متى تدرك "واشنطن" أنه لا يجب استرضاء تركيا بالضغط على "العمال الكردستاني"؟

الأحد 11-11-2018 | PM 03:37 صورة أرشيفية

مايكل روبين | واشنطن إكزامينر

في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني، نشرت السفارة الأمريكية في "أنقرة" مذكرة تفيد بأن "وزارة الخارجية قد خصصت مكافآت للحصول على معلومات تفضي إلى تحديد مكان أو اعتقال أعضاء كبار حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهم:  مراد قرة يلان (حوالي 5 دولارات أمريكية)، جميل باييك (ما يصل إلى 4 ملايين دولار)، ودوران كالكان (ما يصل إلى 3 ملايين دولار أمريكي). هذه المكافآت تعد أمرا شائعا عندما يتعلق الأمر بالإرهابيين الرئيسيين. في السنوات الماضية، أصدرت الحكومة الأمريكية، على سبيل المثال، مكافآت لمن يقدم معلومات عن مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وزعيم تنظيم "داعش" أبوبكر البغدادي، وزعيم جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا أبوبكر شيكاو، لكن الرجال الثلاثة الذين تم تسميتهم هذه المرة ينتمون إلى نفس الجماعة.

ليس فقط أنهم لم يستهدفوا الأمريكيين، ولكن ليس من المؤكد حتى أنهم إرهابيون حقيقيون. يعد "قرة يلان" أحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني والآن زعيمه، وكان "باييك" أيضا أحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني وهو رئيس الجناح المدني للمنظمة. أما "كالكان"، فهو عضو اللجنة القيادية في حزب العمال الكردستاني. ويبدو أن تخصيص هذه المكافآت للحصول على معلومات بشأنهم هو جهد مدروس لاسترضاء تركيا.

تحت حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، أصبحت تركيا دولة تفاعلية بشكل أكبر، أي أنها تعتمد على المعاملات وليس التحالفات، بمعنى أنها تحتجز المصالح الأمريكية رهينة لها -بالمعنى الحرفي والمجازي. تحتجز مواطنين أمريكيين (قد يكون الضغط قد أجبر أردوغان على إطلاق القس أندرو برونسون، لكنه ما زال يحتفظ بعالم وكالة ناسا سيركان جولج) ويحتجز مصالح أمريكية آخرى رهينة له، مثل إمكانية ولوج قوات حلف الناتو إلى قاعدة "إنجرليك" الجوية، والتعاون في مكافحة تنظيم "داع مثل وظيفة حلف الناتو، " الإرهابي.

أصبح "أردوغان" مهووسًا بشكل كبير بالأكراد، ليس بسبب التمرد الكردي فقط، وإنما أيضا لأن المجتمعات الكردية في تركيا وسوريا تضع الأولوية دائما للهوية العرقية والثقافية قبل الهوية الدينية.

ومثلما صدق العديد من الدبلوماسيين الأمريكيين والأوروبيين يوماً خطاب أردوغان حول الالتزام بالديمقراطية رغم كل الأدلة المتناقضة، فإنهم اليوم يقنعون أنفسهم بأن "أردوغان" أكثر قومية من الإسلاميين. يمكن للأتراك العيش مع الأكراد، ومع ذلك فإنه في الغالب الإسلاميون هم الذين لا يستطيعون العيش سويا. إنه عدم ثقة أردوغان بالليبرالية الدينية الكردية والتسامح الديني، هما الحافز وراء ازدراءه للأكراد، ولهذا السبب قام بسجن القادة السياسيين الأكراد المنتخبين مثل صلاح الدين دميرتاش وفيغين يوكسيكداغ بتهم مزيفة، وعلى الرغم من استخدام الإرهاب كذريعة لإرسال القوات التركية إلى عفرين (دون أن يكونوا قادرين على تسمية حادث إرهابي واحد نشأ في المناطق التي احتلتها تركيا)، ولهذا السبب أشرف بعد ذلك على حملة التطهير العرقي ضد أكراد عفرين، وكذلك على جلب الإسلاميين لفرض قوانين اجتماعية ولباس محافظ.

إن ما يجعل التحرك الأخير الذي اتخذته وزارة الخارجية مثير للسخرية بشكل خاص، هو أن الولايات المتحدة متحالفة بشكل فعال مع حزب العمال الكردستاني، عندما لم تقم تركيا فقط بعرقلة القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية وإنما ساعدت أيضًا بنشاط على دعم الجماعة. يشكو المسؤولون الأتراك من تعاون الولايات المتحدة مع حزب العمال الكردستاني، لكن ما يتجاهلونه هو أن "البنتاجون" لم يفعل ذلك إلا بعد السعي أولاً إلى العمل مع تركيا لمجابهة التنظيم الوحشي الذي لا يمكن مواجهته إلا بالرفض التركي. قد يدعي الدبلوماسيون الأمريكيون أنه لا توجد علاقة بين حزب العمال الكردستاني من جهة ووحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، لكن هذا غير صحيح. وبما أن "داعش" لم تعد تسيطر على مدن أو بلدات كبرى، فإن وزارة الخارجية تدير الحلفاء من أجل استرضاء حكومة لا تمكن فقط من صعود "داعش" من خلال توفير ممر حر لمقاتليها الأجانب، بل سعت أيضًا إلى الاستفادة منه.

من الناحية القانونية، من المشكوك فيه أيضًا إذا كان حزب العمال الكردستاني ينتمي إلى قائمة الإرهاب. وقد صُنف على خلفية الحرب الباردة عندما احتضن الأيديولوجية الماركسية واستهدف أعضاء الناتو إلى جانب الجيش التركي، ولكنه تخل عن ماركسيته في نهاية الحرب الباردة، وعلى خلاف الجماعات التي تستهدفها الولايات المتحدة (منظمة التحرير الفلسطينية، على سبيل المثال)، لم يستهدف حزب العمال الكردستاني الأمريكيين لعقود ولم يستهدف المدنيين (لا يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لبعض المجموعات الفرعية، لكنها ليست ما تم تصنيفه كجماعة إرهابية). والأهم من ذلك أن "أردوغان" نفسه اعترف بحزب العمال الكردستاني ككيان سياسي شرعي وممثل للأكراد عندما بدأ مفاوضات سرية مع زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبدالله أوجلان في عام 2012.

ببساطة، في حين أن حزب العمال الكردستاني ليس خاليا من العيوب تماما كما يدعي العديد من مؤيديه، فإن العديد من الاتهامات الموجهة ضده لا أساس لها في الواقع ولا تُستمد إلا من الاتهامات التركية، وهي دولة كانت قضاتها وأجهزة استخباراتها، كما أظهرت قضية "برونسون"، لديك القليل من المصداقية إن وجدت.

تبدو مزاعم تهريب المخدرات والإرهاب اليوم أكثر خيالاً من أن تكون واقعية، حيث تكُرست كحكمة تقليدية في التقارير الموروثة ولكن بدون أن يكون لها أساس في الواقع. ومع ذلك، فإن روايات الشر عن حزب العمال الكردستاني قد تم تبنيها بشكل غير مقصود من قبل جيل من الدبلوماسيين الأمريكيين الذين يسعون إلى إرضاء أو استرضاء المضيفين الأتراك. للأسف، مثلما أصبح بعض الدبلوماسيين الأمريكيين أكثر عرباً من العرب في كراهيتهم لإسرائيل أو احتضانهم للمؤامرات من أجل الفوز بعقود سعودية بعد التقاعد، أصبح الكثير من خريجي السفارة الأمريكية في تركيا أكثر تركيةً من الأتراك في بلادهم، من ناحية الكراهية تجاه التنظيم السياسي الكردي.

مع ذلك، فإن الجوانب الثلاثة الأسوأ في تحرك وزارة الخارجية، هي على النحو التالي:

أولاً، تخلق سخرية هذا الأمر ثغرة في التعاون المستقبلي بين الأكراد والأمريكيين عندما تتعرض المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة للتهديد. بالطبع، لن يقتصر هذا التحذير على الأكراد فقط. بما أن الإرهاب الإسلامي لا يزال يمثل مشكلة في جميع أنحاء العالم، يجب على كل مجموعة من السكان الأصليين أن تقلق بشأن التزام الولايات المتحدة. لماذا يجب على الأفغان، على سبيل المثال، أن يخاطروا بمحاربة "طالبان" إذا قامت وزارة الخارجية بدهسهم تحت الحافلة في وقت ما، من أجل إرضاء باكستان؟

ثانيا، تآكل شرعية قائمة الإرهاب برمتها. إن اقتراح أن "قرة يلان وباييك وكالكان" يعادلون بن لادن أو خليفته أيمن الظواهري أو صدام حسين، هو محض هراء. ربما يعتقد وزير الخارجية مايك بومبيو أو المبعوث الخاص (والسفير السابق في تركيا) جيم جيفري، أن هذه الخطوة يمكن أن ترضي "أردوغان"، ولكنها في الواقع ستثير ببساطة أسئلة حول شرعية جميع التصنيفات المستقبلية. من الناحية الموضوعية، الرجال مثل "أردوغان" وصهره بيرات ألبيرق أكثر ملاءمة لتصنيفهما كإرهابيين، نظراً لعلاقتهم بـ"حماس" و"القاعدة" و"داعش"، من الناشطين الأكراد.

ثالثًا، تحرك وزارة الخارجية يفترض استرضاء "أردوغان"، لكن استرضاء الدكتاتوريين نادراً ما ينجح، و"أردوغان" لا يرضى أبداً. وقد قوبل كل تنازل يقدمه الدبلوماسيون الغربيون لـ"أردوغان"، بمزيد من الغضب والمطالب الأكثر تطرفا.

لا تستطيع الولايات المتحدة أن تفوز على تركيا أو تتقدم في موقفها عن طريق التعامل مع الكراهية غير المنطقية لـ"أردوغان" على أنها خاصة بها. لقد حان الوقت لتقليص آثار الحرب الباردة مرة واحدة وإلى الأبد، والتوقف عن افتراض أن تركيا قبل وبعد "أردوغان" أكثر تشابهاً وليس اختلافا، ووقف الخلط بين الجناة والضحايا، ووضع سياسة مكافحة الإرهاب على أرض الواقع بدلاً من اللطف الدبلوماسي.

----

مايكل روبين: مسؤول سابق بوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، وباحث مقيم بمعهد "آمريكان إنتربرايز" للأبحاث والدراسات الاستراتيجية.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات