جمهورية شرق الفرات.. كيف يتضامن العرب والكرد لبناء دول ديمقراطية تعددية؟

الأحد 14-10-2018 | PM 07:00 صورة أرشيفية

د. آزاد علي

تفضل السيد تورجوت أوزال بالقول قبل حوالي ثلاثين سنة: "آه لو كان اسم تركيا الأناضول أو أناضوليا لكانت كل مشكلاتنا قد حلت". بهذا المنطق العلمي العميق والحس السياسي الرفيع شخص مؤسس نهضة تركيا الحديثة مشكلات تركيا وأحالها ليس للتسمية وإنما إلى الذهنية التي تنتج الأسماء، وبالتالي إلى أيديولوجيات الحكم القاتلة في المنطقة عموما وتركيا على وجه الخصوص، وبالتالي ما ينتجه الاسم من سياسات. إنه اكتشاف عملي مبكر لطبيعة العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا والهوية من جهة، وأنظمة الحكم وأيديولوجيات تقديس الهويات من جهة أخرى. فماذا يوحي على سبيل المثال لا الحصر اسم (جمهورية إفريقيا الوسطى)؟ لا شيء سوى الجغرافيا ثم الجغرافيا.

حسنا، لقد تغيير العالم وتغيرت موازين القوى والبنى المجتمعية في الشرق الأوسط والعالم كثيرا منذ أن رحل "أوزال"، فما الذي يمكن إضافته لهذه الرؤية التي سبقت عصرها، فتم التخلص من صاحبها مبكرا.

لا شك أن موضوعات الهوية والسيادة وأنماط الحكم وصولا إلى الحكم الرشيد، وغياب العدالة الاجتماعية والقومية، هي مواضيع جوهرية تولد معضلات وصراعات، بل حروب لا تنتهي في عالمنا المعاصر، وما تداعيات المسألة السورية وكل تعقيداتها إلا أحد نتائج ومخرجات الخلل في تحقيق العدالة.

وفي صلب حديثنا اليوم، تفرض مسألتا الهوية والحكم الرشيد والعلاقة مع الجوار نفسها على فضاء الجغرافية التي نعيش فيها، سواء على مستوى سوريا ككل أم الجزيرة السورية بشكل خاص.

قلت الجزيرة السورية عرفا وتكرارا.. على اعتبار أنه قد اختلطت الجغرافيا بالطبوغرافيا والديموغرافيا، وعلى الرغم من عدم فهمنا تماما بأي مقياس يتم قياس أوطاننا من قبل الغرب الأوروأمريكي والشرق الروسوإيراني، سنتطرق بشيء من التفصيل لدلالة جغرافية شرق الفرات، ونحاول تفسير موقعها السياسي المعاصر بدلالة متغيرات الهوية والتسمية التي مرت بها، في استعانة بالتاريخين البعيد والقريب. فهل الجغرافيا تحدد الهوية أم الديمغرافيا والثقافة تاليا؟ في حالتنا وفي مأساتنا الجغرافية المزمنة، أدلى علماء الآثار بدلوهم فقالوا أن منطقة (كوردا) هي منطقة تقع بين دجلة والخابور، وهي صفة جغرافية بل طبوغرافية بحسب البروفيسور جمال رشيد أحمد، وهي جهة الشمال التي يتم التجارة معها بحسب وثائق تل الحريري ماري على الفرات الأوسط  في الألف الثالث ق.م. ويرجح جمال رشيد أن لقب الكرد قد جاء من الجغرافيا وليس من إثنية أو عرق محدد.

 إذن الانتماء الأساس كان إلى الجغرافيا، وبالتالي مقاربة أولية لتفسير هوية المنطقة التاريخية، تفصح عن أن أغلب هذه المسميات والتصانيف اشتقت من حكم الممالك والإمبراطوريات المتعاقبة.

·        من كوردا إلى كوردئيني

إن جغرافية منطقة أعالي الجزيرة وجوارها ذات الارتباط الاجتماعي والثقافي الوثيق كانت جزءًا من إقليم أوسرمي أو صيغته المتأخرة في التسمية إقليم آقور، التي كانت جزءا من مملكة أوسع لعدة قرون وهي مملكة كوردوئيني ذات الملاح القومية الثقافية الكردية الأولية الجنينية، لكنها عانت من عدم الاستقرار وحروب التبعية لهذه القوى والإمبراطوريات أو تلك.

كتب جمال رشيد: "في أغلب الأحوال، كانت مملكة كوردوئيني، بين الخضوع والاستقلال، تتأرجح مع المالك الصغيرة الأخرى بشمال وادي الرافدين في خضم الصراع الفرثي – الروماني الطويل، ودام هذا الوضع إلى زمن سقوط نظام الفرث ومقتل أرطبان الخامس عام 226 م بيد أردشير بن بابكان بن ساسان في بداية القرن الثالث الميلادي. وقد استمرت الثورات والانتفاضات والقلاقل المحلية في كل من كردستان التي كانت تتألف من (ميديا، حذيب وكوردوئيني) وأرمينيا ضد الفرث والروم على الدوام، لأنهم كانوا سببا مباشرا في تأخر هذه البلدان وشعوبها من الناحية الاقتصادية والسياسية، ولعل آخر هذه الانتفاضات كانت ثورة الميديين (الكرد) المشتركة مع ملوك حذيب وكركوك عام 220م، ولكن ظهور الساسانيين كقوة سياسية بدلا من الفرث لم يغير من وضع هذه الممالك وحالة سكانها شيئا يذكر، فقد أغار أردشير مؤسس الدولة الساسانية بعد مقتل ملك الفرث مباشرة على شهرزور وميديا وأغلب المناطق الكردية الأخرى التي انتهز سكانها الفرصة للتحرر من حكام طيسفون أو شهرستانان (المدائن). ففي شهرزور واجه كورتانشاهي مادك (مادك ملك الكورت) أردشير وجيشه الذي لاقى مقاومة عنيفة من جانب الميديين الكرد (الذين عرفوا عند الساسانيين بالماديكان)، كما يورد كارنامك أردشير بابكان أي كتاب سيرة أردشير. وبعد عدة معارك استطاع الساسانيون من ضم مقاطعة شهرزور الكردية إلى إمبراطوريتهم. أعقبت هذه الأحداث محاولات ساسانية أخرى زمن سابور (شابور بن أردشير) لاحتلال المناطق الغربية من الوطن الكوردي مثل نصيبين ثم حران، واستطاع الجيش الساساني من الدخول إلى أراضي مملكتي كوردوئيني وأرمينيا، لكن السكان في مملكة كوردوئيني استطاعوا أن ينتصروا على الساسانيين ويحافظوا على استقلالهم، ثم ثارت الكورد في أرض الجزيرة بوجه الساسانيين، لكن شاهبور أغار على هذه المناطق بمشاركة قوات القبائل القزوينية ورجع ليحاصر آمد عاصمة كوردوئيني، حيث لاقى السكان فيها وفي القرى المجاورة لها الأهوال من جراء هذا الحصار، وكان أحد أفراد الحامية الرومانية في هذه المدينة هو المؤرخ أمانيوس مركلينيوس"[1].  هذا المؤرخ الذي روى ونقل جزءا من هذه الأحداث المهمة في تاريخ الصراع على الجزيرة الفراتية.

لقد سميت منطقة شرق الفرات لاحقا وقبل مجيء الإسلام بـ"آقور أو آكور"، وكان هذا المصطلح الجغرافي سائدا ورائجا في معظم الأدبيات الجغرافية العربية الإسلامية حتى عهود متأخرة، حيث سميت بشكل مؤكد قبل مجيء الإسلام بجزيرة آقور وكان يقصد بهذه الجغرافيا: "الجزيرة التي بين الموصل والفرات بأسرها"[2]، كما سميت في مراحل لاحقة عند الجغرافيين المسلمين بالجزيرة الفراتية، نسبة إلى نهري الفرات ودجلة.

 باختصار، كانت الجغرافيا معضلة قائمة بذاتها تتداخل مع سمات الهوية بصفتها أيضا مشكلة تاريخية مزمنة في العالم الإسلامي، حتى تبدو الجغرافيا الوجه الآخر لمشكلة الهوية في العالم الإسلامي.

لقد كان التصنيف والفرز الجغرافي لأي منطقة أو بلدة مشكلة تاريخية اختلفت بحسب تعاقب الممالك وسيادة الثقافات. وقبل مجيء الإسلام كان الاسم الدارج للجزيرة هو إقليم آقور أو آكور حسب تبديل حرف الكاف والقاف. وقد يكون عدد من البلدانيين المسلمين هم الذين ثبتوا هذا التسمية والاصطلاح الجغرافي. وأولهم هو على الأرجح محمد بن أحمد المقدسي المعروف  بالبشاري336-380) ) هجري. هذا وقد وصف الجزيرة عهدئذ كما يلي: "إقليم آقور: هذا أيضا إقليم نفيس ثم له فضل، لأن به مشاهد الأنبياء ومنازل الأولياء. به استقرت سفينة نوح على الجودي. وبه سكن أهلها وبنوا مدينة ثمانين وبه تاب الله على قوم يونس وأخرج منه العين، ومنه دخل الظلمات ذو القرنين. وبه كانت العجايب جرجيس مع داذيانه، وفيه أنبت الله تعالى ليونس اليقطينة، ومنه خرج نهر الملة المبارك المذكور دجلة، أليس به مسجد يونس، بتل تربة يقولون سبع زورات له يعدلن حجة مع مشاهد كثيرة وفضائل جمة. ثم هو ثغر من ثغور المسلمين ومعقل من معاقلهم لأن آمد اليوم دار جهادهم والموصل من أجل أنضادهم. وجزيرة ابن عمر أحد منازلهم، ومع ذلك هو واسطة بين العراق والشام ومنازل العرب في الاسلام، ومعدن الخيل العتاق، ومنه ميرة أكثر العراق، رخيص الأسعار جيد الثمر ومعدن الأخيار"[3].

ثم يتابع "المقدسي" في وصف جغرافية إقليم آقور، مشيرا إلى رسم خارطة لها (وهي مفقودة أو تم الحجز عليها وإخفائها بحسب توقعاتنا: "والفرات يتقوس على هذا الإقليم وله هذا الفضل ودجلة ينبع منه ولها الذكر. وبه النعم والمشاهد والثغور والمساجد إلا أنه بيت الذعار والطريق فيه صعبة وقد خربت الروم ثغوره. وهذا  مثاله وشكله"[4].

وعلى الأرجح "آقور" تسمية قديمة لم يطلقها المقدسي إنما ثبتها، وإن تعددت المسميات وتنوعت ولكن ظلت جغرافية الجزيرة ثابتة، وثمة مصادر عديد عنها قد ضاعت واندثرت ويبدو أن ابن شداد الذي خص الجزيرة بكتاب جغرافي – تاريخي مفصل، قد لامس أحد جوانبها الحساسة أي إضفاء صفة قومية–إثنية على الجزيرة: "وجزيرة الأكراد وأظنها –والله أعلم– جزيرة ابن عمر لأن الأكراد كثيرا ما ينتابونها وينتجعونها لقضاء أوطارهم"[5].

ولكن ما هو مهم لنا في ربطنا الماضي بالحاضر هو تسلسل المسميات التي مرت على الجزيرة، بدءا بالقرون الأولى ما قبل الميلاد، وهي التالية:

1- مملكة كوردوئيني

2- بيت كوردو أو قردو (بيث قردي بالسريانية)

3- آقور، آكور

4-  ميزوبوتاميا

5- الجزيرة الفراتية

6- ثم أخيرا الجزيرة السورية

وكان دائما يقصد بها شرق نهر الفرات، الذي ظل عظيما في جريانه وبحرا فاصلا قبل عدة آلاف من السنين. النقطة الأخرى الجوهرية في قراءتنا السياسية المعاصرة أن شرق الفرات لم يتبع سياسيا لدمشق، إلا في الثلث الثاني من القرن العشرين. وكانت تبعيتها لآمد (دياربكر) أطول وأرسخ، بحسب جل الوثائق والخرائط حتى أوائل القرن العشرين.

لم تكن تبعية الجزيرة الفراتية بالمعنى الجغرافي ولا السياسي السيادي عائدة لسوريا، إلا بعد مجيء الفرنسيين ورسم حدود المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وتثبيتها تماما بعد الحرب العالمية الثانية، فأقاليم وولايات سوريا الخمسة كانت معروفة وهي: (حلب، دمشق، طرابلس، عكا، غزة) مثبته في العديد من الخرائط منها خارطة بريطانية أعدت من قبل (Warren Henry عام 1851) المرفقة.

 

خارطة رقم (1) سورية قبل عام 1851م

ومع ذلك من يقترح أن تتبع الجزيرة لديار بكر حاليا سينال السخرية. فلا بد من إجراء محاكمة منطقية وجادة لعدم ربط معطيات التاريخ مع مستقبل الحقوق السياسية والسيادية بطريقة ميكانيكية، فإقليم ديار بكر ومركزه العاصمة "آمد" ازداد دوره وترسخ كمركز إداري واقتصادي للجزيرة الفراتية بدءا بالدولة المراونية – الدوستكية نهاية القرن العاشر الميلادي، واستمرت في العهد الأيوبي حتى تم تثبيتها من قبل العثمانيين.

لقد توفرت الظروف لتولي ديار بكر لمئات السنين إدارة منطقة الجزيرة لضبط سكان الجبال اضافة إلى بدو السهول. وهذا ما هو موثق في الخرائط العديدة والمتنوعة المصادر وكذلك النصوص في القرنين الخامس عشر والسادس عشر فالسابع عشر، خاصة في خارطة عام 1794م، تظهر حدود الجزيرة كإقليم مستقل وكبير المساحة. خارطة رقم (2) المرفقة.

هذه الجزيرة التي نقصدها في أساسها الجغرافي – التاريخي هي تعريفاً واصطلاحاً: "منطقة جغرافية أخذت هذا الاسم منذ العهد العباسي، حيث أطلق الجغرافيون العرب والمسلمين هذه التسمية الجديدة على رقعة واسعة من السهول التي تقع بين نهري دجلة والفرات. وهي من الشمال نحو الجنوب: ملطية، شمشاط، قلعة الروم، آمد، البيرة، منبج، الرقة، قرقيسيا، جزيرة ابن عمر، الموصل، تكريت، هيت الأنبار"[6].

هذا ونفضل اختيار واستخدام هذا المصطلح التراثي وترجيحه علميا على مصطلح الجزيرة السورية الأحدث، لأنه أصل التسمية الجغرافية لهذه المنطقة المنبثق عن البيئة الطبيعية. وسحب المصطلح على مساحة أقل هي الأراضي الداخلة ضمن الحدود السورية بين نهر الفرات غربا والحدود السورية العراقية شرقا والسورية التركية شمالا لا يغير من المعنى. تشمل بذلك الجزيرة الفراتية كامل مساحة محافظة الحسكة وأجزاء واسعة من محافظتي دير الزور والرقة، بالإضافة إلى منطقة صغيرة من محافظة حلب، علما بأن الباحث السوري أحمد داوود قد أشار إلى عدم استمرارية الوحدة السياسية للجزيرة الفراتية: "ونذكر هنا أن الجزيرة لم تكن في يوم من الأيام وحدة سياسية تامة، مستقلة بنفسها عن الأقطار المجاورة. فهي إما مقسمة بين الدول المحيطة بها، كدولتي الفرس والروم، وإما تابعة بجملتها لإحدى الدول الكبرى، كالدولة الأموية، والدولة العباسية في عصرها الأول، أو مجزأة إلى إمارات ومقاطعات يقوم عليها هؤلاء الأمراء والحكام المحليون، وقد قويت شوكتهم عندما دب الوهن في جسم الدولة العباسية، وأخذت المقاطعات تنفصل عنها الواحدة بعد الأخرى. وقد بدت طلائع هذا الانحلال في العصر العباسي الثاني"[7].

من منظار سكاني، كان نهر الفرات حدا طبيعيا فاصلا بين الكرد وسكان الجزيرة الفراتية الآخرين والعرب. هذا ما أورده مفتي دمشق ابن فضل الله العمري القرشي قبل أكثر من سبعمائة عام، حيث شرح بطريقة واضحة جغرافية الوجود الكردي الملاصقة للعرب، خصوصاً للذين يتبعون حكام قافرطوف أو عقرشوش، في الجزيرة الفراتية: "وموقع بلادهم من بلادنا قريب، والمدعو منهم من الرحبة[8] وما جاورها يكاد يجيب. وملوكنا تشكر لهم إخلاص نصيحة، وصفاء سريرة صحيحة. والقائم فيهم الآن شجاع الدين بن الأمير نجم الدين خضر بن مبارزكك"[9].

بمعنى واضح، كان الكرد يسكنون شرق الفرات تابعين لحكام عاقرطوف (غرب سنجار) والعرب غرب نهر الفرات تابعين لدمشق وعند قلعة الرحبة (الميادين)، ينادون بعضهم بعضا على ضفتي الفرات.

في العهد الحديث، حددت معاهدة "سيفر" بوضوح سياسي الحدود الغربية لدولة كردستان بنهر الفرات، وبينت أن الاستفتاء على الاستقلال يتم في مناطق شرق الفرات، وبعد فشل المعاهدة وتثبيت اتفاقية لوزان، لم يقتنع الفرنسيون باتفاقية لوزان تماما وأعادوا المحاولة، وإن كانت على نطاق أضيق، فقد تفهم الفرنسيون بعد انتدابهم على سوريا خصوصيات الجغرافيا والتاريخ وقد حاولوا توفير بيئة لتحالف كردي – مسيحي – مع الإيزيديين في شمال سوريا، وتأسيس كيان ذات حكم ذاتي في الجزيرة، يمتد من سنجار إلى الفرات وصولا إلى لواء إسكندرون، لكن البريطانيين والأتراك وقفوا سدا أمام هذا المشروع، فألحق لواء إسكندرون باستعجال بتركيا. واقتصر جهد الفرنسيين على التحالفات داخل الجزيرة السورية، والتي كانت تسعى لحكم ذاتي موسع  لمنطقة الجزيرة، أي شرقي الفرات، حتى رحيل الفرنسيين بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية.

لنعود للواقع السياسي العصيب اليوم، ونربطه قليلا بالجغرافيا، فمتغيرات الديمغرافيا يجب أن لا تلغي حقائق التاريخ والجغرافيا. إذ يبدو من السذاجة أن نفترض أن أمريكا بمراكز أبحاثها (السبعة آلالاف)، وبتاريخها الطويل في دارسة واقع الكرد منذ بداية البعثات التبشيرية قبل حوالي مائتي عام، لا تملك هذه المعلومات ولا تعرف أكثر منا هذه الحقائق، لكن من السذاجة السياسية أيضا أن نفترض أن أمريكا تتصرف اليوم في شرقي الفرات بوحي من هذه المعطيات التاريخية والجغرافية وأن إداراتها المدنية والعسكرية تستمد رؤاها ومخططاتها من الرصيد المعرفي الاستشراقي وتترجمه على أرض الواقع، فبريطانيا أكثر منها معرفة بخصوصيات وجود الكرد وديناميات مجتمعاتهم، فلم توائم مع ذلك بين حقائق التاريخ ومعطيات الجغرافيا وظلت بالضد من حقوق الكرد القومية والسيادية حتى اليوم.

·        السؤال الكبير والتساؤل العريض يكمن في سر عدم ترجمة هذه الحقائق الجغرافية والتاريخية في عملية الحل السياسي للمسألة السورية؟

المشكلة تكمن، أولا في نمط التفكير الأمريكي الذي يميل نحو احترام الجغرافيا أكثر من تعاطفه مع الديمغرافيا وربما تتحسس من التقسيمات الإثنية، والمشكلة في جانبها الآخر تكمن في قراءاتنا الرغبوية، فنحن نظل ضحايا قناعاتنا وتعلقنا الشاعري بقوميتنا، دون أن ندرك أن الأمريكان وإلى حد ما الأوربيين قد جاوزوا المرحلة القومية، فثقافة أمريكا السياسية ثقافة غير إثنية ولا قومية بل قانونية وجغرافية واقتصادية في المحصلة.

ظاهريا مهما تفاعلت الجغرافيا مع الديمغرافيا ومهما أوحت لنا التحركات العسكرية الأمريكية والتسريبات الإعلامية، فالركون والاطمئنان للخطط الأمريكية المبهمة والباطنية هو ضرب من المجازفة، فالرأسمالية التي لا يمكن أن نوصفها إلا بوصفها مسلحة (Reinforced Capitalism). هذه الرأسمالية التي تجاوزت عتبة العولمة، المتشكلة راهنا من تضافر الاحتكارات في حقول (النفط والعقارات فالصناعات الحربية) والتي توجت بمجيء ترامب والتي أفقدت بتوجهاتها ما كان لدى الرأسمالية الغربية من ليبرالية سياسية وثقافية، كما اكتسبت الرأسمالية المعاصرة وجها تجاريا رخيصا عبر تويتات وتصريحات متكررة ومبتذلة للرئيس الأمريكي يطلب عبرها المال مقابل المواقف السياسية والتحالفات العسكرية.

قد تتساءلون: ماذا يهمنا من هذا التنظير حول طبيعة الرأسمالية المعاصرة؟! يبدو لي أن هذا السؤال هو جوهر المشكلة، فالرأسمالية ممثلة بالإدارة الأمريكية لا يمكن لها أن تتحالف مع قوى غير رأسمالية شعبية مغلوب على أمرها، هذه القوى التي هي أصلا نتاج المظلومية الشرق-أوسطية القومية والاجتماعية، وخاصة تنظيم لا يزال غير قادر على التحرر من راديكاليته وجذوره الاشتراكية، متمسك بعسكريته الصلبة ويمارس توتاليتارية فائضة عن حاجة مجتمعه، بهدف تطويره ودمقرطته. فليس هنالك ما يربط هذه المنظومة الحزبية مع بنية النظام الأمريكي من رابط ولا يجمعها مع أجنداتها السياسية سوى مشوار قصير وخطوات قليلة قد تنتهي غدا أو بعد غد.

للبدء بمقاربة تحليلية لفهم المشهد السياسي، نمعن في خلاصة خطة أمريكا الجديدة في سوريا التي وضعها جيمس جيفري، الذي أكد أن هدف الادارة الأمريكية هو وضع دستور جديد لسوريا وإعادة تجربة العراق مرة أخرى، قال ذلك بوصفه أحد المساهمين في كتابة دستور العراق عام 2005. كيف نقبل خطة "جيفري" وكيف نراهن على نجاح أمريكا في سوريا وهي نفسها التي فشلت في دولة الجوار المضطربة؟

الموضوع إشكالي برمته، خطير ومعقد. يجب مواجهته بالأسئلة الصعبة وليس بهروب أطراف من الحركة الكردية نحو أحضان الحكومات التي أبادت الكرد واستعمرت كردستان منذ سنوات بل قرون. أو تلك الحكومة التي احتلت عفرين وجرابلس وتسعى لدمجهما في البوتقة التركية، فلا رهان على أحلام التغيير وقدرة الشعوب على تقرير مصيرها السياسي، خاصة إن مرت قياداتها تحت شرفات مستعمريها وأعداء التحرر، فزمن فعالية الشعوب قد انتهى عموما مع فشل تجارب الربيع العربي والإيراني. علينا أن ندق جرس الإنذار، نحن وليس غيرنا، أن نضطرب ونقلق، بل نعيد إنتاج الريب في أركان كل هذه المعادلة اللزجة، التي قد تجرفنا جميعا نحو الهاوية.

 ما العمل؟

قد يكون الفرات له دلالة جغرافية وسياسية عميقة وقد تعاد صياغة هذه الدلالة من جديد، ولكن كنخب كردية وكقطاع من المثقفين والكتاب، يحق لنا أن نبدي آراء مخالفة ليس للساسة وحسب وإنما نواجه بها حتى العاطفة الجامحة للجموع الشعبوية التي تجد بوابة خلاصها عند الأجنبي الغازي أو الجار المحتل. يجب أن ندقق في متحولات الجيوبوليتيك الاقليمي والدولي، ونتعلم من تجاربنا أنه ليس ثمة طريق واحدة ومعبد لنيل حقوق الكورد في سورية.

 لنكن صادقين مع قناعاتنا وقيمنا التحررية، فقد تجاوزنا الفرات منذ أمد بعيد، تجاوزناه بأرواحنا وأحلامنا، بمطاليبنا العريضة في الحرية والديمقراطية، التعددية والتآخي. لقد عبرت نهر الفرات شرقا وغربا مجموعات بشرية وقبائل، تفاعلت الثقافات وتراكمت السلبيات، ولم تكن تخلو حياتنا من الإيجابيات، لكن نحن أمام اختبار جديد وصعب، لموازنة واحترام مبادئنا لتفعيل عقولنا،  وبالتالي لتقليم أظافر ذاتيتنا وأنانيتنا الحزبية او القومية المستفحلة.

كمنهج ومسار تنموي، لا بديل للدول الواسعة القوية في زمن العولمة الطاغي، ولا أفق في التجمعات الصغيرة، مهما كانت جميلة رحيمة وعادلة. فالكاتب المبدع هو أول من يتحسس من ذهنية الكانتونات، كما قاوم وسيقاوم عقلية الاستبداد والعنصرية.

باختصار شديد، في قراءة واستقراء نهائي: ما دامت هنالك دولة مثل تركيا وأخرى قوية مثل إيران في جوارنا، فان حلم الكرد بالسيادة التامة على أرضهم التاريخية سواء شرق الفرات أو غربها، أعاليها أو على منابعه، بات صعب المنال.

الاضطراب الكبير الحاصل في النظام الإقليمي شديد الاختلال، لذلك أجدد وأكرر قناعاتي السابقة بالقول إنه لا تقدم في حياتنا السياسية والمدنية والحضارية العامة بدون تضامن عربي-كردي يحقق تحالف جديد واضح وصريح، روابط متينة بين سوريا والعراق بشكل خاص تستجمع القوى وتنهض معها باقي المكونات لبناء دول مدنية ديمقراطية مرنة قادرة على النهوض بأعباء العصر، تنهي الاحتلالات التركية–الإيرانية ونزعاتها التوسعية، وقادرة أن لا تسير في ركب الأمريكان، فبدون هكذا تحالف لا يمكن التأسيس لنهضة علمية–تنموية إدارية، أو صياغة عقد اجتماعي سياسي حضاري جديد يلبي طموح الأجيال القادمة. ولا يمكن بدون تحالف عربي–كردي أن يتحقق التوازن في ميزان القوى الإقليمية المضطرب. غير ذلك هو الانجرار الأعمى إلى لعبة الكبار لعبة الأمم، لعبة الأمريكان المفضلة في السياسة والاقتصاد والتجارة، وخلاف هذه الرؤية الجريئة سنبقى نقامر على مستقبل شعوبنا عبر خدمة مشاريع الآخرين. ستظل مجازفة شرق الفرات كما دكتاتورية غربها، قد ندفع جميعا بل الأجيال القادمة ضريبتهما.

بلدة عين عيسى (بوزانية) لن تكون بديلا عن "دمشق". وكل حواف سوريا تهمنا، فأحلامنا تتجاوز كانتونات شرق الفرات كما كانت تتجاوز سلطة الاستبداد في "دمشق". وفي المنظور القريب نحن أمام احتمالين، السيناريو الرئيسي، حيث كل المؤشرات تفصح عن أن كافة القوى الدولية واللاعبين الإقليميين قد اقتنعوا بعدم جدوى الحرب وأن إحياء العملية السياسية بموجب القرار 2254، هو الهدف المعلن والرئيس لتأمين انتقال سياسي متدرج وصياغة دستور جديد لسوريا. وهذا السيناريو يتجاهل حقائق الجغرافيا وثقل الديمغرافيا والتضحيات التي قدمها الكرد طوال السنوات الست الماضية، بتهميش دورهم والقفز فوق حقوقهم. فإذا كان موقع الكرد هزيلا ضمن مسار ومفاعيل السيناريو الرئيسي، فدورهم سيكون إشكاليا وربما كارثيا في السيناريو البديل الثاني.

السيناريو البديل يتلخص باتجاه بلورة سلطة محلية شرق الفرات، سيناريو (جمهورية شرق الفرات) الافتراضية، وهو سيناريو أمريكي احتياطي وبديل، سيناريو صقور الحزب الجمهوري في الادارة الأمريكية، سيناريو الأزمة، سيناريو الصراع المستمر. قد يستخدم عن اللزوم، خاصة في حال تلكؤ السيناريو الأساسي، وذلك لممارسة مزيد من الضغط لتطبيق أجندات أمريكا وتحقيق أهدافها غير المعلنة، عبر استغلال قوى الكرد ودماء شهدائهم وطاقات حلفائهم في الجزيرة الفراتية. السيناريو المرتبط بسلطة شرق الفرات هو في كل الأحوال سيناريو الحرب وليس السلام. وهكذا يمكن الافتراض أن الكرد يستخدمون جنودا في الخطط البديلة، وقودا للحروب بالنيابة، فمكانهم هامشي على طاولة مفاوضات السلام، في حين أن الامتيازات والمكاسب الدستورية تكون حصة غيرهم الذين توسعت مقاعدهم على قطار السيناريو السلام.

صحيح يجب ألا نكون أسرى التاريخ ومعجبي سردياته، لكن ينبغي ألا نستخف بمعطيات الجغرافيا، لذلك علينا الالتزام بفقه الجوار في المقام الأول، فمصلحة مجتمعاتنا يجب أن تكون هو الحكم وتأتي قبل مصلحة الدول المتحكمة بالملف السوري، ولا يمكن لأهداف جماهيرنا أن تتحقق إلا بالالتزام بقيم المساواة واحترام حقوق الإنسان وتطلعات الشعب السوري المظلوم برمته.

لذلك ليس من الحكمة السياسية أن يتحول الكرد وحركاتهم السياسية ومنظماتهم العسكرية إلى مادة احتياطية لأجندات أمريكا المستقبلية، فكل تجاربنا معها وخسائر شعبنا ودماء شهداءنا تستدعي الحذر وعدم الانخراط في اللعبة الأمريكية المبهمة. في لحظة مفصلية، يجب إعادة ترتيب البيت الكردي في سوريا، والتخلي عن سلبيات منظومة الحزب الواحد، وصولا لإعادة رسم خارطة جديدة للتحالفات داخل الطيف السوري، فلا كانتونات شرق الفرات هي سقف مطالب شعبنا ولا دكتاتوريات غرب الفرات قادرة على أن تجيب على الأسئلة الجوهرية التي ينبغي الإجابة عنها والخروج من هذا الجحيم الأرضي، فالقضية أكبر من شرق الفرات وغربه.

---------

*محاضرة ألقيت في اتحاد كتاب كوردستان سورية – قامشلو . في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2018.

*الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء وتوجهات المركز الكردي للدراسات، وهي تعبر عن وجهة نظر ورؤى صاحبها دون أي مسؤولية قانونية أو فكرية على المركز.

--------

المراجع:

[1] د. جمال رشيد أحمد . ظهور الكورد في التاريخ. اربيل  - 2005.  ص 423- 424 . نقلا واعتمادا على: Ammianus Marcelinus وكذلك كتاب آرثر كرستنسن، تاريخ الدولة الساسانية، ص 229 من الترجمة العربية.

[2] ياقوت الحموي.معجم البلدان. طبعة دار صادر. بيروت . ص238

[3] المقدسي. أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. القاهرة 1991. ص 136

[4] المقدسي. مصدر سابق. ص 137

[5] ابن شداد. الأعلاق الخطيرة. ج3، ص213

[6] ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. ألمانيا، 1988، ج2 ، ص ـ 34

[7] اسكندر داود. الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر. دمشق -1959، ص32

[8] قلعة الرحبة، بجوار مدينة الميادين الحالية، غرب نهر الفرات بمحافظة دير الزور.

[9] ابن فضل الله العمري. التعريف بالمصطلح الشريف.بيروت -1988 . ص 59

أحدث الدراسات