"آراب نيوز": الانتهازية التركية في إدلب مُحبطة لشركائها في "أستانا"

الإثنين 10-12-2018 | PM 06:36 صورة أرشيفية

تلميز أحمد | آراب نيوز

عقد رؤساء دول مجموعة الثلاث المنخرطة في عملية السلام في "أستانا"، روسيا وتركيا وإيران، قمتهم الحادية عشرة فى نهاية الشهر الماضى، وقد استمر الاجتماع يوما واحدًا فقط، حيث صدر بيان مشترك في 29 تشرين الثاني/نوفمبر. وأكد البيان التزام القادة الثابت بسيادة سوريا ووحدة أراضيها، كما عارضت الدول الثلاث "كل المحاولات لخلق واقع جديد على الأرض"، والنتيجة كانت رفض الخطط الأمريكية لتأسيس وجود طويل الأمد في شمال شرق سوريا.

أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل المؤتمر، إلى الحاجة إلى تعزيز العملية الدستورية من خلال وضع اللمسات الأخيرة على اللجنة الدستورية المكونة من 150 عضوا والتي تم الاتفاق عليها في مؤتمر "سوتشي" في يناير/كانون الثاني من هذا العام. رغم أنه تم الاتفاق على142  اسما، إلا أن الأسماء الباقية لم يتم الموافقة عليها بسبب معارضة الحكومة السورية. وقد قاد هذا المبعوث الخاص للأمم المتحدة المنتهية ولايته ستيفان دي ميستورا إلى وصف الاجتماع بأنه "فرصة ضائعة".

"إدلب" كانت موضوع النقاش الرئيسي في "أستانا"، بعد ما يقرب من شهرين من الموعد النهائي الذي وافقت عليه تركيا لطرد المتطرفين من المنطقة ووضع اللمسات الأخيرة على المنطقة المنزوعة السلاح التي تمتد من 15 إلى  20كيلومترا، ولكن لم يكن هناك أي تغييرعلى الأرض، حيث لا تزال جبهة النصرة متمركزة بقوة في إدلب.

كما تدهور السيناريو الأمني ​​بشكل واضح، حيث وقع هجوما كيماويا في حلب يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني، على يد قوات المتمردين، حيث أصيب أكثر من 100 شخص، مما دفع روسيا لشن هجوم جوي حاد على أهداف المتمردين في محافظتي حماه وإدلب. ويوجه المراقبون الإقليميون في تركيا الكثير من اللوم لهذه الغارات.

تنظر تركيا بقلق عميق للتوطيد المطرد لمطالب الأراضي الكردية في شمال شرق سوريا من خلال قوات سوريا الديمقراطية التي ترعاها الولايات المتحدة. ولمواجهة ذلك، فإنها تسعى إلى السيطرة على الأراضي في شمال سوريا وشمال حلب وإدلب والأراضي الممتدة إلى نهر الفرات، مع تطلعها لدعم الجيش السوري الحر، والذي يتكون في معظم عناصره من الجيش السوري والمقاتلين التركمان الذين ينتمون إليه.

وبالنظر إلى رغبة تركيا في البقاء في شمال سوريا لمواجهة الأكراد، فاهتمامها بتحييد جبهة النصرة ضئيل جداً، لأن هذه المجموعة يمكن أن تثبت أنها حليف مفيد ضد قوات سوريا الديمقراطية في الوقت المناسب. هذه الانتهازية ليس لها مستقبل بين شركاء تركيا في عملية أستانا، ففي حين أنهم قد يكرهون الوجود الأمريكي في سوريا، فإنهم يمنحون الأولوية لتدمير جبهة النصرة وبالتالي يشعرون بالإحباط تجاه تحركات تركيا.

وقد أدى هذا في واقع الأمر إلى منح الفرصة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتنفيس عن إحباطه مع رجب طيب أردوغان على هامش قمة مجموعة العشرين في "بوينس آيرس" الأسبوع الماضي، عندما قال بغضب "إن الوضع في إدلب يقلقنا أيضًا. نحن نرى أن شركاؤنا الأتراك لم ينجحوا بعد في تحقيق ما كان مخطط له". رغم أنه أضاف بعد ذلك دبلوماسياً: "لكن العمل جاري". وقد طلب ​​"أردوغان" عقد قمة أخرى مع "بوتين" لمناقشة الوضع في إدلب، رغم أن الأمل ضئيل من هذه القمة.

بعد الاستيلاء على "إدلب"، سيسعى الرئيس السوري بشار الأسد إلى بسط سيطرته على دولة ذات سيادة وموحدة. كما ترغب كل من روسيا وإيران في الحفاظ على وجودهما في البلاد، بينما ترغبان بمغادرة سريعة للأمريكيين. تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضاً عن رغبته في رؤية الجنود الأمريكيين يعودون إلى بلادهم، لكن مسؤوليه الأمنيين ينظرون إلى سوريا على أنها مسرح لمواجهة الوجود الإيراني ونفوذه، في الوقت الذي ترددت فيه أيضاً في اعتبار روسيا الوسيط الوحيد في السياسات السورية والإقليمية.

تخشى أنقرة أيضاً من هجوم عسكري على إدلب، لأن ذلك سيخلق مئات الآلاف من اللاجئين الذين يبحثون عن ملاذ في تركيا. كما يرى أن النجاحات الكردية وبدعم من الولايات المتحدة تشكل تهديداً صارخاً. ومع ذلك، فإن تركيا لا ترغب في قطع علاقاتها بالكامل مع الولايات المتحدة, فهي تأمل في إقناع الولايات المتحدة  بالتخلي عن الأكراد واتخاذ تركيا كشريك لها في سوريا بدلاً من ذلك، وهذا ما دفع أنقرة للتخلي عن حلفائها في أستانا.

هل هذه السياسة  ذات الوجهين مستدامة؟ الرئيس السوري حريص على الشروع في عمل عسكري لاستعادة إدلب تحت سيطرته. من المؤكد أن روسيا تشعر بالإحباط من التعاون التركي مع جبهة النصرة، لكنها مترددة في شن الحرب، حيث من المؤكد أن الخسائر في صفوف المدنيين ستؤدي إلى تدخل غربي قد يشمل قصف القوات السورية، وربما حتى وضع روسيا في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.

وللسبب نفسه، ترغب إيران أيضًا في القضاء على جبهة النصرة كتهديد عسكري، ولذلك فهي ليست حريصة على استفزاز رئيس الولايات المتحدة الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وفي الوقت الحالي تفضل القيام بدور ضئيل الأهمية، خاصة وأن مسئولي البيت الأبيض ما زالوا يواصلون الحديث عن طرد إيران من سوريا.

تشير هذه الاعتبارات إلى أن الجمود في إدلب مستمر حتى الآن، على الأقل حتى تقرر تركيا التدخل عسكريا ضد الجماعة المتطرفة. وهذا سوف يمهد الطريق للجولة القادمة من المواجهات في سوريا، والتي ستكون دموية ومدمرة كالجولة الأولى.

أحدث الدراسات