القس الأمريكي كبش فداء بين "واشنطن" و"أنقرة" (مقال)

الأحد 26-08-2018 | PM 12:56 صورة أرشيفية

عزت سلو

قضية القس الأمريكي الذي وضعته تركيا تحت الإقامة جبرية بعد سجنه قرابة سنتين بتهمة دعم جماعة فتح الله غولن، ليست القضية الرئيسية التي كان سببا في توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، وإنما يوجد وراءها رسائل سياسية كثيرة يحاول الطرفان إيصالها كل للآخر.

بدأت القصة عقب صدور حكم قضائي بحق موظف في قنصلية الولايات المتحدة في إسطنبول بتهمة التعاون مع كيان موازي والتجسس، وظنت "أنقرة" أن من خلاله يمكن عقد صفقة مع الولايات المتحدة مقابل تسليم فتح الله غولن، لكن "واشنطن" كانت حازمة في ردها، ففرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على وزيرين تركيين هما وزيري العدل والداخلية، ووصلت العملة التركية (الليرة) إلى أدنى مستوياتها.

- ما الذي تريده واشنطن من تركيا؟

انزعجت الإدارة الأمريكية كثيرا من اتفاقية وقعتها تركيا وروسيا لشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس ٤٠٠" التي سعت كثيرا تركيا لشرائها من روسيا، إلى أن تم توقيع الاتفاقية في ديسمبر/كانون الأول 2017. ومن هنا، لمحت الإدارة الأمريكية إلى فرض عقوبات على تركيا إن لم تتراجع عن شراء تلك المنظومة، إلا أن تركيا لم تتراجع عن ذلك بعدما شعرت أن "واشنطن" ليست جادة في تسليمها منظومة "باتريوت" للدفاعات الجوية، فالموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به تركيا، أعطاها دورا مميزا في المنطقة وأهمية بالغة لكل من "موسكو" و"واشنطن"، وهي قوة إقليمية وحليف استراتيجي لأمريكا وعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

كذلك تجد "واشنطن" أن تركيا تلتف على العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على "طهران" وقضية اعتقال رجل الأعمال التركي الإيراني رضا ضراب، الذي أوقف في عام 2016 خلال زيارة إلى الولايات المتحدة بتهمة تجارة الذهب مع إيران، كما أن توقيف المصرفي التركي محمد هاكان آتيلا في عام ٢٠١٧، في إطار القضية ذاتها، وضعا تركيا في موقف لا تحسد عليه، وطالبت "واشنطن" بإطلاق سراحه لكنها لم تستجب، بل تهدد بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية إن لم تلتزم تركيا بتلك القرارات، ولكن من جديد لا التزام من جانب تركيا، وقد ظهر ذلك جليا من خلال آخر تصريح لوزير الاقتصاد التركى، الذي قال فيه: "أرفض أن تقطع العلاقات التجارية مع إيران على خلفية مطالبة الولايات المتحدة حلفائها بالتوقف عن شراء النفط الإيرانى"، مضيفا أن "مطالبة الولايات المتحدة لدول العالم بوقف استيراد النفط الإيرانى حتى لا تتعرض لعقوبات أمريكية، غير ملزمة لأنقرة".

في الوقت نفسه، تحاول "أنقرة" أن تظهر على أنها دولة ذات سيادة ولا تقبل الإملاءات من الخارج وتتعامل وفقا لمصالحها أينما تقتضيه، فتركيا ترى أن "واشنطن" تريد ضرب اقتصادها ولا يمكن الاعتماد عليها.

- أزمة الثقة بين أنقرة وواشنطن:

حاولت تركيا مرارا وتكرار إنشاء منطقة آمنة داخل الحدود السورية، بعدما شعرت بعدم قدرتها على استعياب اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب الأهلية، إلا أن الغرب رفض ذلك، كما أن "أنقرة" كانت تنتظر من "واشنطن" أن يتم إسقاط النظام السوري بنفس الطريقة التي تم التخلص بها من نظام "القذافي"، لكنها لم تفعل ذلك أيضا، سواء كان برغبتها أو بسبب وقوف "موسكو" أمام ذلك. كما أن تزويد "واشنطن" حزب PYD  في سوريا بالسلاح لقتال تنظيم الدولة الإسلامية أرعب تركيا، ودفعها للمطالبة مرارا بوقف تلك التحركات، إلا أنها لم تجد آذان صاغية.

ترى تركيا أن حزب PYD  منظمة إرهابية وأن "واشنطن" تحاول من خلالها خلق كيان إرهابي على حدودها، إلا أن الولايات المتحدة ترى الحزب الكردي السوري باعتباره الحليف الأوثق على الأرض في سوريا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

 الخلافات كثيرة بين الطرفين والأزمة مستمرة ويمكن تجاوز كل ذلك من خلال الحوار، فإما أن ترضخ "أنقرة" لضغوطات "واشنطن" وتطلق سراح القس الأمريكي وسجناء آخرين، أو تفرض الولايات المتحدة مزيد من العقوبات، وهذا بدوره يرهق الاقتصاد التركي إلى أن وصل التضخم في تركيا مستوى مرتفع ولأول مرة منذ أكثر من ١٤ عاما، بعد انهيار الليرة التركية بشكل كبير في وقت تعيش فيه تركيا في منطقة متوترة ومشتعلة بنار الحرب وبعلاقات ليست في مستوى الجيدة حتى مع كثير من الدول المنطقة.

-----

*هذا المقال هو أحد مشاركات قراء المركز الكردي للدراسات. نرحب دائما بمشاركاتكم ويمكنكم إرسال مقالاتكم من خلال صفحات المركز على "فيس بوك" و"تويتر"، كما يمكنكم إرسالها إلى البريد التالي: info@nlka.net

أحدث الدراسات