"إدلب".. نقطة توتر على طريق العلاقات الروسية التركية

صورة أرشيفية

كيريل سيمينوف

الأحد 29-07-2018 | PM 12:10 |

 

التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 26 تموز/يوليو، على هامش قمة "البريكس" في "جوهانسبرج" بجنوب إفريقيا. وكما كان متوقعًا قبل المحادثات، كانت أجندة المحادثات الرئيسية سوريا والعلاقات الثنائية بين روسيا وتركيا. وكانت الحاجة إلى الاجتماع مدفوعة بمخاوف مثيرة للقلق للقيادة التركية بشأن إدلب والقضية الكردية في سوريا. وقبل الاجتماع أجرى الرئيسان محادثات هاتفية، تمت مناقشة هذه القضايا بدقة فيها.

إن المحادثات البطيئة الجارية الآن بين دمشق و حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، أصبحت مصدر إزعاج لتركيا، حيث إن هذه المحادثات قد تؤدي إلى احتفاظ حزب الاتحاد الديمقراطي بالسيطرة على شمال سوريا، وهو الحزب الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية. على خلفية احتمال انسحاب أمريكي من سوريا، يبدو أن الأكراد يميلون للتفاوض بشأن وضعهم المستقبلي مع النظام السوري.

خلال اجتماع "أردوغان" مع "بوتين"، لفت الرئيس التركي الانتباه إلى ضرورة إبلاغه بأي أتصالات مع الممثلين الأكراد وتنسيق أي تحركات بشأن القضية الكردية في سوريا مع تركيا كدولة ضامنة . هذا حسب مصدر في وزارة الخارجية التركية تحدث مع موقع "المونيتور" الإخباري، بشرط عدم الكشف عن هويته.

هناك إشارات على أن حزب الاتحاد الديمقراطي يبحث مع "دمشق" إمكانية فتح مكاتبه الفرعية في المناطق السورية الأخرى، ودمج مقاتليه مع قوات النظام السوري. ولجعل الأمور أكثر سوءًا بالنسبة لـ"أنقرة"، يبدو أن حزب الاتحاد الديمقراطي على استعداد للانضمام إلى جيش الدولة السورية في هجوم محتمل ضد النظام في "إدلب". وفي المقابل، يتوقع الأكراد أن تعود "دمشق" للسيطرة على "عفرين" و"منبج" - وهما المنطقتان اللتين تنازل الأكراد عنها للقوات التركية. وقد حافظ ممثلو " PYD" على وجودهم في المنطقة. إن منطقة تل رفعت، التي لا تزال تستضيف بعض وحدات حزب الاتحاد الديمقراطي تخضع للحماية من قبل النظام والقوات الروسية المتحالفة، وينظر إليها في تركيا على أنها موطئ قدم محتمل لهجوم مشترك للجيش الكردي السوري ضد الجماعات التي تخضع لرعاية تركيا.

إن وضع "إدلب" مثير للقلق بالنسبة لتركيا، نظراً إلى أنها منطقة تصعيد أخرى، وتركيا إلى جانب روسيا وإيران ضامن مشارك وقد أنشأت تركيا حولها 12 نقطة مراقبة. على الرغم من أن إخلاء المناطق الشيعية في بلدتي "الفوعة والكفرية"  قد خفض على ما يبدو إمكانية هجوم كهذا، فقد أطلقت قوات بشار الأسد عمليات انتشار على الجانب المقابل من منطقة التصعيد في "إدلب". كان اجتماع "بوتين وأردوغان" في "جوهانسبرج" على خلفية تقارير عن تعزيزات الحكومة السورية في اللاذقية وحماة - المناطق المجاورة لـ"إدلب" التي تسيطر عليها المعارضة. قد تؤدي بداية هجوم "الأسد" على "إدلب" إلى إلغاء الاتفاقيات مع تركيا في منطقة التصعيد، غير أن "دمشق" وحلفاءها  لديهم أسبابهم الخاصة للهجوم في أسرع وقت ممكن.

يتمتع النظام السوري بزخم من النجاحات العسكرية، ومن الواضح أن "دمشق" تفهم أنه من أجل إنجاز الانتصار، يجب أن تكون الطفرة الأخيرة في "إدلب"، حيث ترى قيادة حزب البعث أن الانتصارات الأخيرة في الغوطة الشرقية وشرق القلمون وحمص ومعظم درعا والقنيطرة، هي محبطة للغاية بالنسبة لقوى المعارضة في "إدلب". الكثيرون في المعارضة يبحثون بالفعل عن فرص لمغادرة البلاد خوفاً من أن ينتهي بهم الأمر قريباً للوقوع تحت سيطرة "الأسد". ومن هنا، وبالنظر إلى السرعة التي يتم التعامل بها مع مقاتلي المعارضة في جنوب سوريا، فإن روسيا وسوريا تريدان الاستفادة من هذا الزخم. وبدون أي تأخير إضافي، سيبدؤون العملية بمجرد وصول معظم الوحدات القادرة على القتال، خاصة قوات النمور وقطاع الدبابات الرابع إلى هذه الجبهة.

يبدو أن سوريا وحلفائها لا يفكرون كثيراً في نقاط المراقبة التركية في المنطقة، ولا يبدو أن تركيا تستبعد إمكانية شن هجوم في "إدلب" وتقوم بتحصين نقاط المراقبة الخاصة بها بجدران إسمنتية.

هناك سابقة لشن هجمات شنت مع القليل من الاهتمام بنقاط المراقبة العسكرية التركية. ففي 9 يوليو/ تموز، شنت جماعة أنصار الإسلام وفرسان الإيمان غارة في منطقة جبل التركمان في شمال اللاذقية، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن "25" من الجنود الموالين للحكومة. وقد عجز الموقع العسكري التركي الموجود في المنطقة عن منع الهجوم.

إن هذه العملية كانت في مصلحة "الأسد"، ليس لأن لها أي أهمية عسكرية، ولكنها خلقت سابقة للهجمات على النظام في المستقبل دون اعتبار للوجود العسكري التركي، حسب ما ورد من مصادر من المعارضة  لـ"المونيتور" طلبت التحفظ على هويتها. وقال أحد المصادر: "يمكن للنظام الآن أن يبدأ عملية في المناطق الواقعة بين نقاط المراقبة التركية، تحت ذريعة الاستجابة للنشاط المتزايد من إرهابي (هيئة تحرير الشام)".

من اللافت للنظر أيضا، أن الجيش الروسي قد أعلن بالفعل أن هيئة التحرير وكذلك جبهة تحريرالسريان وفيلق الشام وبعض الجماعات المناهضة للحكومة، قد أقاموا مقر عمليات مشتركة للتخطيط لهجوم ضد قوات الحكومة السورية في اللاذقية. لم تصدر جماعات المعارضة أي بيان من هذا القبيل كما اعتادت أن تفعل، وقد تكون هذه هي روسيا التي تضع الأرضية لضربة وقائية لتعطيل خطة الإرهابيين. وقد ترغب روسيا أيضا في توفير الأمن لقاعدة "حميميم" الجوية الروسية من هجمات المتكررة من الطائرات بدون طيار.

ومع ذلك، فإن "موسكو" تدرك تمامًا أنه بدون الاستعداد الدبلوماسي، الهجوم العسكري في "إدلب" ينطوي على مخاطر جسيمة. مع كل رغبتها في إنهاء الصراع السوري، لا تزال روسيا مهتمة بمواصلة التعاون الثنائي مع تركيا التي تتجاوز الأراضي السورية. وبالتالي، يمكن افتراض أن "بوتين" كان أكثر مرونة فيما يتعلق بطلبات "أردوغان" وجاهز للعمل على تقليل التوترات على "إدلب". وقال مستشار أردوغان "ياسين أقطاي" إن تركيا ستتخلى عن اتفاق "أستانا" في حال إطلاق الهجوم على "إدلب"، ثم تستأنف "أنقرة" دعمها العسكري الكامل للمعارضة السورية في "إدلب". وهذا بدوره، يمكن أن يعقد بشكل خطير الأهداف الأولية لهجوم "دمشق" وحلفائها على "إدلب".

على الأرجح في "جوهانسبرج"، لم يصل "بوتين وأردوغان" إلى تسوية لقضية "إدلب" بشكل حاسم داخل إطار "أستانا" الثلاثي. وستتم مناقشة القضية مرة أخرى في اجتماع "سوتشي" المقرر في غضون أيام قليلة، وكذلك خلال القمة بين "بوتين وأردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني" المقرر إجراؤها في إيران على الأرجح في نهاية آب/أغسطس.

من الواضح أنه سيكون من الصعب للغاية على "موسكو وأنقرة " الوصول إلى توافق في الآراء حول "إدلب". ومن المرجح أن تدفع روسيا باتجاه سيناريو "الإجبار على السلام" الذي تطبقه في جنوب سوريا، ما يجعل الجماعات المعتدلة المعارضة تتصالح مع النظام.

من غير المحتمل أن تقبل "أنقرة" هذا النهج الذي، وفقًا لبعض التقارير، قد أرسل بالفعل مقترحات مضادة إلى موسكو. تتضمن هذه المقترحات عقد مؤتمر برعاية تركيا تجتمع فيها جميع جماعات المعارضة، وإشراك الفصائل المسلحة التي تخضع لإشراف "أنقرة" في الجيش الوطني السوري، ونقل جميع الأسلحة الثقيلة الخاضعة لسيطرة الجيش التركي، وتشكيل حكومة مدنية موحدة من شأنها الإشراف على الأنشطة اليومية داخل مناطق خفض التصعيد. وقد تكون هذه المقترحات أيضًا بمثابة أساس لـ"محمية" تركية - روسية أخرى على الطريق السريع "M5" الذي يمر عبر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. ويجب أن يكون الطريق السريع مفتوحًا لنقل البضائع بين "دمشق" و"حلب". وتقول بعض المصادر إن الشرطة العسكرية الروسية قد يتم نشرها أيضًا على طول الطريق.

في حين أن كل هذا لا يزال قيد المناقشة، يبقى السؤال الرئيسي الذي يلي اجتماع "جوهانسبرج"، هو ما إذا كانت "موسكو" مستعدة للموافقة على مثل هذه التدابير النصفية. إذا كان الجواب نعم، فإلى متى؟ وما مدى استعداد "أنقرة" لضمان بقاء "إدلب" تحت سيطرة المعارضة؟

ترجمة: هندرين علي