رغم قوة "أردوغان" الظاهرية.. تركيا منقسمة على نفسها

الخميس 28-06-2018 | PM 07:12 صورة أرشيفية

أصلي آيدين تاش باش

نتيجة الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم الأحد في تركيا، قلبت الموازين وفرضت علينا تقبل واقع جديد. الواقع الجديد المفروض علينا، هو "تركيا الجديدة" كما  يسميها مؤيدو الرئيس رجب طيب أردوغان. أعيد انتخاب الرئيس التركي بنسبة 52% من التصويت على الرغم من الانكماش الاقتصادي والإحباط من سياسات "أردوغان" شديدة القسوة الخانقة لشريحة كبيرة من المجتمع، بما في ذلك العلمانيين والأكراد.

إنها لهزيمة مفجعة لأولئك الذين كانوا يأملون أن يكون التصويت يوم الأحد بمثابة رسالة قوية إلى "أردوغان"  للعودة إلى مسار الديمقراطية. نعم، كانت الأحداث في الفترة التي سبقت الانتخابات غير متكافئة. تم سجن بعض الساسة الأكراد في تركيا، يسيطر"أردوغان" على الدائرة الإعلامية بأكملها في البلاد. لكن رغم ذلك، أقر مرشح المعارضة محرم إينجة في رسالة عبر "واتس آب" إلى أحد الصحفيين: "لقد فاز الرجل".

وسيقود "أردوغان" البلاد الآن في ظل نظام رئاسي جديد يتمتع بسلطات واسعة وشيكات قليلة، على أمل تحويل الجمهورية العلمانية لمصطفى كمال أتاتورك إلى أردوغانستان.

لكن بغض النظر عن الأحداث الحالية كيف تبدو، البلاد مقسمة إلى نصفين. واحد منهم، يؤكد أن "أردوغان"  يتمتع بسياسة شعبية كبيرة، لكن الثاني، ما يقرب من نصف البلاد، لا يزال خارج دائرة الدعم لـ "أردوغان". وهذا يشمل شريحة واسعة من المجتمع التركي، بما في ذلك الأكراد والعلمانيون والبعض من المهنيين الحضريين والأكاديميين والمحامين ذات خبرة. خلال الحملة اتهم "أردوغان" الحزب الموالي للأكراد بـ"الإرهابيين" و"حزب الشعب الجمهوري" العلماني المعارض الرئيسي "بدعم الإرهابيين" لكن كل هؤلاء "الإرهابيين" سيكونون الآن في البرلمان التركي على مقاعد المعارضة.

سيكون الصداع الثاني لرجل تركيا القوي هو القومية التي أطلقها. حزب العدالة والتنمية (AKP)  لم يكن أداؤه جيدا في هذه الانتخابات كما كان في الماضي، حيث انخفض من 49% في الانتخابات العامة في تشرين الأول/نوفمبر 2015 إلى 42%. وهذا يجعل "أردوغان" مدينًا لشريكه في الائتلاف وهو حزب الحركة القومية المتطرف (MHP) منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، كان "أردوغان" يعتمد على حزب العمل القومي وزعيمه "ديفلت باهجلي"، لتمرير القوانين في البرلمان. والآن بعد أن خسر حزبه الأغلبية لن يكون أمامه خيار سوى الاستمرار في اعتماده على القوميين المتطرفين. وهذا يعني عدم وجود مجال للمناورة حول القضية الكردية، وعدم التخفيف من الحريات واستمرار السياسات الأمنية المتشددة هذه ليس المسار الصحيح لتحقيق الاستقرار في تركيا.

علاوة على ذلك، سيكون هناك تدهور في الاقتصاد للتعامل معه. أكثر من 20 مليون تركي يحصلون على رواتب حكومية من نوع أو آخرمن الفحم الحر لفصل الشتاء إلى منافع البطالة ومعونة الفقر. هذا يجعل تركيا دولة تتمتع برفاهية كبيرة. لكن دولة الرفاهية مع انخفاض الموارد، منذ التحول إلى الاستبداد، لا تجتذب الاستثمارات إن سياسة "أردوغان" من أجل اقتصاد ذي نمو مرتفع قائم على مشاريع البنية التحتية الكبيرة والبناء ستؤدي حتما إلى أزمة مالية. إن سيادة القانون ضرورية للشركات وللثقة بالليرة التركية. ما لم يتوخ الاتراك الحذر، فإن توفير الرفاهية الاجتماعية سيكون أصعب في هذا الوقت من العام المقبل.

لم يكن أحد يتوقع حملة إصلاح ضخمة بعد فوز "أردوغان"، لكن تعايش حزب العدالة والتنمية الحالي مع القوميين الأتراك يجعل حتى "التطبيع" مستبعدًا في الوقت الراهن. خلال الحملة الانتخابية، استجاب الرئيس التركي لمطالب المعارضة برفع حالة الطوارئ التي فرضت بعد الانقلاب الفاشل عام 2016، ولكنه استخدم ضد مجموعة واسعة من منتقدي الحكومة بالقول إنه سيتم رفعه بعد الانتخابات. الآن عليه أتخاذ أحد أفضل الإجراءات التي يمكن أن يقدمها لتركيا، وهي رفع الإجراءات القاسية التي اتخذت مع قانون الطوارئ، والتي تشمل القيود المفروضة على حرية التجمع والصحافة.

في ليلة الانتخابات، ذهبت إلى مركز اقتراع في حي إسطنبول العلماني الذي أعيش فيه. أحد الأمور التي رافقت تدمير سيادة القانون في تركيا، هو انعدام الثقة العميقة في المؤسسات والسلطات. دفع ذلك عشرات الآلاف من الأتراك للتطوع كمراقبين للانتخابات في جميع أنحاء البلاد. ذهب الطلاب والنشطاء من اسطنبول كمراقبين إلى المناطق الكردية الريفية، حيث شعر السكان المحليون بالضغوط الحكومية. في مركزنا في "ايتيلر". كان المراقبون ومسؤولو الاقتراع جميعًا من النساء وشاهدوا الفرز، وكانوا يضعون علامة على كل تصويت على الأوراق المطبوعة الصغيرة التي لديهم وتحميل النتائج على تطبيقات خاصة في هواتفهم.

كنت من بين أولئك الذين اعتقدوا أن الانتخابات يمكن أن تتجه إلى جولة الإعادة وتمثل تراجعاً في سلطة "أردوغان"، استناداً إلى الجهود الفعالة والتنسيق في معسكر المعارضة. ما زلت أعتقد أن الطاقة موجودة. مع القوة الكاملة لجهاز الدولة التركية والسيطرة الكاملة على وسائل الإعلام، حقق "أردوغان" نصرا يمثل أكثر قليلا من نصف السكان. بعض النقاط لأعلى أو لأسفل لا تغير عدد الأصوات. هناك العديد من المدافعين عن الوضع الراهن الذين يفضلون حكم الأغلبية السنية التركية، ويرون "أردوغان" باعتباره الانعكاس النهائي لأحلامهم التاريخية. لكن على الجانب الآخر، هناك مجموعة متنوعة وفوضوية تشمل الأتراك والأكراد والعلمانيين والعلويين والطبقة الوسطى ونخبة رجال الأعمال واليسار وكلهم يريدون العودة إلى ديمقراطية ليبرالية.

النضال من أجل بلد أفضل سيستمر، سوف نحزن ونبكي، ونبدأ في التقاط أنفاسنا من حيث توقفنا.

*أصلي آدين تاش باش: زميل بارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. وكاتبة عمود في صحيفة "جمهورييت" التركية اليومية.

 

ترجمة: هندرين علي

أحدث الدراسات