صفقات الأسلحة العربية.. هل تهدد أمن إسرائيل؟

صورة أرشيفية

معهد الأمن القومي الإسرائيلي

الخميس 12-07-2018 | PM 12:46 |

على الرغم من أن المخاوف بشأن اندلاع سباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط يعتبر أمرا مبررا، وفي ظل التركيز الدولي والإقليمي على هذه المسألة، فإن منطقة الشرق الأوسط تجد نفسها الآن أمام معضلة أخرى هي سباق التسلح من خلال الصفقات المحمومة لشراء الأسلحة من مصنعيها. ربما يكون الحافز وراء هذا الأمر هو السعي إلى التغلب على التهديد الإيراني من التغلغل في المنطقة بشكل أكبر، كما أن بعض الدول العربية -وخصوصا دول الخليج- تسعى إلى الحصول على مكانة بارزة في المنطقة والعالم من خلال هذه الصفقات، ولكن رغم كل هذا، فإنه لا يمكن لأحد أن ينكر مدى خطورة هذه الصفقات وحصول الدول العربية على أسلحة متطورة، على الأمن القومي الإسرائيلي.

وبحسب إحصائيات معهد أبحاث السلام الدولي في "ستوكهولم" عن صفقات وصادرات وواردات السلاح إلى الشرق الأوسط، فإن واردات السلاح الأوروبية والأمريكية إلى دول الشرق الأوسط ارتفعت بنسبة 103% في الفترة ما بين 2013 و2017 بالمقارنة مع الفترة ما بين 2008 و2012. وخلال هذه الفترة، زادت صفقات الأسلحة التي أبرمتها مصر والسعودية بنسبة 215% و225% على التوالي، وهاتان الدولتان تعتبران من أكثر 5 دول شراءً للأسلحة في العالم.

على الرغم من الأوضاع الاقتصادية التي مرت بها مصر خلال السنوات الماضية، وسياسات التقشف التي انتهجتها الدول الخليجية بسبب تراجع أسعار النفط في السنوات الأخيرة، فإن ميزانيات الدفاع في هذه الدول لم تتأثر بشكل كبير، واتخذت هذه الدول قاعدة رئيسية لها هي عدم تقليل مشترياتها العسكرية أبدا.

إن مصر تحديدا تجري عملية إعادة بناء كاملة للجيش المصري، وتعمل القيادة المصرية الآن على إعادة تحديث الأسطول البحري والجوي بالكامل، بما في ذلك الحصول على حاملتي مروحيات من فرنسا، وغواصات متقدمة من ألمانيا، و50 طائرة من طرز (ميج 29) الروسية، بالإضافة إلى منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة (إس 300)". وعن دول الخليج، قال المعهد الإسرائيلي إن "مشتريات الأسلحة في الإمارات والسعودية تتخطى كل الدول الغربية مجتمعة، والأكثر من ذلك.. جزء من ميزانيات المشتريات الدفاعية موجه في الأساس للحصول على الأنظمة الهجومية من الدول الغربية وغير الربية، مثل الطائرات المسيرة الهجومية وصواريخ أرض أرض، والصواريخ الموجهة، بالإضافة إلى القنابل الخارقة للتحصينات، وصواريخ (كروز) وغيرها من الأسلحة المتطورة.

خلال السنوات الأخيرة، عملت الدول العربية على تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين، خصوصا أن هاتين الدولتان لديهما قيود أقل من الولايات المتحدة على مبيعات الأسلحة، كما أن أنظمة الأسلحة الخاصة بهما أكثرا تطورا، والهدف من شراء الدول العربية للأسلحة من روسيا والصين هو تعزيز العلاقات معهما، بهدف تكوين عوامل ضغط على الولايات المتحدة، لأسباب عديدة من بينها الرفض الأمريكي لبيعهم بعض أنظمة الأسلحة، كما أن هناك سبب آخر للجوء إلى روسيا والصين هو تقليل الاعتماد على مورد واحد فقط.

إن السباق على التسلح بين الدول العربية نابع في الأساس من التوتر الكبير الذي اندلع خلال السنوات الثماني الماضية في المنطقة، كما أن تباين المصالح والسعي إلى سياسات مستقلة يدفع بشكل مباشر نحو اللجوء إلى المزيد من مصنعي الأسلحة، وهناك مثال على ذلك هو المملكة العربية السعودية التي تسعى إلى الحصول على منظومة (ثاد) الدفاعية الأمريكية التي حصلت عليها دولة الإمارات بالفعل، ولكنها مع ذلك دخلت في مفاوضات مع الجانب الروسي للحصول على منظومة صواريخ (إس 400) الروسية، وهنا تدخلت قطر أيضا لتسعى إلى الحصول على هذه المنظومة الدفاعية الروسية المتطورة.

إن تقارير وأبحاث عديدة تشير إلى أن هذا النوع من السباق واللجوء إلى مصنعي الأسلحة الآخرين غير الولايات المتحدة، يمثل تآكلا في الموقف الأمريكي في المنطقة، ورغم أن الولايات المتحدة قد تعتبر هذا أمرا طبيعيا في ظل أنها نفسها تسعى إلى تقليل انخراطها في الشرق الأوسط، فإنه يجب على إسرائيل أن توضح موقفها بشكل لا لبس فيه للإدارة الأمريكية، فهذا النوع من سباق التسلح ودخول كل تلك الأسلحة المتطورة إلى الشرق الاوسط، يحتمل أن تكون له تداعيات خطيرة على أمنها.

الوضع كالتالي، الإدارة الأمريكية تسعى إلى الحفاظ على مبيعاتها من الأسلحة للدول الخليجية، وبما أن دولتي الإمارات والسعودية طالبتا فعلا بالحصول على مقاتلات (إف 35)، فإنه يجب على إسرائيل أن تكون مستعدة جيدا لاحتمالات أن تسمح إدارة (ترامب) بهذه الصفقة، في إطار السياسة التي تحاول إدارته انتهاجها لجعل مبيعات السلاح –وتحديدا المقاتلات- أكثر مرونة من السابق للحفاظ على التنافسية الأمريكية في سوق السلاح العالمي. وعلى الرغم من أن إدارة (ترامب) سبق وأعن أعلنت أن موقف إسرائيل سيتم وضعه في الاعتبار خلال إبرام تلك الصفقات، فإن الواقع يشير إلى أن الإدارة الأمريكية تتوقع من إسرائيل أن تبقى بعيدا عن التدخل في شؤون الصفقات الأمريكية.

إن حصول الدول الخليجية على هذه الأنظمة المتطورة، وخصوصا أن بعضها أكثر تطورا مما حصلت عليه إسرائيل بالفعل، يمثل تهديدا كبيرا لإسرائيل، وهو ما يعني أن الإدارة الأمريكية يجب أن تطلع "تل أبيب" بشكل مستمر على هذا النوع من الصفقات في إطار إعادة تقييم وتقدير الوضع للحفاظ على أمن إسرائيل وتفوقها العسكري في المنطقة، وسيكون على إسرائيل أن تفكر بجدية في مسألة تعزيز العلاقات مع روسيا والصين أيضا للحصول على نفس النوع من الأسلحة كما الدول العربية.

إن ما يجري حاليا من حصول الدول العربية –وتحديدا مصر والسعودية والإمارات- على هذا النوع من الأسلحة المتقدمة، يفرض عددا من التحديات أمام إسرائيل، أولها أن إدارة "ترامب" تصر على ضرورة تعزيز قوة الدول الحليفة لها في الشرق الأوسط ضد إيران، كما أن الولايات المتحدة تشدد دوما على أن مصالحها تتمثل في زيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية في ظل التنافس مع روسيا والصين. وإسرائيل لا ترغب في أن تبدو وكأنها تضر بالمصالح الأمريكية الرئيسية، كما أن علاقات إسرائيل تتحسن ببعض الدول العربية واعتراضها على مبيعات الأسلحة إليها يمثل تهديدا لتلك العلاقات.

هناك مخاوف حاليا مرتبطة بالاستقرار الزمني للأنظمة في الشرق الأوسط، ففي السنوات الأخيرة كانت هناك أمثلة كثيرة جدا على أن تغيير الأنظمة أو انهيارها بات أمرا سهلا جدا، وبعضها حدث بدون أي إشارات مسبقة على هذا الانهيار. ومن الصعب تماما استبعاد فكرة انهيار أي نظام في أي دولة وسقوط الأسلحة في الأيدي الخاطئة كما حدث في ليبيا واليمن وسوريا والعراق. والسؤال الآن، هل تدرك إسرائيل ما يحدث في المنطقة؟ وهل بإمكانها الحصول على ضمانات سياسية وتكنولوجية أمريكية بأن هذه الأسلحة لن توجه يوما ما ضد إسرائيل؟

بات على "تل أبيب" أن تعمل على دراسة الوضع جيدا ودراسة فكرة دخول كل تلك الأسلحة والمنظومات الدفاعية والهجومية المتطورة إلى الشرق الأوسط، وعليها أن تدرس تأثيرات هذا الوضع الجديد على أمنها القومي، كما أنه عليها أن تثير هذه المسألة في محادثاتها مع الولايات المتحدة، وتصر على أن يتم ضمان التفوق الإسرائيلي النوعي عسكريا في المنطقة.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات