الوساطة الروسية بين شروط "طهران" وعقوبات "واشنطن"

الجمعة 07-09-2018 | PM 02:07 صورة أرشيفية

هشام البقلي

 

وجدت إيران نفسها مضطرة للجوء لطلب الوساطة الروسية في أزمتها مع أمريكا، خاصة في ظل الموقف الذي يتخذه دونالد ترامب ضد سياسات طهران في المنطقة، وتصديه للنشاط الإيراني في سوريا، وهو ما يعزز مخاوف النظام الإيراني من القصف الأمريكي لمناطق السيطرة الإيرانية في سوريا، إضافة إلى مخاوفها من توجيه واشنطن ضربات جديدة ضد ميلشياتها، إلا أنه على الرغم من ذلك تحاول طهران الحفاظ على سياستها التي تتبعها أمام الداخل الإيراني أو مؤيديها في المنطقة، هو سياسة "الاستكبار" أو "الندية". 

على الجانب الآخر، لم يغلق ترامب باب التفاوض مع إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووى الذى وقعته الولايات المتحدة عام 2015 ، بل وصل الأمر إلى إبداء ترامب استعداده للجلوس على طاولة تفاوض تجمعه بالرئيس الإيراني حسن روحاني، ولكن جاء رد طهران ظاهريًا رافضا للتفاوض  خاصة فى ظل العقوبات التى وقعتها واشنطن، وعلى الرغم من الرفض الإيران، فإن الرئيس الأمريكي جعل باب التفاوض متاح فى اى وقت، خاصة بعد قمة هلسنكي التى جمعت الرئيس الأمريكي بنظيرة الروسي فلاديمير بوتين وكان الحديث عن سوريا وإيران هو سيد الموقف، وطالب ترامب صراحة من الرئيس الروسي أن يضغط على إيران بشأن الملف السورى وسلوكياتها بالمنطقة. 

لماذا رفضت إيران التفاوض مع واشنطن؟ 

تعتبر إيران من أكثر الدول فى العالم التى تعتمد على سياسية النفس الطويل خاصة فى طريق تعاملها مع الأوضاع الدولية، وهو ما يدفعها إلى الابتعاد عن الهرولة تجاه المجتمع الدولي، خاصة وإن كان الأمر متعلق بالتفاوض، فهي دائما ما تريد أن تجلس على طاولة المفاوضات ولكن من منطلق قوة وليس ضعف على اقل تقدير أمام الرأى العام الإيرانى؛ لذلك رأت أن الجلوس مع ترامب فى ظل العقوبات هو بمثابة رضوخ للولايات المتحدة، وبالتالى سيكون الموقف الإيراني ضعيفا أمام الرأى العام الداخلى، خاصة وأن الخطاب الرسمي الإيراني دائما ما يتحدث بلغة قوة وحزم أمام التعامل مع القوى الدولية، وفى ظل اندلاع تظاهرات فى طهران فى الفترة الأخيرة، فالحرس الثورى الإيراني لا يريد أن يخسر المزيد من شعبيته على أرض الواقع إذا ظهر في حالة رضوخ  لواشنطن التى يصفها الإعلام الإيراني بالشيطان الأكبر. 

الأمر الثاني من أسباب الرفض الإيراني هو وجود أوراق ضغط عديدة لدي طهران للتعامل مع واشنطن وحلفاءها بالمنطقة، وعلى رأسها الملف السوري واليمني وقدراتها على عمل إضطرابات فى مضيق باب المندب ومضيق هرمز باستخدام الحلفاء التابعين لها باليمن والعراق، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي الذى انقسم على نفسه فى قبول العقوبات الأمريكية وإلغاء الإتفاق النووي من عدمه وهو ما حدث بالفعل، والورقة الأهم لدي طهران هي العلاقات مع الحليفة روسيا بجانب تركيا والصين وقطر.

لماذا اختارت الولايات المتحدة روسيا لتكون وسيطا أمام طهران؟ 

تعتبر العلاقات الإيرانية الروسية من أقوي العلاقات الدولية، في ظل التحالف القوي اقتصاديا وعسكريا والمصالح المشتركة فى عدد من الملفات الدولية، حيث استغل ترامب تلك العلاقة خلال قمة هلسنكي وجعل محاور القمة مع بوتين تدور فى فلك سوريا وإيران، ووضع ترامب بشكل غير رسمي نجاح علاقات روسيا بواشنطن مرتبطا بمدي نجاح روسيا فى الوساطة مع إيران وخضوعها للمطالب الأمريكية، خاصة الانسحاب الكامل من سوريا بناء على المطالب الإسرائيلية، فترامب يريد المزيد من الدعم من القوى اليهودية فى العالم؛ لذلك جاء اختيار روسيا كاختبار من ترامب لقوة روسيا فى التأثير على إيران ومعرفة ما إذا كانت روسيا ستلاعب الولايات المتحدة من أجل إيران أما انها ستلجأ إلى عقد صفقة مع ترامب وتبيع طهران لصالح واشنطن، وتحدثت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية عن الوساطة الروسية فيما يخص الملف الإيراني ونقلت عدد من الصحف العربية هذا الأمر نقلا عن المجلة.

سيناريوهات الوساطة بين النجاح والفشل 

بالفعل بدأت تحركات الجانب الروسي إلى إيران من خلال المبعوثين الرسميين لموسكو ودارت جولات من الحوار بين الطرفين وخرجت التصريحات بأن موسكو لا تستطيع الضغط على طهران للخروج من سوريا، وهذا الرد جاء على لسان السفير الروسي بطهران وهو ما أكدته المصادر الرسمية الإيرانية، ولكن بعد أيام قليلة اعلنت إيران انسحاب قواتها لمسافة 85كم داخل الأراضي السورية وهو الأمر الذي لم يرضِ الطموح الأمريكي الإسرائيلي، ولكن روسيا رأت أنها خطوة جيده فى إطار سياسة المراوغات الدبلوماسية والسياسية. 

ومن خلال طبيعة النظام الإيراني، فإن الوساطة الروسية ستنجح فى عدة أمور ولكنها لن ترضي بأى حال من الأحوال الطموح الأمريكي، وروسيا لن تقبل بخروج إيران من سوريا، ولكن سيعلن تحجيم دورها أو تقليل عدد المستشارين العسكرين فى سوريا. 

أما مسألة التفاوض، فهي ستقع بين طهران وواشنطن بوجود الوساطة الروسية، ولكن سيناريو هذا التفاوض سيكون خلال لقاء يجمع ترامب بروحاني بترتيب روسيا فى إحدي المحافل الدولية ولن يكون من خلال زيارة رسمية لأحد الطرفين للآخر، وستلعب روسيا دور الوسيط الخفي فى قبول إيران التفاوض ولكن دون النزول للمطالب الأمريكية، ويعتبر بوتين من الرجال اصحاب الكلمة المصدقة لدي إيران فهم يثقون فى علاقتهم به بشدة. 

والخلاصة أن جلسة المفاوضات بين روحاني وترامب ينقصها عدد من الأمور حتى تبدأ فعليا أولها وضع اللمسات الاخيرة فيما يخص الشأن السوري والاتفاق على شكل معين للتواجد الإيراني فى سوريا، خاصة بعد أن تنتهي عملية إدلب العسكرية.

ثانيا: توقف ترامب عن الضغط على الاتحاد الأوروبي للانسحاب من الاتفاق النووى؛ وذلك بهدف أن يترك المجال مفتوحا للالتفاف حول هذه العقوبات مثلما كان الحال فى عهد الرئيس الامريكي السابق اوباما، وتغيير لغة الخطاب الامريكي تجاه إيران حتى يستطيع النظام الإيراني إقناع الرأى العام أنه يتفاوض من منطلق قوة وأن أمريكا تتراجع أمام صمود الشعب والحكومة الإيرانية.

ثالثا: إيران تدرك جيدا أن الهدف من التفاوض من جديد هو إعادة صياغة الاتفاق النووى من أجل وضع منظومة الصواريخ الإيرانية تحت الميكروسكوب كجزء من الاتفاق النووي وهو ما ترفضه إيران شكلا ومضمونا؛ لذلك تسعى إيران إلى إقناع واشنطن بالتراجع عنه، لهذا اتجهت إيران أيضا إلى نشر صواريخها البالستية في العراق، فى رسالة إلى الدول الإقليمية والدولية مفادها أن المساس بهذا الأمر مرفوض تماما. 

في النهاية، ووفق دراسات أمريكية تحدث الكاتب الأمريكي دينيس روس فى مقال أبرزته مجلة بزنس إنسايدر، عن أن التعامل مع إيران بنفس الطريقة التى تم التعامل بها مع كوريا الشمالية قد لا يجدي نفعا كبيرا للولايات المتحدة، حيث إن الموقف من كوريا الشمالية كان دوليا، أما فى إيران فالوضع مختلف فهناك دول كبرى داعمة لإيران ودول لا تزال تتعامل معها، كما أن الموقف الأوروبي غير واضح وبه انقسامات، لذلك فإن التنازلات ستكون من الطرفين الأمريكي والإيراني بوساطة روسية، حيث إن إيران الآن أصبحت لاعبًا إقليميًا فى عدد من الملفات، وهو الأمر الذي لا يمكن الاستهانة به.

——-

*هشام البقلي: باحث مصري متخصص في الشؤون الخليجية والإيرانية.

——-

*الآراء المنشورة على صفحات المركز لا تعبر بالضرورة عن رؤى وتوجهات المركز الكردي للدراسات، وإنما تعبر عن رأي كاتبها.

أحدث الدراسات