"بوتين" ومفاتيح نفوذه في الغرب

صورة أرشيفية

آنا آبلبوم | واشنطن بوست

الثلاثاء 19-06-2018 | PM 12:01 |

في السابق، كانت هذه الأمور تجري بطرق مختلفة تماما.. كانت هناك لجنة من جهاز الاستخبارات الروسي (كي.جيه.بي)، وهو الجهاز الأمني الرئيسي للاتحاد السوفييتي منذ 1954 وحتى تفككه في عام 1991، حيث كانت هناك أكياس من النقود تذهب كإعانات سرية للمطابع السرية لليسار المتطرف. كان الحزب الشيوعي السوفيتي يسعى إلى تقويض الديمقراطية الغربية سرا. ولكن كان كل شيء يجري في نطاق ضيق جدا. لم تكن الولايات المتحدة تملك ثروة، ولم تكن في وضع يسمح لها بضخ الأموال لمؤيديها، وكونهم رجال مؤدلجين، من المفترض أنهم لا يريدون المال على أي حال.

على النقيض من ذلك، فإن روسيا الحديثة لديها مهمة أسهل بكثير. في الوقت الحاضر، عندما يقوم "الكرملين" بجهد سري لممارسة النفوذ السياسي وتقويض الديمقراطية، عليه توفيرأدوات أكثر بكثير، مثل الشركات الكبيرة والأثرياء القدامى، وكلاهما يحتاج إلى الاستمرار في الحكومة ونفوذ نفسي أكثر بكثير، فبدلاً من الأخوة البشرية ووحدة الطبقة العاملة، يمكن لروسيا الحديثة أن تستهوي غريزة أبسط هي"الطمع". وبدلاً من تقديم القليل من الأموال النقدية أو الحسابات المصرفية السرية، يمكنهم الآن تقديم صفقات مع رجال أعمال روسيين داعمين. وهذا يعتبر قانونياً، أي يمكن مناقشته علانية وخلق المناخ الملائم للعلاقات الودية، حتى لو لم تحدث أبداً.

هذه هي خلفية القصة الغريبة عن التأثيرالروسي الذي بدأ الكشف عنه في بريطانيا خلال الأسبوع الماضي، وذلك بفضل الكشف عن مخبأ للوثائق، بما في ذلك تبادل بعض الرسائل عبر البريد الإلكتروني، نُشر مؤخرًا في كل من صحيفتي (أوبزيرفر وصنداي تايمز). الشخصية الرئيسية آرون بانكس، كان من أكبر الممولين  في حزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP) المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى منظمة (غادر الاتحاد الأوربي/ Leave.EU) وهي إحدى المنظمات التي قامت بحملة لإقناع البريطانيين بمغادرة الاتحاد الأوروبي. وقد استثمر السيد "بانكس" 11 مليون دولار من ماله الخاص لهذين السببين، وقام بدفع خمسة ملايين دولار إضافية. وهذه تعتبر مبالغ كبيرة في السياسة البريطانية، حيث لا يوجد هناك ما يشبه نبع متدفق لإنفاق المال كما هو مألوف للأمريكيين.

ولكن من أين جاءت تلك الأموال؟ لطالما قال "بانكس" إنها جاءت من شركة التأمين الخاصة به، والتي لا يبدو أنها تحقق الكثير من المال كما يقول، وكذلك مناجم الألماس التي يملكها في "ليسوتو". رأي عالم واحد كافي على الأقل ليثبت أنه "مستحيل جيولوجيًا"، ويبدو الآن أن "بانكس" الذي تزوج من ابنة مسؤول رسمي روسي، ربما تكون قد طلبت الحصول على مشورة تجارية في الشرق. في مناسبة واحدة على الأقل زار هو وزملاؤه السفارة الروسية عدة مرات. عرض السفير الروسي في بريطانيا ألكسندر ياكوفينكو مساعدته في تأسيس استثمار في بعض مناجم الذهب في سيبيريا.

وينفي "بانكس" تلقيه أي شيء، لكن هذا الاكتشاف غريب ومثير للاهتمام على العديد من المستويات، حيث كشفت عن رابط آخر في سلسلة المصالح المشتركة التي تربط بين الحكومة الروسية و"بانكس" والقيادي نايجل فاراج في حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "UKIP" كونه رجلًا له دور في ارتباطاته مع جوليان أسانج وستيفن ك. بانون ودونالد ترامب. والأمر الأكثر إثارة للاهتمام، هو أنه يوضح أيضًا كيفية عمل آلية النفوذ السياسي الحديثة في "الكرملين" بشكل قانوني، وبدون تكبد أي نفقات حكومية ضرورية.

عندما سعت الحكومة الروسية إلى ترسيخ حكم المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر، لم تكن الحكومة بحاجة لدفع الرشاوي لكسبه إلى طرفها. وبدلاً من ذلك، عرضت عليه الشركات الحكومية والشركات ذات الصلة القوية بالدولة منحه منصباً في صناعة الطاقة الروسية ومنها الإدارة وعضوية مجلس الإدارة. عندما سعت الحكومة الروسية إلى تأسيس رابطة الشمال الإيطالية الموالية لروسيا، وهي أحد الحزبين اللذين يشكلان الآن الائتلاف الحكومي الإيطالي الغريب ما يسمى بـ"اليساري/اليميني المتطرف"، كانت خطوط الاتصال مماثلة عبر القنوات الخاصة. على سبيل المثال، عرضت جمعية "لومباردي" الروسية الثقافية المرتبطة بالحزب المساعدة في الوساطة في اتصالات مع رجال الأعمال الإيطاليين في روسيا، ورعت مؤتمرات استثمارية شارك فيها ماتيو سالفيني زعيم الحزب، بالإضافة إلى مسئولي القرم.

  على ما يبدو، كانت الاتصالات التجارية المفيدة هي إحدى الطرق التي من خلالها حافظت الحكومة الروسية على اهتمام عائلة "ترامب". حتى في خريف عام 2015، مع انطلاق الحملة الرئاسية، كان رجل الأعمال الروسي البارز فيليكس ساتر يسعى للتوسط في بناء "برج ترامب موسكو". وقال لمحامي "ترامب" إن الهدف كان سياسيًا وشخصيًا: "ساعدوا السلام العالمي وحققوا الكثير من المال، أود أن أقول إن هذا هدف عظيم بالنسبة لنا لكي نلاحقهم. كما أنه سيساعد في الوصول إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المجلس ومعه المشروع، انظر ما الذي يمكن عمله للمساعدة في الحملة. يمكن أن يصبح الفتى رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية ويمكننا تدبير ذلك". تفسر الآثار الفاسدة على الأرجح، أسباب استدعاء المحامي الخاص روبرت س. مويلر للمرة الثالثة للمحكمة لتقديم كل الأوراق المتعلقة بتلك الصفقة.

بالطبع، لم يتم بناء "برج ترامب موسكو"، ويبدو أن "بانكس" لم تستثمر في مناجم الذهب في سيبيريا، لكن هذا يكشف عن طريقة عمل الحكومة الروسية، حيث يتم تقديم المعارف والموارد ومن ثم يتم إجراء الاتصالات. بعض الصفقات تمر والبعض الآخر تبقى معلقة، ربما لإبقاء الجميع مهتمين بالعلاقات المستمرة. ربما شخص ما سوف يساعدك على الفوز في انتخابات وربما لا. على أي حال، إذا عرفت كيف تلعب بأوراقك جيدا، فإن عملك سوف يكلل بالنجاح وقد تصبح ثرياً مثل "شرودر" عندما تغادر منصبك، ولكن كونها قانونية لا يعني أنها ليست فاسدة.

----

*آنا آبلبوم | كاتبة في صحيفة "واشنطن بوست". تخصصت في شؤون السياسة الوطنية والسياسة الخارجية، وتركز عملها بشكل خاص على أوروبا وروسيا. وهي أيضاً مؤرخة حائزة على جائزة "بوليتزر" وأستاذة في كلية لندن للاقتصاد. كما أنها عضو سابق في هيئة تحرير صحيفة "واشنطن بوست".

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات