"أردوغان".. معركة خاسرة مع "ترامب"

الأربعاء 15-08-2018 | PM 12:34 صورة أرشيفية

إيشان ثارور | واشنطن بوست

عانت الليرة التركية أكبر انخفاض لها في يوم الجمعة الماضي منذ ما يقرب من عقدين، حيث انخفضت أكثر من 14% مقابل الدولار. لم يتمكن وزير المالية  صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من تجنب الانزلاق، حيث ألقى خطابا ركيكاً لم يكن كافيا لتعزيز الثقة، لكن "أردوغان"، كعادته، ألقى باللوم على كبش فداء أجنبي، وهو الولايات المتحدة. وخرج في تجمع لأنصاره يوجه حديثه للرئيس الأمريكي دونالد ترامب: "عار عليك، عار عليك.. أنت تقوم باستبدال شريكك الاستراتيجي في حلف الناتو بقس".

الراعي المذكور هو آندرو برونسون، وهو رجل دين أمريكي كان محتجزاً لدى السلطات التركية منذ عام 2016، وهو متهم بالتجسس وجرائم أخرى، وهي اتهامات يرفضها هو وممثلو الولايات المتحدة، وقد فشلت حتى الآن محاولات كسب حريته.

ووفقاً للمراقبين، فإن أنقرة تأمل في مبادلة (برونسون) مع (هاكان أتيلا)، وهو مصرفي مدان في الولايات المتحدة لدوره في مخطط تنفيّذ العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني، لكن إدارة (ترامب) مستاءة من استخدام تركيا (برونسون) كرهينة سياسية.الأسبوع الماضي انتهت جلسة رفيعة المستوى في "واشنطن" مع وفد تركي على نحو مفاجئ، بعد أن طالب الأمريكيون بإطلاق سراح القس فوراً.

بعدها، أعلن الرئيس "ترامب" عن زيادة الرسوم الجمركية على الألومنيوم والصلب التركي، ما أدى إلى انخفاض قيمة الليرة إلى مستوى تاريخي منخفض. إن المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها تركيا هي من صنعتها بنفسها، لكن التعريفات الجمركية جعلت الأمور أسوأ، إلا أن "ترامب" كان سعيدا جدا بتحمل اللوم على هذا الانحدار التركي.

وكتب "ترامب": "لقد أمرت للتو بمضاعفة التعريفة الجمركية على الصلب والألمنيوم فيما يتعلق بتركيا كعملة لهم، والليرة التركية تنزلق سريعا نحو الانخفاض مقابل الدولار القوي جدا! ستكون الرسوم على الألومنيوم الآن 20% والصلب 50%. علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة في هذا الوقت!".

 واصل (أردوغان)  شكاواه في مقال الافتتاحية الخاص بصحيفة "نيويورك تايمز"، رافضًا ما وصفه بـ"الأفعال أحادية الجانب ضد تركيا من قبل الولايات المتحدة، حليفنا من عقود". وأعاد البيان المألوف من الانتهاكات، بما في ذلك عدم استعداد "واشنطن" لتسليم فتح الله غولن وهو رجل دين متهم بالتخطيط للانقلاب الفاشل عام 2016 ضد (أردوغان)، واستمرار الدعم الأمريكي للفصائل الكردية السورية. ثم قام بتوجيه تهديدات واضحة، وحث "واشنطن" على "التخلي عن الفكرة المضللة التي مفادها أن علاقتنا يمكن أن تكون غير متناسقة وأن تتصالح مع حقيقة أن تركيا لديها بدائل".

حذر (أردوغان) من أن تركيا ستبدأ "البحث عن أصدقاء وحلفاء جدد" في حال لم تغير الولايات المتحدة من نهجها وبالفعل عزز الرئيس التركي العلاقات مع روسيا، وحاول إصلاح العلاقات مع حكومات أوروبا الغربية الرئيسية، وباتت مستورد كبير للنفط الإيراني، وهو ما يمكن أن يقوض الجهود الأمريكية لعزل "طهران".

لكن هذا الموقف سيجعله أكثر عداءًا في "واشنطن"، حيث يعتبر (أردوغان) بالفعل شخصية لا تحظى بشعبية كبيرة. وقد أقر "الكونغرس" الأمريكي تشريعًا يجعل من بيع طائرات F-35 إلى تركيا مشروطًا بشروط بإطلاق سراح (برونسون) على الفور. ينتقد المحللون (أردوغان)  في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية بسبب سلطته الزاحفة. وقد أظهر "ترامب"، خلافا لرؤساء سابقين، استعدادا لا نهاية له لمواجهة حلفائه السابقين كلما اختلف معهم.

وأشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن "واشنطن حاولت عمومًا تهدئة الأسواق العالمية في مثل هذه اللحظات، لا سيما عندما يكون المستثمرون خائفين من العدوى ". وعوضاً عن ذلك، ضغط "ترامب" على "أنقرة" أكثر. وكان لهذا تداعيات عالمية، فقد أدت الذبذبات التركية إلى زيادة المخاوف من الهشاشة في الأسواق الناشئة الأخرى، وأثارت الإنذارات بين بعض البنوك الأوروبية الكبرى التي لديها ديون تركية.

إن "أردوغان" أخطأ في حساباته لتقييم الوضع بشكل سيئ. وقال خبير في الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إن "توازن القوى غير متماثل، تماما هذا يأتي في صالح الولايات المتحدة، لا يوجد قضبان حراسة للتصعيد على الجانب الأمريكي، وهذا هو المكان الذي تعثر فيه الأتراك تمامًا في فهمهم لما يحدث في الولايات المتحدة".

وكانت نداءات (أردوغان) لحلفائه في حلف شمال الأطلسي (الناتو) جوفاء بشكل خاص، نظراً إلى علاقات (أردوغان) العدوانية مع أوروبا و(ترامب) حول التحالف. وقال جاكوب فانك كيركيجارد من معهد "بيترسون" للاقتصاد الدولي لوكالة بلومبرغ: "بالنسبة للإدارة أو للرئيس.. لا يعطي قيمة كبيرة لحلف الناتو، وبالتالي فإن قيمة تركيا كحليف قوي للناتو قد تراجعت. إدارة "ترامب" لن تبذل جهوداً إضافية لإنقاذ منظمة لا قيمة لها".

 يأمل المحللون في الوقت الحالي أن تسود الدبلوماسية بدل العقوبات. "المشاكل الاقتصادية والقانونية التركية واضحة، لكن العقوبات من جانب الولايات المتحدة من غير المحتمل أن تساعد أي شيء"، هكذا لاحظ المعلق التركي مصطفى أكيول، مضيفا: "قد تكون ذات نتائج عكسية، قد تعزز مشاعر تركيا القومية وتدفع البلاد أكثر نحو المحور الروسي. هناك حاجة إلى المزيد من الدبلوماسية وليس العقوبات".

لكن الدبلوماسية الناتجة تعاني عجزا، حيث يتبع (أردوغان) الآن سياسة إثارة المشاعر القومية لتبرير تشديد قبضته على البلاد. وقد فاز في الانتخابات التي جرت في حزيران/ يونيو بدعم من القوميين المتطرفين، مدعياً أن المزيد من السيطرة سوف تساعده على إخراج اقتصاد تركيا المتداعي من المشاكل. لكن بدلا من ذلك، حدث العكس وأصبحت الأمور أسوأ.

"إن الأزمة الحالية تفاقمت بسبب الإشراف المتهور لـ(أردوغان)"، هكذا يقول أيكان إردمير، وهو زميل بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن وناقد (أردوغان)، إن إصلاحها سيستغرق سنوات، وهي مهمة تتطلب قيادة جديدة وعقلية مختلفة تماماً.

ومع ذلك، حتى مع معاناة تركيا، قد لا يأخذ "أردوغان" الكثير من الضربات السياسية. وأشار (إردمير) إلى أن "معارضة تركيا ضعيفة.. تفشل في توفير الكثير من الأمل. وبدون وجود قوى سياسية قوية لإنقاذه، بالتاكيد سيواصل (أردوغان) التسبب في غرق نفسه والاقتصاد التركي في حفرة أعمق".

قد يكسب (ترامب) أيضاً المزيد من خلال رفض التنازل، فقد يستمتع بفرصة التصرف بشكل قوي ومناشدة أنصاره الأساسيين من خلال التأكيد على فكرة أن "واشنطن "تضغط على زعيم مسلم بارز حول مصير قس أمريكي، خصوصا أن هذا يلتقي مع ما كتبه الميرا بايرسلي أستاذ الشؤون الدولية في كلية "بارد" إنه "بالطبع، لاحظت أن هناك اختلافاً رئيسياً في حالات وجود مواطنين آخرين يحملون الجنسية الأمريكية ولم يتحدث عنهم أحد، مثل عالم (ناس) سركان جولج، ولكنه مسلم على عكس (برونسون) الذي وصفه (ترامب) بأنه مسيحي عظيم ورجل إيمان بريء، ولم تذكرإدارة ترامب شيئًا بشأن احتجاز (جولج)".

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات