ستراتيجيك كالتشر: "البنتاغون" وفخ تضييق الخناق على تركيا

الأحد 02-12-2018 | PM 07:15 صورة أرشيفية

ميلكولان جارا بهدراكومار

أعلن وزير الدفاع جيمس ماتيس خلال اجتماع البنتاغون القصير في نهاية الأسبوع الماضي معلومات من العيار الثقيل، من خلال المراوغة بذكاء وإدلاءه بمعلومات أن الجيش الأمريكي يعتزم إقامة سلسلة من نقاط المراقبة على الحدود السورية التركية. يشير ماتيس إلى أن تركيا كانت في على علم بالأمر وأن الفكرة كانت أن يقوم الجيشان بمنع أي تهديدات إرهابية لحلف الناتو من الأراضي السورية.

لكن سرعان ما تم رفض مشروع ماتيس من قبل المسؤولين الأتراك، وقد كشف وزير الدفاع التركي خلوصي آكار أيضاً، أنه حذر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد قبل أسبوع فقط من أن مراكز المراقبة سيكون لها "تأثير سلبي" وستخلق انطباعًا بأن "الجنود الأمريكيين يقومون بحماية بطريقة أو بأخرى الإرهابيين (وحدات حماية الشعب).

وأضاف "آكار" أن هذه الخطوة ستجعل الوضع أكثر تعقيدا مما هو عليه. وقال: "لا ينبغي لأحد أن يشك في أن القوات المسلحة التركية وجمهورية تركيا ستتخذ الخطوات اللازمة ضد جميع أنواع المخاطر والتهديدات من جميع أنحاء حدودها".

انتقد الرئيس رجب طيب أردوغان، يوم الثلاثاء الماضي، وجود القوات الأمريكية في شرق سوريا، وقال إن خطط إنشاء مراكز مراقبة على طول الحدود التركية تهدف إلى مساعدة عناصر إرهابية. وقال: "من يقولون إنهم يصدون (داعش) في سوريا، يسمحون في الواقع لمجموعة صغيرة من الإرهابيين بالوجود في البلاد، لتبرير وجودهم في البلد الذي مزقته الحرب".

زعم "أردوغان" أن الولايات المتحدة تظهر في الواقع أنها تفضل "العيش والتنفس مع الإرهابيين". وقال إن "الهدف الوحيد لهذه المنظمة الإرهابية (وحدات حماية الشعب) ... بلدنا". وأضاف: ةليس من الممكن أن نبقى مكتوفي الأيدي ضد هذا التهديد".

من الواضح أن ما يحدث هي خطة ولعبة أمريكية لمنع العمليات العسكرية للجيش التركي في شمال سوريا ضد الجماعة الكردية المسلحة. يعتبر "البنتاغون" أن وحدات حماية الشعب (YPG) هي الشريك السوري الأكثر فاعلية. ببساطة، ما نراه هنا هو المعادل السوري لما فعلته "واشنطن" في عام 1991 في العراق من خلال فرض "منطقة حظر جوي" فوق إقليم كردستان في شمال العراق.

الولايات المتحدة تلعب لعبة على المدى البعيد. لقد مرت ثلاث سنوات بالضبط منذ أن قام الرئيس السابق باراك أوباما بنشر 50 من الكوماندوز لتقديم المشورة للجماعة الكردية السورية في قتالها ضد "داعش". أصر "أوباما" على أن القرار كان "مجرد تمديد" لـ"العمليات الخاصة" التي تقوم بها الولايات المتحدة بالفعل. لكن الأرقام استمرت في الزيادة، فقد بدأت (من 50 إلى 250، من 250 إلى 500، ومن 500 إلى 2000) . الرقم الحقيقي اليوم هو حوالي 5000، وهو يتزايد بشكل مستمر.

وأشار سيث هارب الكاتب بمجلة "نيويوركر" إلى أنه بعد زيارة قام بها مؤخراً إلى القواعد الأمريكية في سوريا، "تحولت المهمة إلى شيء أشبه بالحرب البرية التقليدية. قامت الولايات المتحدة ببناء عشرات القواعد من منبج إلى الحسكة، بما في ذلك أربعة مطارات، والقوات المدعومة من الولايات المتحدة تسيطر الآن على كل سوريا شرق الفرات، وهي منطقة بحجم كرواتيا".

وفقا للتقارير، يوجد حاليا 17 قاعدة عسكرية في شمال شرق سوريا. ومع ذلك، لم يأذن "الكونغرس" الأمريكي بعمل عسكري في سوريا، ولم تفوض الأمم المتحدة باستخدام القوة. يأتي ما يسمى بـ"عملية الإصلاح المترابط" في "البنتاغون" تحت سلطة قيادة العمليات الخاصة المشتركة السرية، مما يعني أن "الحقائق الأساسية تبقى سرية، بما في ذلك تكلفة المهمة والوحدات المعنية ومكان تواجدها، وعدد الجرحى، الذي يعتقد أنه كبير بحسب ما أشار هارب".

الجزء المثير للفضول حول النوايا الأمريكية، هو الهدف المعلن من "عملية الإصلاح" وهو هزيمة "داعش"، ولكن في الآونة الأخيرة تحول إلى مواجهة الوجود الإيراني في سوريا. ووفقًا للمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس ف. جيفري، فقد وافق ترامب على إبقاء القوات الأمريكية في سوريا إلى أجل غير مسمى، رجاء على لسانه: "نحن لسنا في عجلة من أمرنا".

قد تتحول مخاوف تركيا التي تشكل كابوساً لها إلى حقيقة -وهي كردستان سوريا التي تتشكل على طول حدودها. في الواقع، سيكون هذا نموذجًا لاستراتيجية الولايات المتحدة الشاملة لتطويق تركيا وإيران والسيطرة على بغداد ودمشق -وفي النهاية جعل الوجود الروسي في سوريا غير ممكن.

تهدف الولايات المتحدة إلى ضرب تركيا وروسيا وإيران في سوريا من خلال التشديد على التناقضات في المنطقة. لقد وقعت إيران في الفخ، والبنتاغون الآن يحاول إحباط مساعي تركيا، ويبقى أن نرى كم ستنجح الخطط الموضوعة في التعامل مع روسيا؟

في مقابلة صريحة مع وسائل الإعلام الروسية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني، بدا "جيفري" متخوفًا. وأعاد تأكيد أن نشر صواريخ S-300 إلى سوريا هو "تصعيد خطير"، ودعا الروس إلى توخي الحذر الشديد في هذا الشأن، وتحدث بحزم عن العقوبات الجديدة ضد إيران وروسيا، بينما رفض أيضا أي حديث عن مقايضات مع روسيا بشأن الوجود الإيراني في سوريا، وشكك في مصداقية عملية أستانا، حتى أن "جيفري" احتفظ بحق الجيش الأمريكي "في ممارسة حق الدفاع عن النفس" إذا ما أوقفت القوات الروسية على الأرض. وكشف "جيفري" عن وجود احتكاكات عسكرية مع الروس حتى الآن في "نحو اثنتي عشرة مرة في مكان واحد أو آخر في سوريا".

سيمضي "البنتاغون" قدما في إنشاء مراكز مراقبة على الحدود السورية التركية رغم اعتراضات "أنقرة". يبدو أن ساعة حساب تركيا تقترب. منذ أيام قليلة، ذكرت وسائل الإعلام التركية أن القوات السعودية والإماراتية قد نُشرت في شمال سوريا. في أوائل شهر نوفمبر/تشرين الثاني، أعادت الإمارات افتتاح سفارتها في "دمشق".

تضغط الولايات المتحدة وإسرائيل على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لتمويل الجماعات الكردية السورية المسلحة، وتساعد على خلق نوع من التقارب بين القبائل الكردية والعربية التي تقطن شمال شرق سوريا، بهدف إنشاء ميليشيا كردية عربية موحدة تصبح حصنا سوريا ضد الاثنين -القوى الإقليمية العربية وتركيا وإيران.

على حد تعبير أحد المعلقين السعوديين البارزين في صحيفة الشرق الأوسط اليومية: "الأمريكيون يؤسسون الآن ميليشيات كردية سورية كقوة بارزة ضد العديد من الأطراف وهذا ينعش آمال المعارضة السورية بأن لديها فرصة لاستئناف أنشطتها القتالية بعد أن فقدت معظم ما سيطرت عليه من أراضي". 

يعود كل من السعوديين والإماراتيين مرة أخرى إلى جناح الولايات المتحدة في سوريا. هذه الدول الخليجية لم تعد تخفي ارتباطها بإسرائيل، وبكل بساطة هم يعملون من أجل المساعدة في تفادي تداعيات قضية الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

——

* ميلكولان جارا بهدراكومار: دبلوماسي سابق في وزارة الخارجية الهندية. كرس أغلب حياته المهنية لمدة ثلاثة عقود في مناصب دبلوماسية في باكستان وأفغانستان وإيران، وفي مهام في أراضي الاتحاد السوفيتي السابق. بعد خروجه من الخدمة الدبلوماسية، تحول إلى الكتابة والمساهمة في صحيفة آسيا تايمز، وهندو وديكان هيرالد. يعيش في نيودلهي.

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات