"ترامب" و"أردوغان".. والنظام العالمي الجديد

الإثنين 03-09-2018 | PM 02:59 صورة أرشيفية

نيك دانفورث | نيويورك تايمز

إن الأزمة الحالية بين أنقرة وواشنطن حول مصير القس الأمريكي المسجون آندرو برونسون، هي ذروة نزاع طال أمده حول طبيعة العلاقة الأساسية بين الولايات المتحدة وتركيا. يرغب الطرفان في استمرار العلاقة، ولكن لديهم توقعات متضاربة حول من ينبغي أن يستمر على شروطه. تسعى "واشنطن"، بعد سنوات من الإحباط، إلى فرض بعض القواعد الأساسية للتحالف من خلال التأكيد للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنه سيدفع ثمناً لاعتقال الأمريكيين الأبرياء، وشراء الأسلحة الروسية وتجاهل عقوبات الولايات المتحدة ضد إيران.

تسعى "أنقرة" إلى تحدي ميزان القوى "غير المتماثل" داخل الحلف، وتصرعلى أن "واشنطن" لن تستطيع بعد الآن إملاء علاقات تركيا الاقتصادية مع جيرانها، وتتجاهل مخاوفها الاستراتيجية بشأن المقاتلين الأكراد في سوريا أو تعرض الحكومة التركية للفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. تفترض كل من الولايات المتحدة وتركيا أنهما لا غنى عنهما للآخر ويتوقعان في النهاية أن يتصالحا، وما سيحدث بعد ذلك سيكون اختبارًا لمدى تغير العالم ومكان كل بلد فيه.

منذ نشأتها في بداية الحرب الباردة، لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة -القوة العظمى العالمية- وتركيا، وهي دولة نامية تسعى للحصول على الدعم ضد الاتحاد السوفييتي، لم تكن واحدة من الأنداد. ومع ذلك، لم يكن تحالف (تركيا) مع (واشنطن) غير متساوٍ كما يظن الكثيرون في أنقرة الآن. على سبيل المثال، ولدت الجهود الأمريكية لمنع أو معاقبة تدخل تركيا في قبرص غضبًا كبيرًا، ولكن تركيا ما زالت تتدخل والتحالف يتحمل.

اليوم، ومع خروج الاتحاد السوفييتي وتصاعد معاداة الولايات المتحدة في تركيا، أصبحت الخلافات الاستراتيجية المماثلة أكثر صعوبة للتعامل معها. ليس من المستغرب أن يرى كلا الطرفين نفسيهما كحليف متضرر. وبعد أن فرض البيت الأبيض تعريفات جمركية على تركيا لتأمين إطلاق سراح (برونسون)، أعلن وزير الخارجية التركي أن هذه "التهديدات والاستفزاز" لن تؤدي إلا إلى الإضرار بحلف "الناتو". وقد صرح البيت الأبيض فيما بعد بأن "الحليف الحقيقي للناتو لم يكن ليقوم باعتقال (برونسون) في المقام الأول".

لن يكون لنتيجة هذا المأزق علاقة كبيرة بمن لديه أفضل حال، فبرفضه التراجع وإطلاق سراح (برونسون)، أثبت "أردوغان" استعداده لمواجهة كارثة اقتصادية، لتأكيد رؤيته للاستقلال التركي. هذه الرغبة لا تعكس فقط تبجحًا قوميًا، بل أيضًا افتراضًا حول التحول السريع لعالم متعدد الأقطاب. يراهن (أردوغان) على إيجاد مكان في نظام عالمي جديد لما بعد أمريكا. ويبدو أنه يراهن على أن "واشنطن" أثبتت فعاليتها في إبعاد حلفائها عن حلفها، وأن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ينهار قبل الاقتصاد التركي.

بعد الدعوة إلى زيادة التعاون بين البلدان التي تستهدفها تعريفات الرئيس (ترامب) وعقوبات إيران المتجددة، سارعت "أنقرة" إلى الإعلان عن ردود الفعل الإيجابية من العواصم الغربية وغير الغربية على حد سواء. على المستوى الخطابي على الأقل، كان القادة الأوروبيون متعاطفين. وقد وعد الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون)، مؤخرا، بتعزيز العلاقات التجارية مع تركيا. وأعلن وزير خارجية ألمانيا أنه على أوروبا أن ترد على التدابير الاقتصادية للرئيس (ترامب)، ربما من خلال تطوير بديلها الخاص لنظام (سويفت).

ليس من المستغرب أن روسيا سرعان ما وقفت إلى جانب "أنقرة"، مؤكدة رغبتها في إجراء معاملات مستقبلية بالعملات الوطنية. وتأكيداً على هذا، حصلت أنقرة على حزمة قرض بقيمة 3.6 مليار من البنك الصناعي والتجاري الصيني، بالإضافة إلى تعهد من حكومة قطر باستثمار 15 مليار في تركيا خلال السنوات القادمة.

لكن هناك حدود لمصادر الدعم البديلة هذه، ناهيك عن الظروف والعواقب الجديدة التي تأتي معها. على سبيل المثال، إذا أصبح حجم أزمة تركيا أكبر من أن تحتويها الأموال من الصين وقطر، فقد تمنع واشنطن المؤسسات المالية الدولية من التدخل. في الواقع، إن مشروع قانون أمام مجلس الشيوخ يجعل هذا إلزاميا.

يمكن للقادة الأوروبيين، الذين يبدو أنهم أكثر قلقا بشأن تصاعد أزمة تركيا المزعزعة للاستقرار، تقديم خطة إنقاذ بدلا من ذلك. لكن لديهم قضايا خاصة بهم مع السيد (أردوغان)، كما يفعل العديد من ناخبيهم. ولإدارة تداعيات سجن (برونسون)، مسبقاً، أُجبر السيد (أردوغان) بالفعل على إطلاق سراح صحفي ألماني مسجون وجنديان يونانيان.

تستلزم روسيا تكريس المزيد من التضحيات وبدعم من "موسكو"، ويستعد الرئيس السوري بشار الأسد لاستعادة الأجزاء الأخيرة من الأراضي السورية التي يحتلها المتمردون الداعمين من تركيا، حيث يرسلون موجة من اللاجئين والمقاتلين الأجانب إلى تركيا. إن "أنقرة" وحدها لا تملك إلا القليل من النفوذ لمنع أو تخفيف هذا التطور الخطير.

حتى لو تم إطلاق سراح (برونسون) في نهاية المطاف، فإن الولايات المتحدة وتركيا ستستمران في مواجهة بعضهما البعض حول شروط علاقتهما. ويكاد يكون من المؤكد أن "أنقرة" ستكتشف التكلفة المرتفعة للسعي نحو سياسة أكثر استقلالية أو عدائية تجاه "واشنطن". وستكتشف "واشنطن" التكلفة الباهظة التي ترغب "أنقرة" في تحملها.

الخطر هو أنه عندما يحدث ذلك، فإن البيت الأبيض سيلجأ إلى اتخاذ خطوات صارمة ومزعزعة للاستقرار في ممارسة المزيد من الضغط على تركيا، ثم السعي إلى تسليح الحلفاء بقوة في اللعبة. وبقيامها بذلك، ستزيد "واشنطن" من إبعاد الشركاء الذين تحتاجهم لتطبيق ضغوط فعالة على المدى الطويل. إن اتباع نهج متسق ومُحَسَّن يبقي العالم إلى جانب "واشنطن"، من المرجح أن يحافظ على الظروف العالمية التي قد تعترف "أنقرة" في نهاية المطاف بمزايا العلاقة الأكثر تعاونًا مع الولايات المتحدة.

------

*نيك دانفورث هو محلل سياسي بارز لبرنامج الأمن القومي في مركز سياسة الحزبين الأمريكي. (Bipartistan Policy Center) 

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات