوغان"، الذي تخلى عن عملية سلام مع الأكراد لأسباب شخصية، أن هدفه سهل المنال. بالنسبة لـ"بوتين"، فإن بقاء نظام "الأسد" في مصلحة روسيا، والأمريكيون لا يزالون بلا اتجاه وبدون استراتيجية واضحة.

-----

*يافوز بايدار: كاتب عمود تركي كبير ومحلل إخباري. عضو مؤسس في منهاج الصحافة المستقلة (P24) في إسطنبول، وهو يكتب تقارير عن تركيا ويرصد قضايا وسائل الإعلام منذ عام 1980. حائز على جائزة الصحافة الأوروبية في عام 2014، وهو أيضاً الفائز بجائزة 'Journalistenpreis' الألمانية في عام2018 .

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات