ستراتيجيك كالتشر: من يفوز في مواجهة البحر الأسود.. روسيا أم أوكرانيا؟

الأربعاء 28-11-2018 | PM 06:22 صورة أرشيفية

فينان كونين كام

من الواضح أن أعمال العنف التي اندلعت مؤخرا بالقرب من مضيق كيرتش في البحر الأسود هي بمثابة استفزاز صارخ يهدف إلى تقوية النظام الاستبدادي في عهد الرئيس بيترو بوروشينكو. إنها أيضًا مناورة متهورة تهدف لدفع أجندة كييف المتهورة للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. وعلى ما يبدو، البعض لا يهتم حتى لو كانت هذه المناورة تخاطر بإشعال حرب شاملة بين روسيا والناتو.

يبدو أن التحالف العسكري للناتو بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يدعمان ادعاءات كييف بالعدوان من جانب موسكو في أعقاب التصعيد الأخير في البحر الأسود. وهذه الاستجابة تتطابق مع سعي بوروشينكو طويل الأمد لإظهار روسيا كمعتدي وحشد الدعم من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

ومن المفارقات أن وسائل الإعلام الغربية كانت تضم نقاداً مؤيدين لـ"ناتو" زعموا أن المواجهة في عطلة نهاية الأسبوع كانت تدور حول "الشرير بوتين". من المتوقع أن يستفيد الرئيس الروسي من العديد من الانحرافات السياسية للحكومات الغربية، ومنها مشاكل ترامب في العلاقات العامة مع السعودية حول مقتل جمال خاشقجي، وكارثة بريكسيت وما يصحبها من مشاكل- وكل هذا لتوجيه ضربة قوية لكييف.

هذه النظرة الساخرة المعادية لروسيا تتغاضى تماماً عن الحقائق الصارخة القائلة بأن الاشتباك البحري بين القوات الأوكرانية والروسية في البحر الأسود تأتي لصالح نظام كييف وبوروشينكو. إن الوضع هنا ليس "بوتين الشرير" بقدر ما هو مكر ودهاء من جانب "بوروشينكو".

إن الإعلان الفوري لمجلس الأمن القومي لبوروشينكو عن فرض الأحكام العرفية في أوكرانيا -في غضون ساعات من المواجهة البحرية يوم الأحد- يسعى بفعالية إلى منح بوروشينكو صلاحيات ديكتاتورية في نظام كييف. من المحتمل أن تسمح حالة الطوارئ لبوروشينكو بإلغاء الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في آذار/مارس من العام المقبل. ومع تراجع معدلات استطلاعاته إلى نحو 10%، يبدو من المرجح جداً أن يتحول رجل صناعة الشوكولاتة الذي تحول إلى سياسي، إلى الانهيار تماما في الانتخابات المقبلة. إذا لم يُسقط بوروشينكو فعليًا في الاقتراع، فإن تصاعد الأحداث الأمنية قد يسمح له بالحشد للناخبين حول العلم وتحت قيادته.

ليس هذا فقط، ولكن إذا تم فرض قانون الأحكام العرفية، فإنه يسمح لنظام كييف بحظر الاحتجاجات العامة، التي كانت قد نشأت من حالة السخط الشعبي مع الفساد والحرمان الاجتماعي. يمكن لنظام كييف أيضا تشديد الرقابة على وسائل الإعلام، وفرض حظر التجول من الغسق إلى الفجر، وتوجيه مزيد من الرجال إلى الخدمة العسكرية.

يوم الأحد، تم الاستيلاء على ثلاث سفن حربية أوكرانية من قبل القوات الروسية بالقرب من مضيق كيرتش في البحر الأسود. يدعي الروس أن السفن الأوكرانية انتهكت الحدود الإقليمية، ويقولون إنها تصرفت بشكل خطير وتجاهلت التحذيرات للتراجع. يدعي الجانب الأوكراني أن سفنهم كانت في مياه دولية وكانت تنتقل من أوديسا عبر مضيق كيرتش إلى ميناء ماريوبول على بحر آزوف.

التوترات تصاعدت بشكل حاد خاصة منذ أن فتحت روسيا جسراً جديداً في وقت سابق من هذا العام فوق مضيق كيرتش، حيث ربطت البر الرئيسي مع شبه جزيرة القرم. انفصلت شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا في آذار/مارس 2014 بعد إجراء استفتاء في شبه الجزيرة دعا إلى الانضمام إلى الاتحاد الروسي. يشار إلى هذا الحدث بشكل روتيني في وسائل الإعلام الغربية إلى "ضم" روسيا لشبه جزيرة القرم. وتتجاهل هذه التقارير الغربية المحقونة حقيقة أن الولاية الشعبية في شبه جزيرة القرم تتبع الانقلاب المدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في كييف من قبل النازيين الجدد في شباط/فبراير 2014 والذي أطاح بشكل غير قانوني بحكومة منتخبة. يدين الرئيس الأوكراني الحالي بوروشينكو بمنصبه لهذا الانقلاب العنيف في كييف.

دعت العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية في كييف إلى القيام بأعمال تخريبية ضد الجسر الذي تبلغ قيمته 4 مليارات دولار فوق مضيق كيرتش. وأدى ذلك بدوره إلى تواجد الدوريات الأمنية الروسية في المنطقة.

وحول آخر صدام بحري، قال نائب وزير الخارجية الروسى (جريجورى كاراسين) يبدو أنه "استفزاز مع سبق الإصرار" من قبل نظام كييف. المجموعة الفعلية من الإجراءات التي اتخذتها بوروشينكو تقترح بالفعل أن الأحداث كانت مخطط لها مسبقا. بالإضافة إلى رغبته في فرض الأحكام العرفية وجميع المنافع الديكتاتورية التي قد يحصل عليها، دعا بوروشينكو الحكومات الغربية أيضًا إلى فرض المزيد من العقوبات ضد روسيا، وعلى شركاء حلف الناتو أتخاذ إجراءات في "الدفاع عن أوكرانيا". وطالبت كييف على الفور بإعادة سفنها الحربية الثلاث المعتقلين وأكثر من 20 فرد من الطاقم.

وأكد بوروشينكو، بشكل غير مقنع إلى حد ما، أن أي نظام للحكم العرفي لن يكون "إعلان حرب" ضد روسيا. وادعى أن نظام كييف كان يسعى إلى تسوية الصراع الذي دام قرابة أربع سنوات في شرق أوكرانيا من خلال الوسائل السياسية ووفقا لمعاهدات (مينسك) 2014 و 2015. يتناقض خطاب بوروشينكو لصنع السلام بشكل واضح مع الأعمال العدوانية المتواصلة لقواته العسكرية تجاه جمهوريتي (دونيتسك ولوهانسك) الانفصاليتين. مباشرة بعد المواجهة البحرية في عطلة نهاية الأسبوع، كانت هناك تقارير عن قيام القوات الأوكرانية بشن هجمات مدفعية ثقيلة على دونيتسك وتوغلات بالطائرات بدون طيار عبر خط الهدنة بالقرب من غورلوفكا.

يبدو من المهم الذكر أنه قبل ثلاثة أيام فقط من الاشتباك البحري في البحر الأسود، خاطب الرئيس بوروشينكو البرلمان في كييف، قائلاً إن التعديل الدستوري الذي يحدد بوضوح خطط دولته للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي سيكون بمثابة الرفض النهائي لروسيا. أعلن بوروشينكو أن موسكو لن يكون لديها "حق النقض" على التطلعات الأوكرانية للانضمام إلى الكتل الغربية.

حذرت روسيا مرارًا من أن انضمام دولة أوكرانيا المجاورة إلى الناتو سيكون خرقاً غير مقبول لأمنها القومي. ويبدو أن كلا من الناتو والاتحاد الأوروبي قد تضايقوا من عضوية أوكرانيا المرتقبة بسبب التقارير المزعجة عن الانتهاكات المنتظمة لحقوق الإنسان والفساد السياسي والحالة المؤسفة لاقتصادها.

يقوم بوروشينكو المفعم بالحيوية ونظامه النازي الجديد في كييف بدفع المواجهة مع روسيا من أجل تعزيز خططهم المتهورة للانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي. ومن خلال استغلال الأحداث في هذا الاستفزاز الأخير، يبدو أن حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي يشربون الخمر الذي يقدمه نظام بوروشينكو.

 

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات