جان دوندار عن "أردوغان": لا يسعني سوى الضحك حين يتحدث عن العدالة في قضية "خاشقجي"

الأحد 16-12-2018 | AM 11:23 صورة أرشيفية

جان دوندار | واشنطن بوست

لقد لعب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لعبة قتل خسيسة لاستغلال قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وبالتأكيد لمصلحته الخاصة، ومن خلال سعيه الدؤوب للحصول على قتلة خاشقجي، يبدو وكأنه لديه قلق حقيقي بشأن حرية الصحافة، لكنني لا أصدق كلمة منه.

المرة الأولى التي قابلت فيها "أردوغان" كانت في أواخر التسعينيات، في معرض إسطنبول للكتاب، وقد وقف ليصافحني. في ذلك الوقت كان يشغل منصب عمدة إسطنبول، بعد أن كان إسلاميًا نشطًا منذ أيام دراسته الجامعية. وعلى الرغم من أننا كنا على الجانب الآخر من الطيف الإيديولوجي، فإنني رغم ذلك رفضت الحكم عليه بالسجن في عام 1997بالسجن، بسبب قراءته قصيدة ذات توجهات دينية انطلاقاً من إيماني بحرية التعبير.

عند إطلاق سراحه بعد أربعة أشهر، ظهر "أردوغان" وحوله هالة البطل الشعبي. وبفضل هذا المركز الجديد، شكل حزبه السياسي في عام 2001، وبدأ في الإعداد للاستيلاء على السلطة. بدأ "أردوغان" بالسفر جواً إلى الولايات المتحدة للقاء كبار المسؤولين الأمريكيين، كما زار فتح الله غولن زعيم المنظمة الإسلامية الشهيرة، وكان أردوغان في ذلك الوقت حريصًا على الاجتماع في دافوس مع جورج سوروس، الذي طلب الدعم منه.

بعد انتخاب أردوغان كرئيس للوزراء، اجتمعنا للمرة الثانية لفيلم تسجيلي، وقد أخبرني بالفخر عن سنوات الفقر التي عاشها، وعن العمل كحارس في شركة للنقل العام في إسطنبول وعن لعب كرة القدم في فريق الشركة.

ومع حصول أردوغان على قوة أكبر، ازدادت غطرسته أيضاً. وبدأ يحول حلفاؤه السابقين إلى أعداء واحد تلو الآخر، بداية من غولن وسوروس. واعتبر أي نقد له بمثابة تشهير، وردًا على عدد لا يحصى من الدعاوى القضائية، وصف منتقديه بأنهم "خونة".أنا بالطبع كنت أحد هؤلاء "الخونة". كنت على وشك إنتاج فيلم وثائقي عن الرجل الذي قضى شبابه في الفقر، بعد أن اكتسب قوة السلطة. وبالإضافة إلى ذلك، قمت بنشر لقطات تظهر جهاز المخابرات التركي يقدم أسلحة بشكل غير قانوني للجماعات الإسلامية في سوريا. لم يكن أردوغان قادراً على دحض الكشف، ولكن في اليوم التالي ظهر على شاشة التلفزيون، معلناً: "الشخص الذي أبلغ عن ذلك سيدفع ثمناً باهظاً".

وقفت في المحكمة لأواجه عقوبتين بالسجن المؤبد، وخدمة ثلاثة أشهر في السجن. حصل هجوم من قبل مسلح في يوم قرار المحكمة. لقد أخطأ المعتدي في هدفه، لكن عندما أطلق النار، صرخ على بنفس اللقب الذي استخدمه أردوغان ضدي: "خائن!"من الجدير بالذكر أنه تم إطلاق سراح من حاول قتلي بدون عقاب، في حين أن زوجتي التي قفزت على المعتدي لحمايتي، مُنعت من مغادرة البلاد حتى أننا انفصلنا عن بعضنا البعض خلال العامين الماضيين.

في خضم القمع المتفاقم لحرية التعبير بعد محاولة الانقلاب في عام 2016، قررت ترك تركيا. واصلت العمل كصحفي في ألمانيا، حيث أصبحت الصحافة شبه مستحيلة في وطني. عندما عقد أردوغان مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في ألمانيا في أيلول/سبتمبر، خططت لطرح أسئلة لا يمكن طرحها في تركيا. عندما علم أردوغان أنني كنت يأخضر هذا الحدث هدد بإلغاء مشاركته في المؤتمر، قائلاً: "إذا جاء، لن أفعل ذلك"، وقد اخترت عدم حضور المؤتمر الصحفي لدرء أزمة دبلوماسية.

لكن سخط "أردوغان" ساء فقط عند عودته إلى تركيا، حيث تذكر الحادثة القديمة: قبل خمس سنوات عندما تجمع مجموعة من الشباب لمنع بناء مركز تسوق في حديقة في قلب اسطنبول. وسرعان ما أصبحت حركتهم الاحتجاجية في حديقة (غيزي)، هي الأكبر من نوعها في تاريخ تركيا، فأطلق أنصاره في مواجهة المتظاهرين وبدأ في اعتقال معارضيه.

أولاً، استهدف عثمان كافالا وهو رجل أعمال وناشط في مجال حقوق الإنسان احتُجز لمدة عام في السجن دون أي تهم. وقد أطلق على كافالا، لقب "الرجل الذي مول الإرهابيين في (غيزي)"، ثم قال إن "سوروس"، اليهودي الهنغاري الذي ينفق أمواله في "محاولة تقسيم الأمم" كان وراء كافالا.

بالطبع، لم يدرك أردوغان أبدًا أن صورته في اجتماعه مع سوروس ستظهر، وهو ما حدث فعلا. ليس هناك الكثير من وسائل الإعلام التي لا تزال قادة على نشر مثل هذه الصورة على أي حال، لأن معظمها مرتبط به والباقي وقع عليهم العقاب. في اليوم التالي، أعلنت مؤسسة المجتمع المفتوح التي يمتلكها "سوروس" أنها ستغلق فرعها في تركيا.وقد نشرت وسائل الإعلام المؤيدة لأردوغان ادعاءات مفادها أنني كنت قد حرضت على احتجاجات متنزه غيزي بموجب تعليمات كافالا، وبعد ذلك أصدر المدعون العوام قرارًا بتوقيفي.

لحسن الحظ كنت بالفعل في ألمانيا ورفض الألمان تسليمي. الفرق بيني وجمال خاشقجي هو أن المهاجمين كانوا أفضل استعدادًا ولم يفوتوا هدفهم. والآن، كلما سمعت أن "أردوغان" يتعهد بمتابعة قضية مقتل "خاشقجي" حتى النهاية، لا يسعني إلا أن أضحك.

——

* جان دوندار: رئيس تحرير سابق لصحيفة "جمهوريت" التركية الرائدة، وهو يعيش الآن في المنفى.

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات