"تشومسكي": لا ننتظر من "واشنطن" التعامل بإنسانية.. لكن عليها حماية الأكراد

الثلاثاء 09-10-2018 | PM 03:31 نعوم تشومسكي - صورة أرشيفية

المركز الكردي للدراسات

أجرى المفكر المعارض وعالم اللغويات البارز والأستاذ الأكاديمي المخضرم نعوم تشومسكي، حوارا مع إذاعة "إنترسبت" الأمريكية، تناول الأزمات المختلفة بداية من حرب أفغانستان ومرورا بأزمات سوريا واليمن وكوريا الشمالية وحتى الانتخابات الأمريكية. وقال "تشومسكي"، في حواره، إن "هناك عدد كبير من الاختلافات في سياسات الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب عن سياسات سابقيه، ولكن هناك أيضا استمرار لبعض السياسات التي اتبعتها الإدارات الأمريكية السابقة. وعلى الساحة المحلية، ترامب فعال بشكل كبير جدا، نجح في إدارة دوائره الانتخابية". وأضاف "تشومسكي": "هناك دائرة أصيلة من قوة الشركات والثروة الخاصة، يتم خدمتها بشكل رائع من خلال الأوامر التنفيذية والبرامج التشريعية التي يتم تطبيقها، والتي تمثل الجناح الأكثر وحشية من السياسات الجمهورية التقليدية -التي تلبي المصالح الخاصة والثروة الخاصة، وتستبعد كل ما هو غير ذي صلة ويسهل التخلص منه".

وتابع عالم اللغويات الشهير: "وفي الوقت نفسه، تمكن ترامب من الحفاظ على دائرة التصويت عن طريق التظاهر، بفاعلية كبيرة، بأنه الشخص الوحيد في العالم الذي يقف وراءهم ضد النخب المكروهة. وهذا أمر مثير للإعجاب. كم من الوقت يمكنه الاستمرار في هذا التظاهر؟ أنا لا أعرف. أما على الساحة الدولية، فالواقع أكثر إثارة للاهتمام، فهو يتعرض للانتقاد لاتخاذه مواقف، من وجهة نظري، معقولة جدا. لذا، على سبيل المثال، في حالة كوريا: الكوريتان، في 27 أبريل الماضي خرجتا بإعلان تاريخي، وضعتا فيه خطط واضحة إلى حد ما للتحرك نحو المصالحة والتكامل وإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية".

وردا على سؤال حول أن زعيمي الكوريتان صنعا التاريخ بأول زيارة لزعيم كوريا الشمالية إلى جارته الجنوبية منذ بدء الحرب في 1950، أشار "تشومسكي" إلى أن "الجميع كان يتواصل مع الغرباء، وهذا يعني أن الولايات المتحدة سمحت لهما بالمضي قدما، حسب تعبيرهم، من تلقاء أنفسهم ووفقا لشروطهم. وحتى الآن لم يتدخل ترامب كثيرا في هذا الأمر، وأعلن مؤقتا إلغاء المناورات العسكرية التي قال بشكل صحيح أنها استفزازية للغاية. لقد تعرض للانتقادات على ذلك، لكن هذا هو الموقف الصحيح الذي أعتقد أنه كان يجب اتخاذه. في الوقت الحالي، الرئيس مون كان موجودا في كوريا الشمالية، وإذا استطاعوا التوصل إلى خطوات إيجابية من تلقاء أنفسهم كما طلبوا، فإن ذلك سيكون مفيدا جدا".

وقال "تشومسكي": "في حالة روسيا، الأمر أكثر تعقيدا. في الواقع، كانت سياسات ترامب ذات شقين، وواصلت إدارته سياسات بناء القوات العسكرية على الحدود الروسية، وأجرت مناورات عسكرية، وزادت التوترات في أجزاء بالغة الخطورة من العالم. لكنه في نفس الوقت، ومن ناحية أخرى، اتخذ أيضا خطوات تصالحية إلى حد ما نحو الحد من التوتر. ولهذا السبب مرة أخرى، تم انتقاده. وعلى الرغم من ذلك، أعتقد أن هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. وفيما يتعلق بمسائل أخرى تتعلق بالمسائل، فقد مزّق اتفاقات دولية مهمة، وكان أهمها الاتفاق النووي الإيراني".

وعلق "تشومسكي" على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أعلن فيها الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وفرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران، قائلا: "حدث هذا بمعزل عن العالم بأسره في هذه الحالة، وهذا أمر خطير للغاية. والأخطر من ذلك كله، وهو ما طغى على كل شيء آخر، هو الانسحاب من مفاوضات باريس بشأن اتفاقية المناخ".

ويرى "تشومسكي" أن الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الوحيدة في العالم التي ترفض رسميا اتخاذ خطوات صغيرة حتى للتعامل مع أزمة وجودية حقيقية، بالإضافة إلى اتخاذها برامج محلية تسبب زيادة سريعة في استخدام أخطر أنواع الوقود الأحفوري، وغير ذلك من الأمور التي ما هي إلا مجرد سباق على تحقيق كارثة محتومة، وهذا حتى الآن أخطر التحركات ضد المبادرات لتقويض ما يدعى بشكل فضفاض النظام الدولي".

واستطرد العالم الأمريكي الشهير: "إن طرح الأسئلة حول حلف "ناتو"، على سبيل المثال، هو أمر معقول للغاية. قد يسأل المرء بالتأكيد لماذا يوجد حلف الناتو حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي – ولا يعني ذلك أنه لم يكن هناك تساؤلات من قبل، بل كان هناك -ولكن القصة الرسمية كانت هي أن حلف شمال الأطلسي كان في مكانه للدفاع عن الغرب ضد جحافل روسيا، والتي بعيدا عن صحة هذه الرواية، كانت هي الموقف الرسمي". وتابع: "صحيح أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي كانت هناك فترة سيطرت الولايات المتحدة فيها بشكل كبير على ما كان يحدث في روسيا والمنطقة المحيطة بها. تم توسيع حلف الناتو، وانهار الاقتصاد الروسي تمامًا في ظل الإصلاحات الصارمة المفروضة على السوق. كان هناك انهيار جذري للاقتصاد، وزيادة حادة في معدل الوفيات. كانت روسيا مدمرة حقا. عندما جاء بوتين، هو ليس شخص لطيف، لا أود تناول العشاء معه، لكن يمكنك فهم سياساته. كانت سياساته هي محاولة استعادة بعض الدور لروسيا على الأقل في منطقتها من العالم، والتي قد نتذكر أنها كانت طرق الغزو التقليدية التي تعرضت من خلالها روسيا لهجمات مدمرة عدة مرات في القرن الماضي".

وتابع "تشومسكي": "إذن، هذا ليس سؤالًا صغيرًا. نعم، يحاول بوتين استعادة قدر من القوة الروسية في العالم، إلى درجة ما من السلطة الروسية. والامتداد الوحيد لذلك، في الواقع، هو الموقف الروسي في سوريا. كل هذا يتعدى على الهيمنة العالمية للولايات المتحدة، وثانياً على حلفائها التي هي، نوعًا ما، أصبحت قاعدة. القاعدة هي، "نحن نحكم كل شيء"، وإذا حاول شخص آخر التحكم في منطقة نفوذهم، فإن هذا يخل بالنظام الدولي. وهذا، من وجهة نظر معينة، كذلك بالفعل".

وأشار اللغوي الأمريكي إلى أنه "إذا ألقيت نظرة على القوة الروسية مقارنة بالولايات المتحدة، فهذا أمر يبعث على السخرية. هناك مؤشر واحد فقط: زيادة ميزانية ترامب في ميزانية الدفاع تقترب من الميزانية العسكرية الروسية بالكامل. لذا، فإن فكرة استيلاء روسيا على العالم أمر سخيف. ما يعنيه ذلك هو أنهم يحاولون، بطرق تستحق الإدانة، استعادة قدر من النفوذ الروسي في المنطقة المحيطة بروسيا بالإضافة إلى سوريا، قاعدتهم المتوسطية المشتركة. ومحاولة تأسيس مكان لروسيا في النظام العالمي، أضعف بكثير من الولايات المتحدة، وأضعف من الصين. في الواقع، إحدى مشكلات روسيا الدولية تتمثل في منعها من أن تغمرها القوة الصينية. هذا هو نوع الإخلال بالنظام الدولي المنسوب إلى روسيا".

وردا على سؤال بشأن ما يمكن أن يعتبره من وجهة نظره موقف عادل لمواجهة الحرب في سوريا، قال "تشومسكي": "النقطة الأولى التي يجب وضعها في الاعتبار، والتي ذكرتها سابقاً، هي أن الأسد مجرم حرب فظيع. الجزء الأكبر من الفظائع، التي هي هائلة بالفعل، هي مسؤوليته. لا يوجد مبرر للأسد لما يرتكبه. من ناحية أخرى، حقيقة الأمر هي أنه يتحكم بشكل أساسي في سوريا الآن، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الدعم الروسي الجزئي الإيراني". وأضاف: "لقد دخل الروس فعليًا إلى سوريا على نطاق واسع بعد أن وفرت الاستخبارات الأمريكية السلاح لقوات الثوار التي تديرها في الغالب عناصر جهادية، وقدمت لهم صواريخ متطورة مضادة للدبابات كانت تحبط الجيش السوري عند هذه النقطة، حيث دخل الروس بالقوة الجوية وطغت قوتها على المعارضة. الوضع الحالي هو أن الأسد قد فاز بالحرب إلى حد كبير. أعجبنا ذلك أم لا.. كانت هناك في المراحل المبكرة معارضة ديمقراطية علمانية، محترمة جدا، لكنها سرعان ما طغت عليها العناصر الجهادية المدعومة من الخارج - المملكة العربية السعودية وقطر والولايات المتحدة وآخرين. هناك كارثة إنسانية معلقة في إدلب، المقاطعة التي كان الجهاديون فيها -المكان الذي طردوا منه أو فروا. إذا كان هناك هجوم روسي سوري فأنه يمكن أن يكون كارثة إنسانية كاملة. هناك بعض المؤشرات التي تشير إلى أن الروس والأتراك ربما يكونون قد حصلوا على منطقة آمنة يمكن لبعض المدنيين أن يفروا منها، لكن يبدو أن هذا الأمر شبيه بكارثة تتطور. إذا كانت هناك طريقة لمواجهة هذا الهجوم، فيجب اتباعها بالوسائل الدبلوماسية".

وتابع: "السؤال الحاسم الآخر هو وضع المناطق الكردية - روج آفا. في رأيي، من المنطقي للولايات المتحدة أن تحافظ على وجود من شأنه أن يردع أي هجوم على المناطق الكردية. لديهم جزء واحد من سوريا نجح في الحفاظ على مجتمع فعال مع العديد من العناصر اللائقة بمكونات المجتمع. وفكرة أنهم يجب أن يتعرضوا لهجوم من قبل الأعداء الأتراك ، أو من قبل نظام الأسد، القاتل أعتقد أنه ينبغي فعل أي شيء لمحاولة منع ذلك. لا تسعى الولايات المتحدة ، مثلها مثل القوى العظمى الأخرى ، إلى تحقيق الأهداف الإنسانية. إنها تسعى إلى تحقيق الأهداف التي تحددها اعتبارات السلطة ، وتؤدي إلى مواقف مختلفة فيما يتعلق بالأكراد أو غيرهم في أوقات مختلفة".

ويرى "تشومسكي" أنه "على سبيل المثال، في السبعينيات كان هناك وقت كانت فيه الولايات المتحدة تدعم الأكراد ضد صدام حسين. وبعد فترة وجيزة، كان هناك اتفاق تمت فيه التضحية بالأكراد لصالح صدام حسين. وأدى ذلك إلى التعليق الشهير لهنري كيسنجر بأنه لا ينبغي لنا الخلط بين السياسة الخارجية والنشاط التبشيري. صحيح تماماً أنه في تسعينات القرن الماضي، كان (كلينتون) يصب الأسلحة في تركيا لغرض شن هجمات هائلة قاتلة مدمرة ضد السكان الأكراد في تركيا في الجنوب الشرقي -مدمرة بشكل هائل. وهذا لا يغير حقيقة أن الولايات المتحدة تستطيع الآن، بوجود صغير نسبياً، أن تردع الهجمات ضد الأكراد في سوريا، التي يمكن أن تدمر الجزء الوحيد من سوريا الذي يعمل في الواقع بطريقة لائقة. نحن لا نتوقع الاتساق من الناحية الإنسانية من قوة عظمى لأن هذه ليست المبادئ التوجيهية".

وعن الوضع في أفغانستان، قال "تشومسكي": "رأيي الخاص الذي قد تتذكره في ذلك الوقت، هو أن استخدام القوة العسكرية في أفغانستان كان غير مناسب وغير شرعي. كانت هناك خيارات دبلوماسية - كان يمكن اتباعها- لكن الولايات المتحدة أرادت استخدام القوة. أعتقد أنه ربما أكثر وصف دقيق لما قامت به الولايات المتحدة كان من قبل عبدالحق -أحد أكثر الناشطين الأفغان المناهضين لطالبان والذين حظوا بالاحترام والذين قُتلوا في الواقع في أفغانستان- الذي عارض بقوة القصف الأمريكي كما فعل معظم المعارضين الأفغان، وقال إن الولايات المتحدة كانت تقصف لمجرد أنها أرادت إظهار عضلاتها وترويع أي شخص آخر وأنها تقوض جهود المقاومة الأفغانية المعادية لحركة "طالبان" لحل المشكلة بنفسها، وأعتقد أن تحليله كان صحيحًا. لقد مررنا الآن بـ17 عامًا من المحاولات الفاشلة لفرض نظام يهيمن عليه الأمريكيون. هناك حركة سلام أفغانية. إنها ليست هائلة، لكنها مهمة. ينبغي علينا أن نفعل ما بوسعنا لدعمها، وأن نؤدي بها إلى إيجاد حل داخلي لأفغانستان، والتوفيق إلى أقصى حد ممكن مع الفصائل المتصارعة والمنقسمة عرقيا. إنها مشكلة غير عادية. أكبر ما يمكننا القيام به هو محاولة تسهيل الجهود بين الأفغان. لا أعتقد أن هناك الكثير الذي يمكن للولايات المتحدة أن تأمل في فعله بعد ذلك، وتبدو فكرة فرض حل عسكري بعيدة عن السؤال".

وقال "تشومسكي" إنه بالتأكيد لم تحقق الولايات المتحدة أي من أهدافها بعد إنفاق ضخم على الحرب، مضيفا: "لذا، أعطها أي اسم تريده. أعني، قوة عظمى مثل الولايات المتحدة لم تنهزم، ولم تحقق أهدافها القصوى. لذلك، على سبيل المثال، لنأخذ فيتنام كمثال يكاد يكون معروفا على مستوى العالم على أنه هزيمة للولايات المتحدة. ولكن إذا نظرت مرة أخرى إلى التخطيط الأصلي، فهذا يعود إلى أوائل الخمسينات، فلماذا أصبحت الولايات المتحدة متورطة في فيتنام، لم تكن هزيمة كاملة. لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها القصوى لتحويل فيتنام إلى شيء مثل الفلبين، لكنها حققت هدفها الرئيسي المتمثل في منع فيتنام الجنوبية المستقلة من أن تصبح نموذجًا قد يتبعه الآخرون نحو تنمية مستقلة ناجحة. ربما تآكل نظام جنوب شرق آسيا بأسره في شرق آسيا، وهو ما كان يعنى به المخططون في أوائل خمسينيات القرن العشرين".

وعن الوضع في اليمن، قال "تشومسكي": "تريد الولايات المتحدة ضمان إدراج اليمن ضمن نظام الدول العربية الرجعية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وتسيطر إلى حد كبير على المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، التي تعتبر قوة عسكرية كبيرة بمعايير المنطقة وشرعية للغاية. يفترض أن الحوثي يحصل على قدر من الدعم الإيراني. اعتبار إيران كتهديد رئيسي في المنطقة أمر مثير للسخرية. كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تتسلح وتتطور، وتدعم القوات العسكرية وأفعال المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بالنتائج التي تصفها".

أحدث الدراسات