بعد صفقة "إدلب".. هل توجه تركيا أنظارها نحو مناطق سيطرة الأكراد؟

السبت 29-09-2018 | PM 03:17 صورة أرشيفية

فهيم تاشتكين | موقع المونيتور

وجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان  مرة أخرى أنظاره إلى المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا بعد إبرام صفقة مع روسيا أرجأت هجوم النظام على "إدلب". وفي كلمة ألقاها في تجمعات نظمتها مجموعات تركية أمريكية في نيويورك، حيث حضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 أيلول/سبتمبر، أثار "أردوغان" شبح التدخل العسكري التركي على الجانب الشرقي من نهر الفرات، حيث يسيطر الأكراد المدعومون من الولايات المتحدة. وقال، في كلمته: "سنزيد عدد المناطق الآمنة داخل سوريا خلال الفترة المقبلة، التي تشمل شرق نهر الفرات"، ثم في إشارة إلى عمليات تركية سابقة في المنطقة، قال في تجمع آخر إن تركيا "ستتخذ خطوات مماثلة لعمليات درع الفرات والزيتون في شرق الفرات أيضًا".

المنطقة الأولى في التقاطعات التركية هي على ما يبدو "تل أبيض"، التي تقع بين مقاطعة الجزيرة وكوباني التي يهيمن عليها الأكراد. وهناك هدف آخر سهل نسبيا لتركيا هو "رأس العين"، وهي منطقة تقع إلى الشرق من تل أبيض والتي كانت مسرحا للاشتباكات بين وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) والمتمردون السوريون الذين تسللوا عبر بلدة الحدود التركية في (جيلان بنار) بعد سيطرة الأكراد عليها في تموز/يوليو 2012.

في تل أبيض، السكان العرب أكبر نسبيًا من الأكراد، بينما في رأس العين، تتساوى المجموعتان العرقيتان تقريبًا. في أيلول/سبتمبر 2012، تم الاستيلاء على تل أبيض من قبل جبهة النصرة وأحرار الشام وكتائب التوحيد وكتائب الفرقان، ولكن بعد خلاف بين الجماعات المرتبطة بالقاعدة، وقعت في أيدي تنظيم "داعش"، في كانون الثاني/يناير 2014. وعندما أطاحت وحدات حماية الشعب وحلفائها العرب بـ"داعش" من تل أبيض في العام التالي، اتهمت تركيا الأكراد بالتطهير العرقي في قرى عربية وتركمانية. وقد تضمن تقرير مختلف على موثوقيته أصدرته منظمة العفو الدولية، ادعاءات مماثلة.

وفي وقت لاحق، عندما سعت "أنقرة" إلى إثناء "واشنطن" عن التعاون مع وحدات حماية الشعب في تحرير الرقة، تضمنت خطتها البديلة 10 آلاف مقاتل من الجيش السوري الحر يسيرون في "الرقة" بدعم عسكري تركي على طريق من تل أبيض عبر "عين عيسى" إلى "الرقة". كانت الخطة تهدف إلى وقف الدعم الأمريكي للأكراد، وأيضا للسماح للجيش التركي بقطع العلاقة بين مقاطعتي الجزيرة وكوباني.

إن السبب الذي يجعل "أردوغان" يستشهد بعملية جديدة محتملة هو منع "ممر إرهابي" في المنطقة -وهو تبرير لم يتغير منذ أن قامت وحدات حماية الشعب، التي تعتبرها أنقرة جماعة إرهابية، بالاستيلاء على تل أبيض لتأمين وجود صلة بين كوباني والجزيرة. في حديثه في نيويورك، كرر "أردوغان" هذه الحجة قائلاً إن "تركيا سيطرت على جرابلس والباب وعفرين بهدف عدم السماح للمنطقة أن تصبح ممرًا إرهابيًا". وفي إشارة إلى دعم الولايات المتحدة للأكراد، أضاف: "للأسف، يتخذ شركاؤنا الاستراتيجيون خطوات مختلفة. وللأسف، تم إرسال 18000 شاحنة مليئة بالأسلحة والذخائر إلى هذه المنطقة بالإضافة إلى 3000 شاحنة أخرى".

قد يكون من السهل نسبيا إقناع الشعب التركي بالتدخّل في تل أبيض، باستخدام حجج إحباط الممر الإرهابي وتأمين عودة العرب والتركمان الذين تعرضوا للتطهير العرقي. وبعيدا عن الخطابة، هناك بعض الحركة العسكرية على الأرض، فقد أفادت مصادر كردية سورية ووسائل إعلام تركية  قريبة من الحكومة بوجود حشد عسكري في بلدة أقجقلا الحدودية التركية، التي تواجه تل أبيض.

في تغطيتها لتصريحات "أردوغان" في "نيويورك"، ذكرت الصحيفة التركية اليومية (تفكيم): "الآن وقد أصبحت قضية إدلب في مسار التسوية، تحول انتباه أنقرة مرة أخرى إلى شرق الفرات. تم الضغط على زر في هذا الصدد. تم تعزيز الوحدات العسكرية على طول الحدود. التدخل الأولي الذي تم الإفصاح عنه سيستهدف تل أبيض، كوباني، القامشلي ورأس العين". وفي الوقت نفسه، أفادت وكالة "هاوار" للأنباء، بوجود مئات المركبات العسكرية والأسلحة الثقيلة على الجانب التركي من الحدود.

لم يستبعد صالح مسلم، وهو سياسي كردي سوري بارز والرئيس المشترك السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي، الهجوم التركي. "تركيا تقوم ببناء ثكنات عسكرية على الحدود. إنها تريد القيام ببعض التحركات، لكن الظرف ليس مواتياً. بالطبع يحتاج إلى التخلص من قضية إدلب أولاً"، هكذا قال "مسلم" لـ"المونيتور"، مضيفا: "لا يمكننا القول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستردع تركيا؛ عليك أن تسألهم. نحن نعتمد على قوتنا الخاصة. لم يعطنا أحد ضمانات الحماية".

وسيعتمد ضغط "أردوغان" إلى حد كبير على روسيا والولايات المتحدة. على الرغم من أن روسيا قامت بإعطاء الضوء الأخضر بهجوم تركيا على "عفرين"، فمن السابق لأوانه التكهن بكيفية النظر إلى التحرك التركي شرق نهر الفرات. بعد قول ذلك، لا يزال هناك سببين رئيسيين لروسيا لتسهيل الأمور بالنسبة لتركيا في "عفرين". الأول هو ضمان تعاون تركيا المستمر في إطار أستانا. ثانياً، التهديد التركي مفيد لروسيا في الجهود الرامية إلى إبعاد الأكراد عن الولايات المتحدة وإجبارهم على التوصل إلى تسوية مع "دمشق". التحذير الوحيد لروسيا هنا هو أن تركيا قد تصبح منخرطة في المعادلة إلى حد يسمح لها بفرض مطالبها. هذا هو سبب القلق في "دمشق" كذلك.

إن عدم إحراز تقدم ملموس في جولة المحادثات بين مجلس سوريا الديمقراطية الذي يتزعمه الأكراد ودمشق، إضافة إلى تحركات الأكراد لتوسيع نطاق مشروع الحكم الذاتي إلى شمال شرق سوريا، يبدو أنه يدفع روسيا إلى اتخاذ موقف أكثر وضوحاً حول القضية. وفي إشارة مهمة لهذا الغرض، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في 21 أيلول/سبتمبر، إن "التهديد الرئيسي لسيادة أراضي سوريا يأتي من الضفة الشرقية لنهر الفرات، حيث يتم إنشاء كيانات مستقلة بذاتها تحت السيطرة الأمريكية. نحن نُصر على إنهاء هذا النشاط غير القانوني".

في غضون ذلك، ذكرت الخدمة التركية التابعة لشبكة (سبوتنيك) الروسية، أن الوجود العسكري الأمريكي في سوريا وصل إلى 25 قاعدة و5000 جندي. وفي تصريحات تدعم التقرير، قال جيلو عيسى أحد كبار أعضاء القادة الكرد لـ"سبوتنيك"، إن "الولايات المتحدة تزيد من وجودها العسكري في سوريا. إنها تقوم بإنشاء قواعد جديدة وتوسيع القواعد القائمة. ستبقى الولايات المتحدة طويلا في سوريا".

الأمريكيون موجودون أيضاً في الممر الذي تريد تركيا تفكيكه، بما في ذلك في ديريك ورميلان وكوباني وعين عيسى وتل أبيض. في عام 2016، بعد الاستيلاء على المنطقة من جرابلس إلى الباب، اضطرت تركيا إلى التوقف عند منبج، وهدفها التالي، تحت ضغط الولايات المتحدة. بعد مفاوضات مطولة، وافقت الولايات المتحدة فقط على دوريات مشتركة مع تركيا حول منبج وترك المدينة للقوات المحلية.

والآن تتطلع تركيا إلى تدخل أكبر. إن الطريقة التي قد توافق بها الولايات المتحدة على مثل هذه الخطوة تظل لغزا، لأنها تتطلب تحولا كبيرا في سياستها تجاه سوريا. بدون هذا التحول، سيكون تدخل تركيا بمثابة تدخل ضد الوجود الأمريكي أيضًا. وفي رسالة حادة مفادها أن "واشنطن" لم تنته بعد في سوريا، تعهد مستشار الأمن القومي جون بولتون يوم 24 أيلول/سبتمبر بأن القوات الأمريكية لن تغادر البلاد "طالما أن القوات الإيرانية خارج الحدود الإيرانية".

ومع ذلك، سيكون من الإنصاف أن نتوقع أن يواصل "أردوغان" الإصرار على التدخل، ويتطلع إلى الاستفادة من الصدوع بين الولايات المتحدة وروسيا واغتنام أي فرصة تأتي باستخدام تكتيكات ملء الفراغ. ويبدو أن استمرار التهديد يهدف إلى إطلاق عملية مساومة جديدة مع "واشنطن" على الأقل. من غير المحتمل أن تكون خطوة تركية على تل أبيض قائمة بدون تفاهم أو تقارب مع "واشنطن"، حتى ولو كان ذلك من ضمن الإطار العام. في الوقت الحاضر، من غير المرجح أن يتجاوز الهدف من التعزيز العسكري على الحدود ممارسة الضغط النفسي على وحدات حماية الشعب، ما يجبر العرب والتركمان الصديقين للأكراد على تغيير موقفهم، والترويج للمواقف التركية أمام الجمهور الدولي، وإظهار تضامن عام.

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات