مكاسب تركيا من أزمة "خاشقجي": دعم اقتصادي وضغط على السعودية لوقف دعم الأكراد في سوريا

الإثنين 22-10-2018 | AM 11:49 جمال خاشقجي - صورة أرشيفية

أوراسيا ريفيو

مع إعلان المملكة العربية السعودية وفاة الصحافي السعودي جمال خاشقجي في مشاجرة داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وإعلانها التحقيق مع 18 شخصا متهمين في الواقعة، فإن تركيا تحاول تعزيز استفادتها من القضية من خلال الضغط على المملكة لمحاولة تحقيق حلم ريادة العالم الإسلامي وإعادة وضع نفسها كحليف رئيسي للولايات المتحدة.

قبل الإعلان الرسمي، عملت تركيا على تسريب ما قالت إنه أدلة تمتلكها على مقتل "خاشقجي" رغم أنها لم تعلن أي شيء رسميا، وكان الهدف هو تعزيز موقعها الجيوسياسي في مواجهة المملكة العربية السعودية، وكذلك روسيا وإيران، واحتمال تحقيق ميزة اقتصادية في الوقت الذي تكافح فيه لعكس مسار الانكماش المالي، الناتج عن الأزمة مع الولايات المتحدة قبل عدة أشهر.

وبذلك، أجبرت تركيا المملكة العربية السعودية على السماح للمحققين الأتراك الذين رافقهم المسؤولون السعوديون بالدخول إلى القنصلية، ووضع الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه في موقع "المنقذ" للمملكة من خلال هندسة الوضع الذي سيسمح للمملكة بصياغة طريقة لحفظ ماء الوجه من الأزمة.

قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأتراك والسعوديين يد المساعدة من خلال إحالة احتمالات مقتل "خاشقجي" من قبل المارقين، وأرسل وزير خارجيته مايك بومبيو إلى الرياض وأنقرة. وقد استغلت تركيا الموقف لتحقيق مكاسب من خلال التوصل إلى صيغة لا تضر بالأسرة الحاكمة في السعودية، وفي نفس الوقت تعزز النفوذ التركي.

تعزز النفوذ التركي في الأساس من حقيقة أن المملكة العربية السعودية -صورتها في الدوائر الحكومية والسياسية والتجارية، تضررت بشدة من الأزمة- وإدارة "ترامب" تريد ضمان أن الأسرة الحاكمة في المملكة ستخرج من الأزمة سالمة قدر الإمكان.

نتيجة لذلك، من المرجح أن تغير أزمة "خاشقجي" من ديناميكيات المنافسة طويلة الأمد بين تركيا والمملكة العربية السعودية لقيادة العالم الإسلامي. كما أن هذه القضية تعزز موقف تركيا في تحالفها التفاعلي مع روسيا وإيران أثناء مناورتهما لإنهاء الحرب في سوريا بطريقة تدعم رئاسة بشار الأسد في الوقت الذي تتعامل فيه مع المخاوف التركية.

ومن المرجح أن يستفيد موقف تركيا التنافسي مع السعودية، من حقيقة أنه مهما كان الحل المطروح الذي يمنع المواجهة والذي تتبناه المملكة، من المرجح أن يكون خاطئًا عندما يتم اختباره من خلال الحقائق المتاحة، حتى لو كان الكثيرون يرون تركيا على أنها سهلت الحل السياسي بدلاً من ضمان إثبات الحقيقة.

بالفعل، عائلة "خاشقجي" سبق أن ألمحت ونقلت عنها وسائل الإعلام السعودية، أنها تدعم نفي السعودية للمسئولية، وألمحت أيضا أن مصيره كان نتاج مؤامرة من قطر و/أو تركيا والإخوان المسلمين، وألقت بظلال الشك على صحة ما قالته الخطيبة التركية لـ"خاشقجي"، حين دعت إلى "إنشاء لجنة دولية مستقلة ومحايدة للتحقيق في ظروف وفاته".

تختلف تركيا والمملكة العربية السعودية في قضايا متعددة تقسم العالم الإسلامي، فقد تعهدت تركيا بمساعدة إيران على التغلب على العقوبات الأمريكية المدعومة من السعودية، والتي فرضت بعد انسحاب "ترامب" في مايو من الاتفاقية الدولية لعام 2015، التي حدت من الطموح النووي للجمهورية الإيرانية.

وتدعم تركيا بشكل أكبر قطر في نزاعها مع التحالف بقيادة السعودية والإمارات العربية المتحدة التي قاطعت دبلوماسيا واقتصاديا الدولة الخليجية خلال الأشهر الستة عشر الماضية. وكانت هناك بالفعل شكوك حول مصداقية ادعاءات دعم قطر للإرهاب والتطرف، بسبب أزمة "خاشقجي" وعدم الإعلان عن المسؤول عن مقتله لمدة تقارب الأسبوعين قبل أن تعلن المملكة رسميا التحقيق في وفاته. وعلاوة على ذلك، فإن وفاة "خاشقجي" أبرزت توجهات مختلفة في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، فقد لجأ العديد من الإخوان إلى تركيا التي يحكمها "أردوغان" الذي يتعاطف مع التنظيم.

كان التنافس السعودي-التركي لقيادة العالم الإسلامي أكثر وضوحا في ردود الدولتين على اعتراف "ترامب" بالقدس عاصمة لإسرائيل وخطة لم تنشر بعد لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

برزت تركيا كزعيم للرفض الإسلامي لتحرك "ترامب" للسفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بالمدينة كعاصمة لإسرائيل، في حين كان رد السعودية متحفظا وكانت هناك محاولات لكبح جماح المعارضة من قبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. ولكن في نهاية المطاف، اضطر الملك سلمان إلى التدخل في محاولة لتوضيح موقف المملكة ومواجهة التحركات التركية.

بغض النظر عن الطريقة التي تقرر بها تركيا الإعلان عن أي دليل لديها رسميا، فإن السعودية حددت كيفية ردها لاحتواء الأزمة، ومن المرجح أن تخرج تركيا من الأزمة أقوى، على الرغم من أنها تسير على نحو متزايد إلى الاستبداد والسلطوية والابتعاد عن الليبرالية في الداخل.

إن نجاح تركيا في خطتها كان رائعاً، نظراً إلى عدم امتلاكها للعضلات المالية السعودية ولا للعباءة التي ترتديها المملكة باعتبارها خادم الحرمين الشريفين على مكة المكرمة والمدينة المنورة.

من المرجح أن تحصل تركيا من خلال الحل السياسي الناجح لأزمة "خاشقجي" على امتنان إدارة "ترامب" والمملكة العربية السعودية ومنتقديها الآخرين، مثل الإمارات العربية المتحدة التي تدعم المملكة، حتى لو كان ذلك الامتنان قد يساعد تركيا على استعادة الشعبية في العالم العربي التي فقدتها نتيجة تأرجحها نحو الاستبداد والتحالف مع إيران وقطر، ودعم التنظيمات الإسلامية.

من المرجح أن يكون الانتصار التركي الفوري موافقة سعودية على مطالبة "أردوغان" بأن تتخلى السعودية عن دعمها للأكراد في سوريا التي تعتبرها "أنقرة" إرهابية، وهي خطوة من شأنها أن تعزز موقف تركيا من المناورة التركية الروسية الإيرانية لتعزيز نفوذها في سوريا ما بعد الحرب. ومن المرجح أيضا أن تحصل تركيا على دعم السعودية اقتصاديا.

ومع ذلك، قد تلعب تركيا من أجل تحقيق مكاسب أكبر. تركيا "تريد أن تدفع المملكة العربية السعودية إلى الحائط". وقال الباحث في العلاقات الدولية سيرهات جوفينك، إن تركيا تريد أن "تنتقص من الصورة الإصلاحية التي تقوم السعودية ببنائها في الغرب، في محاولة لجعل الولايات المتحدة تختار أنقرة حليفا رئيسيا لها في الشرق الأوسط، بدلا من المملكة السعودية".

توترت العلاقات التركية في السنوات الأخيرة نتيجة للإصرار التركي على أن الولايات المتحدة تؤوي إرهابياً من خلال رفض تسليم فتح الله غولن، الداعية الذي تتهمه بالتخطيط للانقلاب الفاشل عام 2016؛ واحتجاز رعايا أمريكيين وموظفي القنصلية الأمريكية بتهم ملفقة مزعومة، وحالة النشوة التي انتابت تركيا بعد شراء نظام صواريخ S-400 الروسي، والتوافق مع إيران، وكذلك توترت العلاقات بشكل أكبر بسبب الدعم الأمريكي للأكراد السوريين.

ولكن هذا الأسبوع، بشر "ترامب" بعهد جديد في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا بعد الإفراج عن آندرو برونسون، الواعظ الإنجيلي الذي سجن في تركيا لمدة عامين بتهمة التجسس.

وقال "جوفينك" إن تركيا تأمل في أن يساعد تشويه صورة المملكة السعودية على إقناع "ترامب" بأن تركيا بدلاً من المملكة هي أقوى حلفائها وأكثرها موثوقية إلى جانب إسرائيل في الشرق الأوسط. وقال الصحفي فرحات أونلو: "إن تركيا تعرف كيف تدير الأزمات الدبلوماسية. وتتمثل استراتيجيتها في إدارة التوتر لصالحها".

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات