واشنطن وموسكو.. وخطة إنهاء الحرب السورية

الأحد 22-07-2018 | PM 12:24 قمة بوتين وترامب في هلسنكي

أوين ماثيوس | نيوزويك

على خلفية قمة "هلسنكي" التي انعقدت يوم 16 يوليو الماضي بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، كانت إحدى أهم النتائج التي تم التوصل إليها هي التغاضي عن الضجة بشأن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وقد توصل دونالد ترامب وفلاديمير بوتين بشكل أساسي إلى اتفاق لإنهاء لعبة الحرب الأهلية السورية. وأصبحت الخطوط العريضة الأساسية للصفقة واضحة الآن.

يبقى الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة، ويكون هناك وقف دائم لإطلاق النار بين سوريا وإسرائيل (بعد 70 عاما من حالة الحرب)، وتقدم "دمشق" ضمانات بشأن أمن إسرائيل، من خلال إبعاد حلفاء "الأسد" من الجيش الإيراني عن حدود إسرائيل قبل كل شيء.

يقول السفير الأمريكي السابق في سوريا روبرت فورد: "سوف يتأقلم (ترامب) مع بقاء (الأسد) في السلطة". مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، كان ترامب "يدفع مستشاريه لوضع خطط لإخراج القوات الأمريكية من سوريا"، وهذا هو وقت الانكماش في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. اهتمام الناخبين الآن موجه نحو القضايا المحلية مثل الهجرة والرعاية الصحية وتكاليف المعيشة. ويعكس "ترامب" هذا الانشغال بالقضايا الداخلية.

مع الهزيمة النهائية لـ"داعش"، والتي أصبحت وشيكة وفي متناول اليد، كان "ترامب" يبحث عن استراتيجية للخروج من سوريا. وقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين واحدة له. ومن المرجح أن تكون الصفقة النهائية واحدة تتم بوساطة دبلوماسية مكثفة من قبل إسرائيل.

"بوتين" على علاقة جيدة  ليس فقط مع إيران، ولكن مع إسرائيل أيضا، زعيم فريد بين زعماء العالم. قبل أيام من قمة "هلسنكي"، اتجه "نتنياهو" إلى "موسكو" لحضور اجتماعه التاسع مع "بوتين" في ثمانية عشر شهراً. وقال للزعيم الروسي، إن "التعاون بيننا هو عنصر أساسي لمنع اندلاع حريق" في الشرق الأوسط. كما أكد على أن إسرائيل هي أولاً وقبل كل شيء "ضد أي وجود إيراني في سوريا".

القنبلة الدبلوماسية الحقيقية، كانت أن "نتنياهو" أشار إلى أن إسرائيل على الرغم من الدعوات المتكررة  لتغيير النظام في سوريا، باتت الآن راضية على بقاء "الأسد" في السلطة. إن منطق "نتنياهو"  بسيط، وهو أن إسرائيل أكثر اهتماماً بالوجود العسكري الإيراني على حدودها أكثر من اهتمامها ببقاء "الأسد".

كما ظل "نتنياهو" يمارس ضغوطا منذ سنوات ضد خطط روسية لبيع "الأسد" نظاما للدفاع الجوي من طراز (S-400)، وهو نظام قد ينجح في إسقاط الطائرات الاسرائيلية فوق سوريا. وبعد مراوغة طويلة، بات "بوتين" عازما هذا العام أخيراً على الموافقة على الاقتراح الإسرائيلي لوقف بيع (S-400).

وفي الوقت نفسه، أجرى "بوتين" أيضًا محادثات مكثفة مع الإيرانيين. علاوة على ذلك، فإن "الكرملين" يعمل كوسيط فعلي بين "واشنطن" و"طهران"، اللتان لا تربطهما علاقات دبلوماسية رسمية منذ عام 1979.

قبل أسبوع من لقاء "ترامب"  في "هلسنكي"، استضاف  فلاديمير بوتين مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي أكبر ولايتي، في موسكو لمدة ثلاثة أيام، لإجراء محادثات. وعلى المستوى الرسمي، قال "ولايتي" للصحفيين، إن الاجتماع كان حول "التعاون الإقليمي بين إيران وروسيا في مكافحة الإرهاب ورعاته في سوريا وبلدان أخرى في المنطقة".

لكن الواقع هو أن التركيز الحقيقي للمناقشات كان بشكل خاص، يتركز على حشد المساعدة الروسية في ظل أزمة اقتصادية متنامية في إيران أثارها إعلان "ترامب" أنه سيتم إعادة تطبيق العقوبات النفطية على إيران بعد 4 تشرين الثاني/نوفمبر.

"إيران بحاجة إلى دعم دبلوماسي.. وتحتاج أيضا إلى الاستثمارات"، هكذا يؤكد أحد الدبلوماسيين الروس البارزين المطلعين على ما جرى بالمحادثات التي لم يكن مخولا بالتحدث عنها علنا. "من الواضح أن العالم لم يعد أحادي القطب. لا يمكن لدولة واحدة أن تملي على الآخرين أي شيء آخر. طهران تعرف ذلك وتحرص على إقامة صداقة استراتيجية مع روسيا".

كل هذا يعني أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات في سوريا مقابل الأموال الروسية. أثناء وجوده في موسكو، رحب "ولايتي" وأعلن أن "روسيا مستعدة لاستثمار 50 مليار دولار في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين".

ومنذ المحادثات، أعلنت شركتا الطاقة الروسية (روزنفت وجازبروم) بالفعل أن المفاوضات جارية مع وزارة النفط الإيرانية بشأن صفقات استكشاف النفط التي تصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار. ما تحتاجه "موسكو" و"تل أبيب" من إيران هو انسحاب وحدات الحرس الثوري الإيراني وحلفائها من ميليشيات "حزب الله" اللبنانية، التي قلبت أحداث الحرب الأهلية السورية لصالح "الأسد".

وفي ظل ما يقال عن دعم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لرغبة إسرائيل ضد إيران، وتهافت تركيا على التراجع خلف روسيا، فإنها صفقة ناجحة. باختصار "الأسد" على وشك البقاء، ويجب على الغرب الآن أن يبدأ تقبل حقيقة أنه دعم الجانب الخاسر في الحرب الأهلية السورية. لقد عرضت إسرائيل على "الأسد" بالفعل خيارا قاسيا، وهو إما أن يقنع حلفائه الإيرانيين بالمغادرة، أو يواجه الغارات الجوية المتصاعدة.

وقد هدد وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز في حزيران/ يونيو، قائلا: "إذا واصل (الأسد) السماح للإيرانيين بالعمل انطلاقا من أراضي سوريا، فستكون نهايته ونهاية نظامه". وقد كانت سلسلة الضربات الجوية المتصاعدة الإسرائيلية ضد الوحدات الإيرانية داخل سوريا بمثابة رسالة إنذار موجهة إلى الإيرانيين.

يتباهى المسؤولون الإيرانيون بأنهم مرحب بهم في سوريا بشكل مبالغ ولن يغادروها أبدا. وقال الجنرال مسعود جزايري، للصحفيين في تموز/ يوليو: "الخوف الأكبر للنظام الصهيوني هو قرب المقاتلين المسلمين من حدوده، حيث تبذل الولايات المتحدة وإسرائيل جهودًا يائسة لتغيير الوضع القائم، لكن عليهم أن يعلموا أن هذه الظروف لن تتغير".

لكن التقارير في الواقع تشير إلى العكس. في أواخر حزيران/يونيو، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن قوة كبيرة من المسلحين المدعومين من إيران شوهدوا وهم ينسحبون من حوالي 40 كيلومترًا (25 ميل) من الحدود السورية مع إسرائيل على طول مرتفعات الجولان المتنازع عليها. وهذا يمهد الطريق لتطبيع العلاقات بين البلدين لأول مرة منذ عقود.

وقال" بوتين" في المؤتمر الصحفي الذي عقد بعد القمة الأسبوع الماضي: "يجب التزام جنوب سوريا بالكامل لمعاهدة 1974، حول الفصل بين قوات إسرائيل وسوريا. وهذا من شأنه جلب السلام إلى هضبة الجولان وأيضاً المزيد من العلاقات السلمية بين سوريا وإسرائيل، ويوفر الأمن لدولة إسرائيل. لقد أولى الرئيس" ترامب" اهتماما خاصا لهذه القضية خلال مباحثات اليوم".

هناك حدود إلى حدّ ما، إلى أي مدى تستطيع روسيا إقناع الإيرانيين بالانسحاب إلى ما بعد الإخلاء التكتيكي للجولان؟ يقول "فورد": "إيران شريك أهم بكثير من روسيا بالنسبة لـ(الأسد). القوات المقاتلة على الأرض حاسمة، والقوات الموالية لـ(الأسد) تم تسليحها وتدريبها وتعبئتها من إيران على عكس روسيا التي لم تبذل جهودا كبيرة".

السؤال هو إلى أي مدى يمكن كسب رضا إسرائيل بما فيه الكفاية، علاوة على ذلك، فإن روسيا لديها مجموعة كاملة من المصالح المشتركة مع إيران خارج سوريا. على سبيل المثال، حدودها البحرية في بحر قزوين الغني بالنفط، والتشدد الإسلامي في القوقاز، والعلاقات مع دول آسيا الوسطى الغنية بالنفط.

ويقول "فورد": "لا أعتقد أن الروس سيتجهون إلى حلفائها الدبلوماسيين ويبدأون في عرقلة معظم مصالحهم فقط لجعل دونالد ترامب والمحاربون الجدد سعداء". ومع ذلك، فمن الواضح أن روسيا سعيدة للغاية بالسماح للولايات المتحدة بالانسحاب من سوريا، ما يجعلها بالفعل "محمية روسية". "بوتين" مستعد أكثر للتوقيع على أي اتفاق بوساطة إسرائيل يترك حليفه "الأسد" في السلطة.

لا يزال إقناع إيران بالتراجع والانسحاب من سوريا يشكل نقطة خلاف، ولكن مع فرض عقوبات أمريكية جديدة  تلوح في الأفق، فإن "طهران" بحاجة ماسة إلى المال الروسي. ومن المرجح أن يكون الخاسر الوحيد في الصفقة هي المعارضة السورية التي كانت الولايات المتحدة تدعمها في السابق وقد تخلت عنها الآن.

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات