ماذا وراء المكاسب القومية في المناطق الكردية في تركيا؟

صورة أرشيفية

سيبل هورتاس

الأربعاء 11-07-2018 | PM 12:32 |

لا تزال نتائج الانتخابات التركية تثير الجدل، وأكثرها إثارة للجدل كانت من المحافظات ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرق البلاد. حزب الحركة القومية (MHP) الذي ينتهج خطابا قوميا متشددا نادرا ما يلقى قبولا في أوساط الأكراد، شهد زيادة ثلاثة أضعاف في أصواته في المنطقة، مقارنة بحزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، حامل الشعلة للحركة السياسية الكردية الذي لاقى انخفاضاً ملحوظاً في الأصوات.

ونظراً للسياسات المتناقضة تماماً للطرفين، يتفق العديد من المحللين على أن الأصوات المتأرجحة والديناميكيات الداخلية لا يمكنها تفسير هذه الظاهرة. وبالتالي، تتطلب مكاسب حزب الحركة القومية وتدهور حزب الشعوب الديمقراطي تحليلات منفصلة.

الأمثلة على كيفية زيادة أصوات حزب الحركة القومية من انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2015، تشمل المحافظات التالية: وان (من 6384 إلى 16240)، موس (من 2708 إلى 7051)،  دياربكر (من 6619 إلى 11965)، ماردين (من 3701 إلى 10426)،  شرناخ (من 3081 إلى 9386)، هاكاري (من 2232 إلى 5166)، سيرت (من 2379 إلى 5312).

لاحظ المراقبون المحليون أن حزب الحركة القومية لم يبذل أي جهد خاص لتعزيز شعبيته في المنطقة منذ انتخابات 2015. وقال بهار كيليك جديك، وهو صحفي يعمل منذ فترة طويلة في ديار بكر لصالح موقع "المونيتور"، إن "حزب الحركة القومية" لم يقم بأي حملة قبل انتخابات 24 حزيران/ يونيو. وفي إشارة الى زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، قال: "بهتشلي لم يأت إلى المنطقة ولم تعقد أي مسيرات خلال فترة الحملة الانتخابية. لم ألحظ أي نشاط من جانب فروع مقاطعات حزب الحركة القومية. كانت الأشياء الوحيدة التي صادفتها هي ملصقات بهتشلي المعلقة على واجهات المكاتب الإقليمية".

أدى أفتقار حزب الحركة القومية إلى أصوات الناخبين، إلى جانب نبرة الخطابة القومية الحادة لدى الحزب، إلى تحول المحللين إلى ديناميكيات خارجية لتفسير مكاسب الحزب في المنطقة.

في مقابلة مع "المونيتور"، أشار الباحث والكاتب كمال جان إلى عاملين محتملين: الزيادة الكبيرة في عدد قوات الأمن في المنطقة، وتأثير البيروقراطية الأمنية.

وقال: "السبب الأول مرتبط بالزيادة في عدد قوات الأمن، كما تؤكد بعض الاستطلاعات المحلية. هناك أيضا بيانات تشير إلى أن سلوك التصويت لقوات الأمن قد تحول من حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى حزب الحركة القومية. وهذا لا يكفي لشرح الزيادة العددية بالكامل، ولكن لا يزال بإمكانه خلق اختلافات تناسبية صغيرة".

العامل الثاني يمكن أن يكون تأثير البيروقراطية الأمنية، وما يسمى بحراس القرية، وهم الأكراد المسلحين من الحكومة الذين يساعدون قوات الأمن، من حيث نقل صناديق الاقتراع والسيطرة والتلاعب في التصويت. وقال "جان": "ربما استخدموا هذا التأثير لصالح حزب الحركة القومية. على الرغم من صعوبة إثبات ذلك، إلا أن هذا ممكن".

يكافح حزب الشعوب الديمقراطي أيضًا لشرح مكاسب حزب الحركة القومية في المنطقة. وستكون هذه القضية محل نقاش في تقرير الانتخابات من قبل الحزب، الذي سيصدر في الأيام المقبلة.

في تصريحات لـ"المونيتور"، لفت المتحدث باسم حزب الشعوب الديمقراطي أيهان بيلجن الانتباه إلى ما يُطلق عليه أوراق 142 رمزًا، والتي تسمح لأعضاء قوات الأمن بالتصويت في أي صندوق من صناديق الاقتراع. وأقترح توجيه قوات الأمن للتصويت في المناطق ذات الدوائر الانتخابية الأصغر. "في الأقاليم الأكبر نسبيا مثل سانليورفا وماردين، لا يمكن لأصوات 3000 أو 5000 ضابط أمن التأثير في النتيجة، لكن في هكاري تمكنوا من انتخاب مشرع واحد عن طريق توجيه العديد من ضباط الأمن للتصويت في المنطقة".

وقال "بيلجين": "القضية الثانية هي التصويت المتعدد"، مؤكداً على أن أوراق 142 رمزًا عرضة للإساءة، مما يسمح لأصحابها بالتصويت عدة مرات دون الكشف. "لا يوجد نظام قياسي للسيطرة على هؤلاء الناخبين. ليس لدينا أي فكرة عن عدد الأشخاص الذين يمكن أن يصوتوا عدة مرات بهذه الطريقة".

منذ عام 2015 لاقى الجنوب الشرقي زيادة في تعزيز أعداد قوات الأمن التي أرسلت إلى المنطقة، عندما شنت السلطات حملة قمع واسعة النطاق ضد المسلحين الأكراد المتحصنين في المناطق الحضرية. ويقال إن المزيد من رجال الشرطة والجنود قد أرسلوا إلى المنطقة قبل الانتخابات، مما زاد عدد الذين يمكنهم التصويت دون تسجيلهم في صندوق اقتراع محدد.

عندما يتعلق الأمر بحزب الشعوب الديمقراطي، فإن عروضه الخاصة في المنطقة تحدت التوقعات أيضًا. على الرغم من أن الحزب تمكن من تجاوز الحد الوطني البالغ 10% لدخول البرلمان، فإن الدعم الذي تلقاه من الأكراد المحليين كان أقل بكثير مما كان يأمل في مواجهة الخطاب القومي المتصاعد لكل من حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية. وعلى وجه الخصوص، كان من المتوقع أن ينجذب الأكراد المحافظون الساخطون على حزب العدالة والتنمية إلى جانب حزب الشعوب الديمقراطي. ومع ذلك، أظهرت النتائج عكس ذلك.

بالنسبة إلى "بيلجن"، يتعلق هذا أيضًا بالعوامل الخارجية، وقال إن فقدان الأصوات ملاحظ في الغالب في مناطق مثل نصيبين و كزل تبه، التي عانت أكثر من غيرها في حملة القمع 2015-2016. "خسارة الناخبين في تلك المناطق هي 20-25 %. ورأى هؤلاء الناس أن أحيائهم دمرت وفقدوا منازلهم وكان هناك هجرة كبيرة. سوف نقوم بتحليل السجلات الانتخابية للوصول إلى نتيجة نهائية".

على صعيد النقد الذاتي، قال "بيلجن" إن الحزب كان أداءه ضعيفاً لم يتمكن من جذب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، مشيرين إلى أن العديد من الأكراد انتقلوا إلى المقاطعات الغربية كعمال موسميين خلال فصل الصيف. وأضاف: "وبالمثل لم تكن منظمتنا قوية بما يكفي من حيث توزيع مراقبي صناديق الاقتراع".

وشدد المتحدث على أن جميع الأصوات التي تم إبطالها في المنطقة تقريبا هي أصوات حزب الشعوب الديمقراطي. وقال إن نحو 300,000  صوت من أصوات حزب الشعوب الديمقراطي اعتبرت باطلة خلال فرز الأصوات. وهذا رقم كبير، بالنظر إلى أن عدد الأصوات التي دفعت الرئيس رجب طيب أردوغان إلى نسبة 50% للفوز بالجولة الأولى في الانتخابات الرئاسية، كان حوالي 700,000 صوت.

لا يترك التأثير الثقيل للعوامل الخارجية مجالًا كبيرًا للتحليل السياسي للنتائج. لا يبدو من المرجح أن يقوم أي من حزب الشعوب الديمقراطي الشعبي أو حزب الحركة القومية بإجراء أي تغييرات جوهرية على سياساتها الكردية بناءً على النتائج.

"لا أتوقع من حزب الحركة القومية أن يفكر في تخفيف سياسته الكردية في ضوء التصويت الذي حصل عليه من المنطقة"، على حد قول "جان"، مضيفا: "على العكس، إذا كان التصويت يزيد بالفعل بسبب الأسباب التي نفكر بها.. تأثير البيروقراطية الأمنية، فقد تم تحقيق ذلك بالضبط لأن حزب الحركة القومية اختار النبرة الحادة في خطاباته".

وشدد على أن الناخب انتقل من حزب العدالة والتنمية إلى حزب الحركة القومية، وقد تم ملاحظة ذلك في جميع أنحاء تركيا، وقال إن "زيادة حزب العدالة والتنمية من الجرعة القومية خدم حزب الحركة القومية".

واعترف "بيلجن" من جانبه، بأن الأكراد قد يكونوا شاهدوا أوجه قصور أو ضعف في حزب الشعوب الديمقراطي، "ومع ذلك، هذا لا يعني أن هناك بديل أفضل من هذا الحزب، لكنهم شاهدوا أوجه التقصير منه. لقد عبر الناخبون عن اعتراضات وانتقادات لحزب الديمقراطي الشعبي، وسوف نقوم بتحليلها أيضًا".

----

*سيبل هورتاس: صحفية تركية حاصلة على عدد من الجوائز، تركز على حقوق الإنسان والشؤون القضائية والقانونية. وتشمل مهنتها 15 عاما كمراسلة للصحف الوطنية إيفرنسل، ترف، صباح وخبر تورك ووكالة إنكا للأنباء. حصلت على جائزة (Metin Goktepe /متين جوكتيب) للصحافة، وجائزة (Musa Anter/موسا عنتر) للصحافة في عام 2004، وجائزة الاستحقاق لرابطة الصحفيين الأتراك (ميرت) في عام 2005. وفي عام 2013، نشرت كتابًا عن جرائم قتل المسيحيين في تركيا. تنشر مقالاتها حول الأقليات وعمليات القتل التي لم تحل على مدونة حقوق الإنسان في (فيلي بيلي).

ترجمة: هندرين علي