أزمة واشنطن وأنقرة.. هل تنتهي بـ"صفقة" أم تستمر طويلا؟

الأحد 26-08-2018 | PM 12:13 صورة أرشيفية

سيث ج. فرانتزمان | جيروزاليم بوست

"إن شراء تركيا لنظام الدفاع الصاروخي الروسي S-400 من شأنه أن يهدد أمن طائراتنا من طراز F-35 ويسمح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بجمع معلومات استخبارية هامة ضدنا"، هكذا كتب السيناتور الأمريكي كريس فان هولن يوم الأربعاء الماضي، مؤكدا أنه "يجب تمرير مشروع قانون الدفاع هذا الأسبوع، لوقف تسليم طائرة F-35 إلى أن تنهي تركيا صفقتها مع روسيا".

وقد جاءت هذه التصريحات بعد يوم من تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، الذي يزور "القدس" بأن "أنقرة" ارتكبت "خطأ كبيرا" بعدم الإفراج عن القس الأمريكي آندرو برونسون، حيث قال "بولتون": "كل يوم يمر، يستمر هذا الخطأ. قد تنتهي هذه الأزمة في الحال، إذا تصرفت بشكل مناسب كحليف للناتو وكجزء من الغرب، وأطلقت سراح القس برونسون دون شرط".

في تركيا، قوبلت تعليقات "بولتون" بالغضب. وقال إبراهيم كالين الناطق الرسمي والمستشار للرئيس رجب طيب أردوغان، إن استقلال تركيا القضائي يتحدى "واشنطن"، وأضاف: "هناك حكم قانوني في تركيا وقضية آندرو برونسون قضية قانونية، هناك عملية قانونية مستمرة تتعلق بهذا الفرد".

في الوقت الحالي، تواجه تركيا والولايات المتحدة أكبر أزماتهما الدبلوماسية في الذاكرة الحديثة، حيث إن البلدين يخوضان حرباً كلامية تضر بالاقتصاد التركي. قبل خمس سنوات، كان الدولار الواحد يساوي ليرتين. الآن يمكنك الحصول على ستة ليرات لنفس الدولار. في الشهر الماضي خسرت الليرة ما يقرب من ربع قيمتها مقابل الدولار.

وقد تسبب هذا في أزمة في تركيا، تعهدت فيها قطر الآن بتقديم 15 مليار دولار لدعم الاقتصاد التركي، ما زاد من قوة العلاقة بين أنقرة والدوحة. كما تسببت في تعزيز علاقات تركيا وروسيا. خلال السنوات الثلاث الأخيرة، اتجهت تركيا إلى تقوية روابطها مع موسكو والدوحة وطهران في العديد من القضايا، لكن "أنقرة" كانت تأمل بإيجاز أن يؤدي انتخاب دونالد ترامب في تشرين الأول/أكتوبر 2016 إلى إقامة علاقات أكثر دفئًا.

وجهة نظر "أنقرة" هي أن الولايات المتحدة تعمل مع حلفاء حزب العمال الكردستاني (PKK) في سوريا. تم تسمية الوحدة التابعة للموالين لحزب العمال الكردستاني في سوريا بـ"وحدات حماية الشعب" (YPG) . كانت وحدات حماية الشعب (YPG) القوة الرئيسية التي حاربت "داعش" في سوريا منذ عام 2014، وساعدت الولايات المتحدة قوات حماية الشعب على دفع "داعش" إلى الهرب من "كوباني" في عام 2015، ثم بدأت في العمل بشكل وثيق مع وحدات حماية الشعب في شكلها الجديد بعد أن تم تسميتها بـ"قوات سوريا الديمقراطية"  (SDF)، وحررت قوات سوريا الديمقراطية "الرقة" العام الماضي، والولايات المتحدة تعزز من وجودها في سوريا، كما تعمل على إرسال مبعوثين خاصين وموظفين دبلوماسيين جدد، بالإضافة إلى تأمين مئات الملايين للمساعدة في تحقيق الاستقرار من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

كان من المفترض أن يكون مايكل فلين أول مستشار للأمن القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووفقًا لـ"بي.بي.سي"، طلبت "أنقرة" مساعدة "فلين" في الحصول على رجل الدين التركي فتح الله غولن، بهدف ترحيله من الولايات المتحدة إلى تركيا، حيث يواجه اتهامات في تركيا بالتخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016. ولكن "فلين" تعرض للعزل من منصبه ووقع في فخ التحقيق في التواطؤ مع روسيا وتدخلها في الانتخابات الرئاسية، وهي التحقيقات التي يجريها مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق روبرت مولر.

ذهب "أردوغان" إلى "واشنطن" في آيار/مايو 2017 للقاء "ترامب"، لكن الأوضاع خلال الزيارة تدهورت عندما تم تصوير أفراد الأمن الأتراك يعتدون على المتظاهرين بالقرب من السفارة التركية في حادث محرج وغير مسبوق. ومن هنا، سارت الأمور ببطء شديد.

وقد حذر المسؤولون الأتراك مراراً من أن القوات التركية وحلفائهم من المتمردين السوريين أرادوا التحرك تجاه "منبج" في شمال سوريا، وهي بلدة تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية شرقي الفرات. وبدلاً من ذلك، في كانون الأول /يناير 2018، غزت تركيا ومتمرديها السوريين "عفرين" في شمال غرب سوريا، وهي مقاطعة كردية صغيرة كانت تحت سيطرة وحدات حماية الشعب. أثار ذلك غضب قوات سوريا الديمقراطية التي حولت القوى من محاربة "داعش"، وحذرت الأمريكيين من أنه لا ينبغي لهم التخلي عن أصدقائهم في سوريا. وبعد أن استولت تركيا على "عفرين" في آذار/مارس 2018، وضعت "منبج" نصب أعينها مرة أخرى. في حزيران/يونيو 2018، ذهب وزير الخارجية مايك بومبيو إلى "أنقرة" ووضع "خارطة طريق" بشأن "منبج" مع تركيا، تتضمن أن تكون هناك دوريات مستقلة حول المدينة، مع تنسيق القوات التركية والأمريكية. وكان من المفترض أن يؤدي ذلك إلى "دوريات مشتركة"، لكن وزير الدفاع (جيمس ماتس) قال في آب/أغسطس، إن هناك المزيد من التفاصيل التي ينبغي تسويتها.

كانت المشاكل في "منبج" تلعب ضد الخلاف الأكبر بين "أنقرة" و"واشنطن". وقد أصبح "برونسون" هو البيدق في هذا النزاع، بعد أن كان تم اعتقاله في تركيا بتهمة الارتباط بمؤامرة الانقلاب. وقال "ترامب" في 17 نيسان/أبريل، إن "رجل نبيل وزعيم مسيحي في الولايات المتحدة يحاكم ويضطهد في تركيا دون أي سبب". وأضاف: "من العار التام أن تركيا لن تطلق سراح القس الأمريكي المحترم".

ووفقًا لتقرير صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، فقد سعى فريق "ترامب" للتوصل إلى اتفاق مع "أنقرة"، حيث تفرج إسرائيل عن امرأة تركية معتقلة لصلاتها بـ"حماس" مقابل "برونسون"، وتم إطلاق سراحها بالفعل وعادت إلى تركيا في  15 تموز/يوليو. ولكن على الرغم من أن "برونسون" أصبح قيد الاعتقال المنزلي في 25 يوليو/تموز، فإنه لا يزال مقيد الحرية. وأعلن "ترامب"، الذي بدا أنه شعر بالتعرض للخيانة، مضاعفة التعريفات الجمركية على الصلب والألومنيوم في 10 آب/أغسطس.

منذ ذلك الحين تضرر الاقتصاد التركي، وأخذ الأتراك العاديون الإنترنت وسيلة للتعبير عن الغضب، من خلال تدمير أجهزة "آي فون" وتقطيع الدولارات وتشجيع المسلمين في جميع أنحاء العالم على دعم الليرة كشكل من أشكال الدعم الديني لتركيا. هذا جزء من الوضع الحالي في "أنقرة"، والذي هو بشكل متزايد وجهة نظر العالم من خلال عدسة الإسلام السياسي.

لكن في الوقت نفسه، تؤكد تركيا أن التهم الموجهة إلى "برونسون" ليست سوى قضية قضائية مستقلة، حيث قال تقرير على موقع "وول ستريت جورنال" في 20 آب/أغسطس، إن "أنقرة" اقترحت إطلاق سراح القس في مقابل إنهاء التحقيق الأمريكي في بنك تركي. ربما تكون القصة أكثر تعقيدًا من ذلك، فتركيا تريد أيضًا أن يتم ترحيل "غولن" إليها. وفي الحقيقة، اثنتان من "الصفقات" بشأن "برونسون" تشير إلى أن قصة "استقلال القضاء" ليست معقدة بالشكل الذي تصوره تركيا. باختصار، تركيا مستعدة للتفاوض، وهذا يثير تساؤلات حول ماهية الدليل الدقيق بشأن تورط "برونسون" في محاولة الانقلاب الفاشلة.

جعلت إدارة "ترامب" القس "برونسون" محور سياستها مع تركيا، في مقابل مناقشة قضايا أوسع، مثل: لماذا تشتري تركيا S-400 من روسيا؟ وكذلك دور تركيا في سوريا.

بدأت وسائل الإعلام الأمريكية مناقشة ما إذا كان حلف الناتو مع تركيا مفيدًا. "لقد حان الوقت لتركيا وحلف الناتو ليذهبا في طريقهما المنفصلين"، هكذا أكد مقال في صحيفة "واشنطن بوست". وفي مقال آخر في مجلة "فورين بوليسي"، جاء أن "ترامب هو أول رئيس أمريكي يفهم ويدرك تركيا على حقيقتها". وتقول صحيفة "ناشيونال إنترست" الأمريكية إن "الصدع بين البلدين كان موجودًا بالفعل". وبالطبع، هذا الصدع ينمو منذ أكثر من عقد من الزمان منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، عندما رفضت تركيا اقتراحا يقضي بتمركز القوات الأمريكية على أراضيها.

المشكلة في حملة إدارة "ترامب" على العلاقات مع تركيا، هي أنه يمكن وقفها بسهولة إذا تم إطلاق سراح القس. وقد يتغير الوضع أيضًا بشكل كبير عندما يترك "ترامب" منصبه، حيث ستسعى الإدارة الأمريكية القادمة إلى القيام بعكس ما فعله "ترامب".

في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية، هناك لوبي نشط مؤيد لتركيا ينادي بـ"الانخراط" مع "أنقرة"، التي تخشى أن يؤدي أي ضغط من الولايات المتحدة إلى احتضان تركيا المتنامي لإيران وروسيا. هذا اللوبي يرى في قوات سوريا الديمقراطية حليفا مؤقتا، وهي مجموعة كانت ملائمة عند محاربة "داعش" ولكن يمكن التخلي عنها بهدوء في السنوات القليلة القادمة، بينما تناور "واشنطن" تجاه "أنقرة" التي ينظر إليها على أنها حليف منذ 70 عامًا في الحرب الباردة.

هذه الأصوات تتجاهل الوكالة التركية الخاصة والسياسة المستقلة. إنهم لا يرون تركيا كدولة كاملة تتخذ خياراتها بنفسها، ويرون أنها مجرد رد فعل على كل ما تقوم به الولايات المتحدة. لكن حملة القمع التي تمارسها تركيا على الصحافة والنوبات المتكررة في "أنقرة" التي تندد بقسوة بالعديد من الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة ليست مجرد ردود فعل، بل إن كل هذا يمثل شعور وطني متنامي يرتكز على نفس المبادئ الدينية في تركيا. وباختصار، يستطيع "ترامب" إبرام صفقة، لكن العلاقة طويلة الأجل من المحتمل أن تظل غير مستقرة.

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات