صحفي نمساوي في السجون التركية: هذا هو "أردوغان".. ولا نتيجة لإجراءاته سوى المزيد من العنف

الإثنين 03-12-2018 | PM 12:58 صورة أرشيفية

ماكس زيرنجاست | واشنطن بوست

بدأ الأمر كمداهمة عادية من جانب قوات الشرطة. قبل الساعة السادسة صباحاً بقليل من يوم 11 سبتمبر/أيلول، ظهرت شرطة مكافحة الإرهاب التركية أمام باب مسكني في أنقرة بأمر اعتقال. قاموا بتخريب كتبي، ووجدوا بعض العناوين التي يُفترض أنها مجرمة (أعمال سياسية إلى حد كبير حول اليسار التركي) ونقلوني إلى الحجز. حاولت أن أبقى هادئا -بعيدا لكن مهذبا- أثناء نقلهم لي إلى مركز الشرطة.

لقد انخرطت لأول مرة في السياسة التركية الكردية في الشتات في النمسا، موطني، قبل نحو عقد من الزمان. انتقلت إلى تركيا في عام 2015 لمواصلة دراساتي العليا في العلوم السياسية، وواصلت الكتابة عن السلطوية المتصاعدة للبلاد والمشاركة مع التنظيمات المختلفة ضدها. على مدى السنوات القليلة الماضية، شاركت في تأليف العديد من الدوريات مثل الدورية الاشتراكية في الولايات المتحدة "جاكوبن"، والمشاركة في المظاهرات المؤيدة للسلام، وحاولت عمومًا الضغط من أجل دولة أكثر عدالة وديمقراطية. 

لكن هذا هو رجب طيب أردوغان في تركيا، وها هي اليد الثقيلة للدولة تلقي بظلالها على الصحفيين المعارضين والنشطاء والمدارس. في بلد حيث حتى المنافذ الإعلامية باتت في مرمى النيران (على مدى العامين الماضيين، حصلت تركيا على تصنيف كأسوأ سجان في العالم للصحفيين)، وكانت أفعالي كافية لوضعي في المرمى.

بعد أكثر من شهرين من توقيفي، لا أزال قابعا في سجن تركي، ولَم يتم توجيه أي اتهامات لي بعد. هذا المقال هو نتاج رسائل مكتوبة بخط اليد أرسلتها إلى حملة مقرها فيينا تعمل من أجل الضغط من أجل إطلاق سراحي.

في أول يوم لي في حجز الشرطة، لم يحدث أي شيء غير عادي. ووضعت في زنزانة، حيث كنت أنام على قطعة من الخشب، وأم أملك سوى بطانية رقيقة بدون وسائد. كان الجو  متجمدا، والضوء كان مسلطا عليّ على مدار الساعة. كانت الحصص الغذائية قليلة ومتجمدة. بعد بضعة أيام، أصابني اضطراب في المعدة وتشنجات وإسهال.

في استجواب الشرطة وفِي مثولي أمام النائب العام في أنقرة، سألتني السلطات عن الكتب التي عثر عليها في شقتي (بما في ذلك واحدة عن السياسات الكردية التي ظنوا خطأً أنني كنت أكتبها)، وعلاقاتي المزعومة مع مؤسسة فريدريش إيبرت (مجموعة تأييد ديمقراطية اجتماعية لها مكتب في اسطنبول ولكن ليس لدي أي انتماء لها) ومقال كتبته لـ"جاكوبين" (قالوا إنه يشكل إهانة للرئيس أردوغان). لقد رفضوا توجيه اتهام رسمي لي، واحتجزوني بدلاً من ذلك بتهم إرهابية غامضة.

إن قضيتي، والكثير من القضايا الأخرى مثلها، تدحض ادعاءات أن أردوغان من بين المؤمنين في حرية الصحافة أو حقوق الإنسان -وهي صورة حاول أن يزرعها في أعقاب مقتل الصحفي جمال خاشقجي في اسطنبول. كان توقيفي تأكيداً شريراً على الاستبداد الذي أمضيت السنوات العديدة الماضية في التأريخ له ومعارضته.

وقد قوبل أولئك الذين يقفون لصالح الحقوق الكردية بقسوة شديدة. تم سجن الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطية (HDP) صلاح الدين دميرتاش، منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بتهم تتعلق بالإرهاب. وفي يونيو، رشح نفسه للرئاسة من زنزانته في السجن. كما تم القضاء على قادة الأحزاب الآخرين: فمثّلا المشرّع في حزب الشعوب الديمقراطي إدريس بالوكن، على سبيل المثال، يقضي حكماً بالسجن لمدة تسع سنوات بتهمة "الدعاية الإرهابية".

لقد تم ضبط صحافيين على شبكة الإنترنت من ذرائع مكافحة الإرهاب أيضا. في كانون الأول/ديسمبر الماضي، ذكرت لجنة حماية الصحفيين أن "كل صحفي عثرت عليه لجنة حماية الصحفيين تعرض للسجن بسبب عمله في تركيا، يخضع للتحقيق أو تهمة ارتكاب جرائم ضد الدولة، كما هو الحال بالنسبة لتعداد السنة الماضية".

وإلى جانب هذه الحملة، استمرت عمليات تطهير ضد أتباع "غولن" المزعومين (أتباع الداعية المنفي فتح الله غولن، الذي يتهمه أردوغان بالتخطيط لانقلاب فاشل في عام 2016) بلا هوادة. في السجن مشدد الحراسة الذي يحتجزون فيه، يتم اتهام العديد من السجناء بأنهم أعضاء في "منظمة فتح الله غولن الإرهابية"، كما تصفها الحكومة. هذا يعكس تجربتي عندما تم احتجازي للمرة الأولى: كان هناك أكثر من عشرين جنديا وعدد قليل من المعلمين، كلهم ​​من المنتمين إلى منظمة "غولن". في هذه الأيام، يمكن لأي شخص لا يؤيد الحكومة أن يجد نفسه متهمًا بأنه من المنتمين إلى منظمة "غولن" (و/أو مؤيد للإرهاب). العملية برمتها -من الاحتجاز إلى الاعتقال السابق على المحاكمة إلى المحاكمة نفسها - هي مثال حقيقي على سحق حقوق الإنسان الأساسية.

لا يولد هذا النوع من القمع الوحشي سوى الغضب واليأس. إن فهم تركيا الحالي "للإرهاب"، وما سيتم سحقه تحت هذه الذريعة، لن يؤدي إلا إلى خلق المزيد من العداء تجاه النظام في السنوات القادمة.

بالنسبة لي، عندما دق ضباط شرطة مكافحة الإرهاب جرس الباب الخاص بي في صباح ذلك اليوم في سبتمبر، بدا أنهم يحاولون إسكات المعارضة الديمقراطية بأكملها في أنقرة. من المفترض أن تكون هناك لائحة اتهام رسمية ضدي في يوم ما -لكن من يدري متى.

زنزانة السجن التي أقبع فيها الآن قذرة تمامًا. الجص على الحائط ينهار، والحديد صدأ. ماء الصنبور هو ماء آسن. التدفئة لا تعمل، ويصعب المسؤولين جدا مسألة استقبال الزوار. ومع ذلك، فقد خصصنا وقتا لتعلم اللغات الأجنبية وممارسة الرياضة وقراءتها. أنا أمضي الأيام أتحدث مع زميلي في الزنزانة وأقرأ عن اليسار التركي والفاشية.

أثناء الاستجواب، شرعت الشرطة في محاولة "معرفة" من أنا -لإبعاد الطبقات المتأثرة وإيجاد بعض النوايا الخفية الشريرة. لكن لا يوجد شيء يمكن معرفته. أنا اشتراكي وكاتب. لقد رفعت صوتي للمطالبة بجمهورية ديمقراطية ودعمت النضالات الديمقراطية. أنا أؤمن بكل شيء قمت به.

——

*ملاحظة المحرر: لم ترد السفارة التركية في واشنطن على طلبات التعليق على هذه المقالة.

*ماكس زيرنجاست: صحفي نمساوي وناشط اشتراكي محتجز حالياً من قبل الحكومة التركية.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات