"أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي: هل يتحكم "الظواهري" في "قاعدة سوريا" وما وراءها فعلا؟

الجمعة 15-06-2018 | PM 01:03 صورة أرشيفية

يورام شويتزر - ميكي لوزون – أفيعيد ميندليبويم

شهدت الأشهر الأخيرة انشقاقات وصراعات داخلية مستمرة بين الفصائل التي تندرج تحت لواء تنظيم القاعدة في سوريا. وقد ارتبطت هذه الخلافات والمنافسات على ما يبدو بالولاء لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري وأيديولوجية التنظيم، وبدأت هذه الخلافات بالظهور بشكل متزايد على خلفية حالة الاضطراب والاختلاف في وجهات النظر التي برزت في السنوات الأخيرة في شبكة تحالفات "القاعدة" مع شركائها في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وتثير الأحداث في سوريا علامات استفهام بشأن وحدة "معسكر" القاعدة ومدى سيطرة "الظواهري" على شركائه في سوريا وفروعه في أماكن أخرى من العالم. يجب على إسرائيل أن تتابع جيدا التطورات المتعلقة بالتيار الجهادي السلفي، والسبب في هذا أن "الدولة الإسلامية" و"القاعدة" ينظران إلى إسرائيل واليهود كعدو لدود. هذه النظرة العدوانية المشتركة بينهما، قد تدفعهما إلى تنحية خلافاتهما جانبا في سبيل توحيد الكفاح ضد إسرائيل والهجوم عليها عندما تسنح الفرصة، رغم كل حالة الاضطراب والصراعات القاسية بينهما.

بعد فترة وجيزة من مقتل زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن في آيار/مايو 2011، تم تعين الدكتور أيمن الظواهري من قبل مجلس شورى التنظيم لقيادة "القاعدة". وقد كان "بن لادن" يحتل مكانته من سجله في القتال في أفغانستان خلال الاحتلال السوفيتي ومن خلال مسؤوليته عن سلسلة من الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة التي تحتل المرتبة الأولى في قائمة المعادين لـ"القاعدة" وأنصارها، وبلغت ذروة هذه الهجمات في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. "بن لادن" كان مطلوبًا من قبل العديد من أجهزة الاستخبارات في جميع أنحاء العالم، ما اضطره للاختباء في عزلة تامة في "آبوت آباد" في باكستان لمدة عقد كامل، ورغم ذلك تمكن "بن لادن" من مواصلة قيادة مؤسسته، واستطاع التأثير على المنظمات المتحالفة في جميع أنحاء العالم. وقد برهنت الوثائق التي تم العثورعليها في مخبأه في باكستان حيث قُتل، على ذلك.

إن استبدال زعيم أسطوري يتمتع بمكانة فريدة وسمعة عالمية داخل المنظمة وبين الشركاء ليست مهمة بسيطة أبداً. في الواقع، وجد –"الظواهري" أنه من الصعب أخذ مكانه والوصول إلى نفوذه في المنظمة، التي وجدت نفسها في أزمة عميقة بعد خسارتها العديد من كبار قادتها في هجمات الطائرات بدون طيار التي شنتها الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، كان هو نفسه مطلوبا ومطاردا في جميع أنحاء العالم. ومن العقبات الأخرى التي واجهت "الظواهري" في محاولته السيطرة على نظام التحالفات المنتشرة عالمياً، والذي يحتاج إلى قائد مُوحِّد يتمتع بشخصية جذابة، بينما هو يفتقر إلى الخبرة القتالية في المعارك ولديه شخصية مثيرة للجدل.

أدت اضطرابات أحداث الربيع العربي إلى رحيل قادة عرب بارزين كانوا يعارضون بقوة تنظيم "القاعدة"، مثل حسني مبارك من مصر، معمر القذافي من ليبيا، زين العابدين بن علي من تونس، وعلي عبدالله صالح من اليمن. وقد ساعد هذا "الظواهري" ومنظمته على الخروج من الأزمة، حيث ضخت الاضطرابات معها دماء جديدة إلى المنظمة والفصائل المتحالفة معها، زادت من قوة صفوفها عندما فر العديد من أعضائها من السجون في بلدانهم. جاءت الحرب الأهلية المستمرة في سوريا كفرصة ذهبية لـ"الظوهري" ومنظمته لجذب الآلاف من المتطوعين المسلمين من جميع أنحاء العالم، لإعلان سوريا "ساحة للجهاد" التي خُصصت لإحياء التجنيد الجماعي والترويج لفكرة الجهاد العالمي من خلال المشاركة في القتال هناك.

ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، شكلت الاضطرابات في الشرق الأوسط نقطة تحول سلبية في العلاقات بين القاعدة وشركائها. أدار تنظيم "القاعدة" في العراق بقيادة أبوبكر البغدادي ظهره للمنظمة الأم. وتجاهل "البغدادي" مركز "الظواهري" الرفيع، وأنشأ منظمة جديدة هي الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش)، حيث سيطر ولوحده على جبهة النصرة -الفرع السوري من تنظيم "القاعدة"- دون الأخذ بمشورة "الظواهري" أو الحصول على موافقته. وقد رفضت جبهة النصرة بقيادة أبي محمد الجولاني طلبا من العراق بالقسم بالولاء لـ"البغدادي"، وأعربت في المقابل عن دعمها وولائها للظواهري. ومنذ ذلك الحين، كانت هناك سلسلة من الانحرافات والانقسامات بين مؤيدي "القاعدة" في سوريا، ما جعل قدرة "الظواهري" على قيادة "معسكر القاعدة" عرضة للخطر.

على خلفية حالة التوتر في 2014 مع "البغدادي"، سارعت جبهة النصرة بقيادة "الجولاني" إلى الإعلان عن ولاءها لـ"الظواهري". وأعلنت في تموز/يوليو2016 أنها فكت ارتباطها بـ"القاعدة" بسبب الضغوط الداخلية والخارجية للتخلي عن ارتباطها مع المنظمة، وغيرت اسمها إلى جبهة فتح الشام (الجبهة المنتصرة في سوريا الكبرى). هذه الخطوة جاءت ظاهرياً بمباركة "الظواهري"، رغم أنه تبين لاحقاً أن هذا الأمر تم دون الحصول على موافقة "الظواهري"، بل أن من وافق على هذا الأمر كان نائبه أبوخير المصري الذي قُتل بعد ذلك على يد قوات الولايات المتحدة. رفض كبار القادة الدينيين الذين دعموا "القاعدة"، وفي مقدمتهم الأردني أبي محمد المقدسي، هذه الخطوة أيضا وتعاملوا معها على أنها تحدٍ لقيادة "القاعدة" وخرق لقسم الولاء لـ"الظواهري"، وأعربوا عن قلقهم من احتمال حدوث انشقاق داخلي إضافي (فتنة) بين أنصار القاعدة، كما حدث بعد انشقاق "القاعدة" بقيادة "البغدادي".

في كانون الثاني/يناير2017، انطلاقاً من الاعتبارات السورية الداخلية استمر ما تبقى من جبهة النصرة في جهوده لطمس الروابط بـ"القاعدة" وغيرت اسمها مرة أخرى إلى حياة تحرير الشام (لجنة تحرير سوريا الكبرى). أثارت هذه الخطوة المزيد من الانقسامات في صفوف المنظمة بين أولئك الذين أيدوا إبراز الجانب السوري ومؤيدي "القاعدة" على المستوى العالمي. وهدد أعضاء بارزون في المنظمة من أنصار تنظيم "القاعدة" بالانشقاق وحاولوا إشراك أعضاء آخرين في تمردهم، وتم اعتقالهم في أواخر عام 2017 بناء على تعليمات قادة "حياة الشام".

بعد فشل المحادثات بين القياديين ومحاولات التوسط بينهما من أجل تسوية الخلافات ومنع انقسام داخلي آخر في المنظمة في سوريا. تم تأسيس منظمة جديدة في سوريا في أوائل عام 2018 تضم 11 فصيلا انشقوا عن "حياة التحرير الشام"، تحت اسم (حراس الدين)، وأعضاؤها البارزون من أنصار "القاعدة"، لكن مدى سيطرة "الظواهري" على هذا التنظيم الجديد غير واضح.

إن المنظمات الجهادية السلفية الموالين لـ"القاعدة" في الماضي والحاضر تقاتل الآن مجموعة من الأعداء في سوريا. من جهة تقاتل قوى سورية وروسية وإيرانية وحزب الله، ومن جهة أخرى تقاتل قوات المتمردين، بما فيهم "داعش" وتحالف محلي جديد يسمى "جبهة التحرير" بقيادة مجموعة أحرار الشام. اندلعت بعض الخلافات بين "حياة التحرير" و"القاعدة" وأنصارها في سوريا، حول موضوع علاقات "حياة الشام" مع تركيا. وعلى الرغم من وجود اتصالات مع تركيا بسبب القيود الشديدة والضغط التركي وحتى التهديدات بالهجمات، فإن "القاعدة" ومؤيديها في سوريا يرفضون مثل هذه الاتصالات ويرون فيها انحرافًا أيديولوجيًا خطيرًا، بالإضافة إلى أنه خطأ استراتيجي. وينعكس هذا النهج من قبل "الظواهري" الذي يرى أن العلاقات بين الجماعات الجهادية السلفية والدول التي تتعاون مع النظام السوري، بما في ذلك تركيا، بمثابة "فخ العسل" مع استنتاج كارثي متوقع يجب تجنبه بأي ثمن.

إن معسكر "القاعدة" في سوريا في خضم عداء داخلي خطير يهدد بقائه وأصبح كاللعبة في أيدي أعدائه من جميع الأطراف. تثير حالة الاختبار في سوريا علامة استفهام حول قدرة "الظواهري" و"القاعدة" على التحكم في المناطق التي ينتشر فيها شركائهم وحلفائهم، وبالتالي فإن الرأي السائد بين الباحثين الأكاديميين والمعلقين العالميين هو أنه بغض النظر عن أعدادهم المتزايدة وتواجدهم في العديد من الدول في جميع أنحاء العالم، يجب دراسة القوة المتنامية لـ"معسكر القاعدة" في ضوء تماسك التنظيم الهشّ واستعداد أعضائه المشكوك فيهم لقبول قيادة "الظواهري" واعتناق أيديولوجية "القاعدة" المتعصبة.

يجب على إسرائيل أيضاً متابعة التطورات المتعلقة بالمنظمات التي تم تحديدها مع التيار الجهادي السلفي. سواء كانوا ينتمون إلى الدولة الإسلامية (داعش) أو إلى معسكر "القاعدة"، لأنه على الرغم من العداوات والصراعات المتصاعدة في الداخل والخارج، فإن هذه الجماعات كلها تعتبر إسرائيل واليهود أعداءاً من الدرجة الأولى. هذا القاسم المشترك يمكن أن يدفعهم إلى تجاهل مشاجراتهم لصالح توحيد الكفاح ضد عدوهم اللدود، ليتم مهاجمتهم عندما تتاح الفرصة. من ناحية أخرى، يمكن لإسرائيل والعناصرالأخرى التي تحارب الجهاد العالمي أن تستغل هذه الصراعات الداخلية بين الجهاديين السلفيين لمصلحتهم الخاصة، وذلك على مستوى العمليات الاستخباراتية وفي حلبة الصراع الدائر في المنطقة.

 ----

*يورام شفايتزر - هو رئيس برنامج  حول الإرهاب والصراع منخفض الشدة في معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي (INSS).

*ميكي لوزون - متدرب في البرنامج.

*أفيعيد ميندليبويم - مساعد باحث في البرنامج.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

أحدث الدراسات