"فورين بوليسي": "واشنطن" لن تتخلى عن الأكراد.. لكنها في موقف صعب تجاه تركيا

الأربعاء 07-11-2018 | PM 12:45 صورة أرشيفية

فورين بوليسي

في الأسبوع الماضي، بدأت الولايات المتحدة وتركيا دوريات عسكرية مشتركة في بلدة "منبج" السورية، حيث تشكل تلك الدوريات جزءًا من المرحلة الثانية لما يسمى بخارطة طريق "منبج"، وهي اتفاقية وقعتها الدولتان قبل عدة أشهر، في محاولة لتخفيف حدة التوتر بينهما في سوريا. وعلى الرغم من بعض التقدم، لم تنجح الخطة بالفعل، وما يمكن أن يحدث في المدينة قد يؤدي إلى مزيد من تقويض العلاقة المتوترة بالأساس بين الولايات المتحدة وتركيا.

كانت "منبج"، التي تقع بالقرب من الحدود السورية مع تركيا، منذ فترة طويلة نقطة خلاف بين القوتين. في عام 2016، قامت الولايات المتحدة، إلى جانب القوات الكردية الحليفة بالإطاحة بتنظيم "داعش" من المدينة. وكان الهدف من المهمة هو منع التنظيم المتطرف من الوصول إلى الحدود التركية، وقد جاء ذلك في إطار التحضير لحملة أكبر لتحرير "الرقة" المقررة في العام التالي، لكن العملية خرقت خطاً تركياً طويل الأمد ضد أي وجود كردي غرب نهر الفرات.

لم تكن "أنقرة" سعيدة بهذا، واعتبرت الدعم الغربي للمسلحين الكردي تهديداً لأمنها القومي. وهكذا، بعد سقوط "منبج" في صيف عام 2016، غزت القوات التركية شمال حلب. العملية التركية، التي أطلق عليها اسم "درع الفرات"، أطاحت بـ"داعش" من مواقعه الأخيرة على طول الحدود، لكنها أيضا منعت جميع الطرق البرية المحتملة للأكراد من التوجه غربًا نحو الكانتون المنعزل في "عفرين"، حيث كانوا سينضمون إلى فرقة أخرى من القوات الكردية المتحصنة هناك. في أوائل عام 2018، واصلت أنقرة "درع الفرات" من خلال عملية ثانية أطلق عليها اسم "غصن الزيتون"، والتي تمكنت من خلالها من السيطرة الكاملة على "عفرين" وطردت الأكراد السوريين.

وأثناء تلك العملية، أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن "منبج" قد تكون التالية. وفي خطاب ألقاه في يناير/كانون الثاني، حذر القوات الأمريكية من الاقتراب أكثر من وحدات حماية الشعب (YPG) ، التي تعد أقوى ميليشيا كردية بين تلك التي تعمل إلى جانب الولايات المتحدة في سوريا، كما أن تكون وحدات حماية الشعب مرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK) ، وهي جماعة متمردة كانت نشطة في تركيا منذ عام 1984.

لتسهيل الأمور مع تركيا، زار وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون أنقرة في فبراير/شباط للاجتماع مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلوا، ووافق الطرفان على إنشاء فريقين عاملين، أحدهما حول سوريا والآخر حول القضايا الأوسع في العلاقة الأمريكية-التركية، بما في ذلك احتجاز المواطنين الأمريكيين، وإدانة مواطن تركي في نيويورك، وشراء "أنقرة" لنظام صواريخ إس 400 الروسي.

كانت مجموعات العمل، التي بدأت بعد رحلة "تيلرسون" مباشرة، لها نتائج متباينة. لكن في يونيو/حزيران، توصل الجانبان إلى اتفاق بشأن "منبج"، حيث وضعوا معًا خريطة طريق للعمل معًا، وليس في أغراض متقاطعة، في المدينة. وتدعو الخطة إلى قيام كل دولة بدوريات مستقلة على طول حدود المنطقة، تعقبها دوريات عسكرية متكاملة على طول الخط. والآن بعد أن بدأت الدوريات المشتركة، من المفترض أن تبدأ المرحلة الثانية من خارطة الطريق، وسيشمل ذلك قيام الولايات المتحدة وتركيا بتدقيق عمل الأعضاء في مجلس منبج العسكري، الذي يحكم المدينة حاليا.

لكن خارطة طريق "منبج" تعاني من عدم الوضوح منذ البداية. أصرت "أنقرة" على أنه كان من المفترض أن يكون للاتفاق جدول زمني محدد. لكن الولايات المتحدة، من جانبها، أكدت أنه من المفترض أن يلتزم الجانبان بشروط محددة قبل الانتقال من مرحلة إلى مرحلة. لقد قوض هذا التباين في وجهات النظر التأثير المقصود لخريطة الطريق: التوترات بين الحلفاء السابقين لا تزال عالية، ولا أحد يعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك.

مراراً وتكراراً، أوضح "أردوغان" أنه يرى "منبج" نقطة انطلاق لتطهير جميع وحدات حماية الشعب من شرق سوريا. وللتأكيد على هذه النقطة، قامت تركيا مؤخراً بقصف مواقع وحدات حماية الشعب بالقرب من "منبج" وأماكن أخرى على طول الحدود السورية التركية بنيران المدفعية. تنوي تركيا استخدام الضغط العسكري لإنجاز أمرين: أولاً، محاولة إقناع الولايات المتحدة بالتخلي عن شركائها الأكراد، والثانية، إجبار واشنطن على التفاوض حول اتفاقيات خارطة طريق "منبج" مع مدن أخرى في شرق سوريا. ضمنيا، ما يحدث هو تهديد تركي بأنه إذا لم تفعل الولايات المتحدة ما تريده تركيا، فسوف تستمر في قصف الأراضي التي كانت خالية من الصراعات في السنوات القليلة الماضية.

يبدو أن الولايات المتحدة، على الرغم من وجود تحذيرات علنية وافرة من الحكومة التركية، قد فاجأها تصاعد القصف في الآونة الأخيرة. إنها تكافح من أجل الرد، وتتأرجح بين محاولة استرضاء تركيا بالتلميح الخاص حول التنازلات المستقبلية على طول الحدود وتوبيخ الأتراك بهدوء وتحذيرهم من أن القوات الأمريكية ستدافع عن نفسها إذا أطلقت عليها النار.

الأولوية بالنسبة للولايات المتحدة هي منع تركيا من زعزعة استقرار شمال سوريا. تتحدى الهجمات التركية فرضية مركزية حول اتجاه الحرب الأهلية السورية، وهي أن: خطوط المواجهة المختلفة قد أصبحت أكثر صلابة وأن المواقع الحالية للمقاتلين يمكن استخدامها كأساس للمفاوضات لإنهاء النزاع. لكن ليس لدى الولايات المتحدة خيار جيد للرد على تركيا، فهي لن تتخلى عن الأكراد، مثلما تريد تركيا، أو تبدأ في قصف تركيا من أجل جعل ذلك البلد يسقط.

إن الخطوة المؤقتة الواقعية الوحيدة للولايات المتحدة هي محاولة إصلاح خارطة طريق منبج في محاولة لإخراج نقطة الصراع فوراً من المعادلة. وبدون جولة أخرى من المحادثات لإبرام الاتفاق، من المؤكد أن عملية فحص الأعضاء الجدد في مجلس الحكم ستكون مشحونة، حيث يحجب كل طرف المعلومات الاستخبارية الوطنية حول الأسباب التي تجعل بعض الأشخاص خارج حدود التسامح. إذا تعطلت العملية بالكامل، فمن المرجح أن تزيد "أنقرة" الضغط على الأكراد في سوريا.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات